النيل في شعر عَلوي الملجمي

 النيل في شعر عَلوي الملجمي

 

 

قراءة: محمد فوزي أبوغانم*

للنيل سحره المميز الذي فتن به كل من مر عليه، لم يترك أحداً ارتوى من مائه الرقراق أو جلس على تبر ضفتيه من ساكني واديه أو من زائريه إلا وأصابه بسهام الحب والهيام. افتتن به البطالمة والرومان فاستقروا قريباً منه، وشيدوا مدنهم ومعابدهم على ضفتيه بالإضافة إلى عاصمتهم الرئيسية “الإسكندرية” على ساحل المتوسط. وعندما فتح العرب مصر في منتصف القرن السابع الميلادي هابهم منظره فدارت في رؤسهم الخيالات، فمنهم من نسج حوله الأساطير، ومنهم من كساه بهالة قدسية؛ لذا زعموا أنه ينبع من الجنة أو من تحت سدرة المنتهى، “إن العرب حين رأوه لم يلبثوا أن تصوروه نابعاً من الجنة.. ،وخُيّل إليهم في نشوة أخرى أن النيل ينحدر إلى الدنيا من تحت سدرة المنتهى أو من تحت صخرة بيت المقدس.”[1]، فانبرت الأقلام بكل اللغات منذ عهد الفراعنة إلى الآن تكتب متغزلةً في هذا النهر الخالد.

لم يسلمْ علوي الملجمي من سهام كيوبيد التي رشق بها قلبه فهام بالنيل حباً وغراما. لم يكن يعلم الملجمي الشاعر اليمني الأصل والملامح بعد أن أنهى ليسانس التربية بجامعة البيضاء أنه على موعد مع نيل مصر في بعثة دراسية لنيل درجتي الماجستير والدكتوراة في الأدب العربي من جامعة سوهاج، التي تقع على الضفة الشرقية لنهر النيل.

وما إن استقر به المقام في مدينة سوهاج حتى اعتاد الجلوس في نادي أعضاء هيئة التدريس المطل على النيل أو السير على الكورنيش الشرقي جنوب الجامعة. وقد سعدت بصحبته عدة مرات في ليالي الصيف نلتمس طيب هواء النهر، ونستمتع بالنظر إلى صفحته المتلألئة بأضواء المدينة الهادئة. وفي إحدى ليالي أغسطس عام 2017 كان بيننا موعد على كورنيش النيل الشرقي لمناقشة ديوانه “على هامش المستقبل” الصادر حديثاً آنذاك من دار اقرأ للطباعة. وللمفارقة العجيبة ما إن بدأنا الحديث عن الديوان حتى وجدنا أنفسنا نتحدث عن السيميائية وأهم الإتجاهات الحديثة التي تفرعت منها، خاصة السيميائية البيولوجية، فأنسانا رولان بارت وأمبرتو أيكو وتوماس سيبيوك حديثنا عن الديوان. في هذه المقالة أنوي مناقشة بعض قصائد هذا الديوان الذي يتميز بروعة الأسلوب وجزالة العبارة وحداثية الصور، رغم استعمال الكلمات التراثية على نطاق واسع واعتماد الشعر العمودي الذي طغى على شعر التفعيلة في معظم القصائد. وقد تخيرت الكتابة في موضوع بعينه: “النيل في شعر علوي الملجمي” لسببين أولهما: أن النيل هو الذي جمعني بالشاعر، وثانيهما ما اقتفيته من صدق العاطفة ونبل المشاعر تجاه هذا النهر العظيم.

 

لقد تكلم الملجمي عن النيل على نحو مباشر في ثلاث قصائد بدأها بقصيدة “شكوى” التي يقول فيها: [2]

أيا نيل ما يجري ويا دهر ما جرى

ويا ناس ما للنيــــلِ أصبحَ أصفرا

ومالك يا نيل الهوى صرت قاتما

كأنك صحرا تبعث اليأس والكرى

وهي قصيدة قصيرة لا يتجاوز عدد أبياتها أصابع اليد الواحدة، والقصيدة مناجاة بين الشاعر والنيل؛ يبثه همومه ويشكو له أحزانه، فيرى فيه انعكاساً لمشاعره وأحاسيسه. والشاعر هنا يسقط ما في نفسه على النيل، ويسأله عما جرى من تبدل أحوال الناس نوما استجد من صروف الدهر وحوادثه، ثم يتساءل عن سبب تحول النيل للون الأصفر ،فأضحى وكأنه صحراء مقفرة لا تسر الناظرين، وقد وفق الشاعر في استخدام أسلوب الإسقاط اللاشعوري، فبات يرى في النيل ما في نفسه هو من قتامة ويأس، “فيشخّص الطبيعة ويضفي عليها مضموناً انسانياً ليربط بينها وبـين واقعـه النفـسي وأحاسيسه الخاصة، ويرى فيها ذاتاً تنبض بالحياة وتتجاوب معه، وبهذا العمل يحاول الشاعر استكشاف عالمه الداخلي.” [3]

كما وفق أيضاً في استخدام اللون الأصفر وما له من دلالات نفسية “واللون الأصفر لا يوحي بالراحة والهدوء في غالب دلالاته.”[4]، وهذا الإصفرار ما هو إلا اصفرار وجه الشاعر نفسه، وبذلك يتضح الإسقاط الذي وظفه الشاعر في البيتين السابقين للبيت التالي:

رأيتك في نفسي فوجهي أصفر

من الهم، إنا المذنبان من الورى

أي أن ما يراه في النيل ما هو إلا انعكاس صورته على صفحة النيل، فيكشف عن وجهه المصفرّ من كثرة الهموم، ولشدة ارتباطه بالنهر يتوحد الشاعر معه في قوله “إنا المذنبان” حتى يصيرا نفساً واحدةً. ويختتم الملجمي قصيدته بهذا البيت:

فهيا اسقني من رملك اليوم أكؤساً

فما عدت من همي أذوق ولا أرى

لقد استوقفني هذا البيت كثيراً، من أين جاء به الملجمي؟ ومن ذا الذي أخبره أن طميّ النيل كان يُمزج بالماء لاستخدامه كترياق يقي من الأمراض والهموم، “ففلاحونا يرون الطين العالق بمائه نعمة تقتنى، وشراباً يُحتسى، ومنفعةُ تبتغى ..، وتتجه إليه الأمهات المصريات في الريف كما تتجه إلى طبيب لا يخيب له دواء، كيف وقد لُقنا صغاراً أغراراً أنه أكسير الحياة.” [5]

كما صرّح بذلك لاحقاً في قصيدة: “ليلة رمادية في أذن النهر”، سنأتي على ذكرها لاحقاً بشيء من التفصيل، يقول فيها:

إن عاتب الليـل أفعالي أقول لـه

لم السؤال وطول القيل والجدل

عاتب وطل ثم أردف ما تشاء.. حقباً

ما النيل إلا شفاء النفس والمقلِ

هل اكتسب الملجمي حقاً هذه المعرفة العميقة بنهر النيل في أشهر قليلة حتى يصدر منه هذا الكلام !، أم أن شدة ارتباطه وتعلقه بالنيل دفعت النهر أن يبثه أسراره التي اختص بها المصريين؟ بيد أن الشاعر لم يوفق في استخدام كلمة “رملك” فالرمال إذا وجدت في نهر انتقصت من خصوبته حتى أوصى بعض الجغرافيين “ألا ما أحق أن تخلط تربة مصر بالرمل وإلا جاوزت حد الغنى إلى درجة تخصب معها الإناث حتى لتلد الشاة مرتين في العام وتنجب النساء في الغالب توائماً ..” [6] ، لكن قد ينصفه قوله السابق “كأنك صحرا تبعث اليأس والكرى” فهو من شدة الهموم يراه صحراءً فتكون تربته رمالاً لا طميا ،وحتى يحدث اتساق في القول والفعل.

في ديوانه تداخل مذهل بين حبه لمصر وهيامه بالنيل، فلا تعرف أيهما أسبق وأيهما هو سر هذا الحب. هل حب مصر الذي دفع به للهيام بالنيل؟ أم أن هيامه بالنيل هو الذي أوقعه في حب مصر؟ يظهر هذا التداخل العجيب جلياً في قصيدته “مصر الهوى” التي يقول في مطلعها: [7]

يا مصر ما للشوق فيك مولع

قطعت قلبي من أسى وفراقِ

بالرغم من أن القصيدة في حب مصر إلا أن النيل هو الأكثر حضوراً فيها وطغى ذكره على ذكر مصر؛ فقد خصص الملجمي ثماني أبيات من أبياتها الاثنا عشر للحديث عن النيل واصفاً إياه ومتغزلاً فيه. كما جاء “النيل” صريحاً بلفظه أربع مرات، وثلاث مرات على نحو غير مباشر في الضمير المتصل الهاء في: “مائه، قلبه وجناته”. أما حديثه عن مصر فجاء في البيتين الأول والثاني، بيد أن البيت الثاني ما هو إلا تمهيد لحديثه عن النيل:

ورياحهــا غزلى ،كأن نسيمها

 نار الهوى يسري إلى العشاقِ

وما “نسيمها” – نسيم مصر – سوى نسيم النيل:

يهديهم نيل الهوى نسماته

سكرى فيرسمها على الأحداقِ

وإذا دققنا النظر في كل كلمة من كلمات القصيدة لَتَكَشَّفَ لنا أن كلمات الهوى جاءت في معظمها متعلقة بالنيل أكثر من تعلقها بمصر، نحو: “ماء الغرام، نيل الهوى، موجة مغرم، شواطئ قلبه وكأس العشق في جناته.”

ثم يتزاوج حب مصر مع حب نهرها العظيم ليختم القصيدة:

وتظل مصر ونيلها خمر الهوى

ستظل مهوى الروح والأشواقِ

إذا كان عنوان القصيدة “مصر الهوى” إلا أن ثلثي أبياتها تقريبا عن النيل – وكأن مفتاح قلب الشاعر لمصر هو هذا النهر العظيم – من خلال استخدامه للتشبيه والتشخيص والصورة المركبة.

قبل أن ينهي الملجمي ديوانه، أفرد قصيدة طويلة نسبياً – بالمقارنة بقصائد الديوان – عن النيل فقط وعنوانها “ليلة رمادية في أذن النهر” يقول في مطلعها: [8]

قتلتُ ما كان في الأيام من زلــلِ 

وجئت أحيــا بلا عـــذر ولا حيلِ

يستهل الملجمي قصيدته فتتجلى ثنائية الموت (قتلت) والحياة (أحيا) التي تبنى عليها أسطورة