قراءة في قصيدة “عيون المها لا تبكي” للشاعر سي محمد البلبال

قراءة في قصيدة ” عيون المها لا تبكي” للشاعر سي محمد البلبال بوغنيم

عبدالله علي شبلي*

 

عيون المها لا تبكي في عهدة الشعر أبدًا، بل تنشر الأنس والجمال وتمحو ظلمة ليل الغبن والدنس.

هذا الوطن الذي يسعى الشاعر لامتلاكه دومًا في هواه الشعري السرمدي، في مملكته التي يصنعها برويةٍ على مدارات حروفه المنسوجة بمخيط الحاذق الفطن، إذ يجعله سنام قريضه، وطن لا يشبه الأوطان من قريب ولا بعيد، لا يشاكلها ولا يماثلها، وطن بلبالي النمط فريد التشكل، لا يوازيه عند مخالفيه إلا ما أسماه هو ” حلمًا بعيدًا “، رغم ذاك البعد الذي لا يطاول ولا ينال عند غيره، فهو عند الشاعر طوع البنان رديف القريحة الشعرية، ينسجه بخيوط حضنه، بقلبه المجيب، بعشقه الغريب، ينتظره على مشارف قاب قوسين من تبني القصيدة، وطن يرقبه من عل واقفًا متأملاً، إنه صنيع القريض مذ أن تشكلت ناصية القصيدة، وهو يغزله تباعًا، مهدهدًا ومربيا، ويبني جدره لبنة لبنة، كما يشتهي لـ عيون المها التي لا تبكي، غزال منطلق رديف الجمال والحرية والبهاء، يمشي أو يجري مختالا، لا يعترضه حاجز ولا يحول دونه حائل، غزال ينشر الجلال والجمال، عيونه أمنيات الشعراء، ورشاقته ذروة عشق غيد النساء، هو نفسه ذاك الوطن الذي أسدل به حجب الأمنيات عن قصيده ليجعل ميسمه ما جاءت به مراسم الحكمة ونواميسها، ذكاء يصنع بتؤدة بالغة، وبصيرة تسود، وبهاء يرسم القصيدة بغنج آسر في كنف المعنى. إنه الوطن ذاته الذي وسمه بالحلم الباسق السامق، هو الوطن الذي لا ينهيه الشاعر إلا كحلم حادي العيس خببا. 

وهكذا تباعًا أفضى تناسل أحرف النص إلى استدعاء الشاعر السؤال الانكاري بحرفية ماهر، ليغير من رتابة التعاطي ويستنهض لدى المتلقي شهية الترقب من جهة وحيرة التعاطي من جهة أخرى، فيخرجه من مُعطى التقريرية والخبرية السابقة، ليفتح في وجهه متاهات التساؤل التي تكون مثقلة بالتأويل، كيف لا والمقولة تنص على أن ” السؤال أقرب أبواب المعرفة “.

إن الدعوة إلى التأمل هي الديدن الذي انتهجه الشاعر، هي العلو والسمو وجمال الخلق والتشكل، نشير هنا إلى تتابع وتناظر كلمتي” علت ” و ” سمت “.

هذه الدعوة ليست – كما يعتقد المتلقي – محصورة في التأمل فقط والعبرة، وإنما هي دعوة عبر السؤال الإنكاري جاءت، لتسيد الجمال في شذى وردة تربت على تلقي الشعر في قصيد سمت، وإلى تذوق عسله في مرارة الخيبة وكد الرجال. 

هو وطن يتشكل بتناسل أحرف القصيدة، تصنعه أرض عاشقة أصابها المطر فاهتزت وربت..، هذه الأنسنة التي أصبغها المبدع على أرضه هي ما تجعل الحروف تستقيم محيلة إلى الرفد الذي استنبته الشاعر رويداً وعلى مكث في تفاصيل النص، وطن ذاك المنشود أرضه تقل وسماؤه تظل، يمنح استيطانه ” العرض “، وليس الأرض ” حفنة تراب من ديجور أغبر “.

وتأتي الاستغاثة مباشرة ” لا تتركوني وحيدة ” لتمنح المتلقي شارة عبور، إن شئنا، وقد استعملها الشاعر بحذق بعد أن مهد لها بفعل ” قالت ” هذا الإنتقال الحواري لم يكن منتظرًا بعد سابق تقرير، غير أن تناسل علامات الاستفهام قبلاً جعل الجواب منتظراً ومرفقاً بنقطتي القول الضمنيتين.

وإن تكن الأرض حفنة من تراب كما قلنا آنفا ، فان التراب لم تبع أرضاً ولا عرضاً، بل هي خصب معطاء كفلت النماء والتجدد، إنها أرض عطشى لتبوح بحب وطن ناهض بسيادة قيم الإنسانية تكتب قصيدة في حب أرض لم تنجب شاعراً ، وكأنما الوطن هو امتداد لي ولك ولكل آدمي يحتاج الريح بوحاً لتنقل حبه للآخرين هناك في ركن قصي. 

يمضي الشاعر راسماً ديدنه بريشة تفصل مقاساته على قدر السؤال الذي عشقه في القصيدة، ليستنهض عند المتلقي معنى التفاؤل والبسمة، كسراً للثام غيم ساد بسواده، لأنه لم يكترث بهذا التسيد، وهزمه، متخذاً من نور الشمس والمعرفة أنموذجاً للقدوة نفسها التي تصدر في المقابل من شريكها ” القمر” ليمنح الشاعر نور العرفان والحكمة ويمارس الصمت المعرفي على هواه، وما السعادة إلا نورا لحكمة الصمت و لصمت الحكمة!

إن اللغو والهفو في القريض تمهيد لمعصم ينز بغربة الهوية، حيث يتشكل حب لم تألفه امرأة صنعت ساعة الغواية، لكنها لا تألف، بل تأنف هناك، فهب تمايز وتحالف منشأ ومبتدأ، فالبدايات تحمل النبأ يقينا في جذورها البعيدة ” إن ماء من غير جب الوطن سيكون آسنا لا عذوبة فيه، فامض لتصفي ماءك وتسقط قناع الزيف عن ماهية وطن ترضاه وهو يسقط صمتاً ماحياً للغة ملتبسة تتعايش مع الدماء، يتحكم في شربها أساطير وخرافات تختص بكل شخص كيفما أتفق. 

دعوة الشاعر إلى خلق وطن يعمره جيل يبني، يضحي بمعرفة ودراية، ويؤمن قبل هذا كله بقدرته على إسقاط سطوة الخرافة وسيادة المستحيل، هو الجيل ذاته الذي يراد له أن يصنع السلام والحرية.

أهو هروب إلى الطبيعة بمعناها الرومانسي الممتد ذاك الذي يبتغيه السي محمد البلبال كـ حلٍ حين يلوذ بالبحر مستسلما ؟ 

لا، وألف لا، إنه يربطه نفسه بالطبيعة تماهيًا وتوازيا، فما هو إلا امتداد لهذه الطبيعة، وما الطبيعة إلا جزء لا ينفصم عنه ” إنه الماء نفسه وهو السر. بل هو الطير الذي يلوح بالبقاء محلقا، ليستمد من السماء نورها الفجري وأنوار المعرفة، فيبني بالعشق أسس سعادة إنسانية ممتدة، عمادها لا تلين ولا تسقط : ذكاء المعنى، أسرار الحكمة وبهاء البصيرة “

وحين يتشكل وطن سمته سيادة معاني البهاء، وتحكمه أسرار الحكمة، وتقوده معارف البصيرة، فقد اكتملت رسالة الشاعر، ليتخذ النبل والسمو والشموخ سبيلاً لتجسيد حلم الإنسانية، هذا النهج الذي كان يختطه السي محمد البلبال في شعره دوما، إنما هو رسالة يتبناها موقناً بها ” شعارًا ومنهجًا ” لن يتأتى إلا بتحصيل المعرفة التي تصنع الرؤية والرؤيا، كدًا وجهدًا، يحارب الظلم وكبد الإنساني، ويمحو آثار الجهل المعتدي باسم العرقية والطائفية، ويقتل الخرافات والأساطير البالية.

عيون “المها” لا تبكي.

الشاعر المغربي السي محمد البلبال بوغنيم

حلم بعيد

حضن مريب،

عش مهيب،

قلب مجيب،

عشق غريب،

ووطن ينتظر على مشارف قاب قوسين أو أقصى.

أفلا تنظرون أيها الناس إلى وردة شذت؟

وإلى إبل علت؟

وإلى قصيد سمت؟

وإلى العسل في عيون ‘المها” التي

أدمعت 

وما جفت؟

وإلى الأرض كيف 

أحبت وانتظرت الغيث فارتوت

بمتن واستوت 

ما بغت

وما باعت أرضا ولا عرضا،

وقالت

لا تتركوني وحيدة

فلا الغيم يكفيني

ولا النوى يرضيني،

سلموني للريح 

للبوح لأغنية كتبتها في أرض لم تنجبني

ووطن لم يرفع قضية على مسافر

نسي موعد انطلاق 

سيارة الوجد في المقل.

 ألم تنظروا أيها الناس

إلى الشمس كيف حوصرت وما حزنت أماطت لثامها الغيمي فابتسمت؟

وإلى القمر الذي

خبأ حزني حين ناولني جرعة نور

وقطرة صمت

بعدما رنت؟

وساعة لغو لما أزفت؟

وامرأة حين هفت؟

علمت للتو أنها أخرجت من معصمها أسدسا للغربة وآخر للهوية

التي ألقتها في جب للغواية لم تألفه ساعة، 

هي لم تنتبه لصوت كافكا أو يوسف

قالت:

حسبته

نبيا فوق التراب

وسألت البدايات عن بداياتي،

وعن أمم رست على شاطئ بركنا الزرقاء؟

أجابتني

أو أنبأتني:

 سيان

أن الجب عليل

وأن ماءه لا يشفي  

من لا يبتغي غير الوطن وطنا،

وأننا هنا عاقدون العزم صامدون إلى أن يسقط القناع

بين جدران الصمت 

وارتباك اللغة الجارفة

التي تستبيح دمي

ولا تلقيني في جب

أردته الحكايات القديمة خرقا بالية

نعلقها كلما جف ماء البئر

ونكتب عليها خطيئتنا واحدا واحدا،

كلما سلمنا

ببدايات لا بداية لها،

وكلما سلمنا أن هاته الأرض لا مكان لها في أرضنا،

وكلما أنجبنا جيلا 

لا يخرق المستحيل والمستباح.

أولم تنظروا أيها الناسوت إلى

سقط الزند وإلى 

الغابة التي

أكلت وحشها وهشمت نسغها؟

وإلى من رصع بالكلام موج الأغاني

وبالسلام بساط الأديم ووزع دروعا للحرية والحب والحرب والسلم في السماء والأرض؟

ألم تر كيف فعل سلطان من الغرب /بعد الشمس/ 

بالعرب وبحلمنا ودمنا 

حين أيقن أن عصابيته وعصاميته أوجست

 خيبة،

 ريبة،

 تثبيتا،

ونكوصا؟

كم أخشى ألا يهدل الحمام في زمن الصحو 

و “المها ” لا تبكي،

سيري يا “مها”

إلى أن تبني الأرض 

أقبية خارج الجنة

بين نار باردة ملؤها القر،

وأخرى حرها حر حر !

سلمني لديدنك أيها البحر

 ماعدت أقوى على وقف التجديف فأنا الماء 

والسر

 والطير

 الرقراق

سأستمر محلقا

حتى أبني 

بالعشق وبأعشابنا التي لا تيبس وبحروف الأنوار فجرا يؤذن 

للسعادة في كل الأصقاع،

وأبقى أكرر 

ماجاء به 

أهل الحكمة وسرها:

الذكاء، 

البصيرة

البهاء

في كنف المعنى 

والحلم

 الباسق

السامق

 الذي لا ينتهي الا كحلم حادي العيس خببا.

 

*كاتب من المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *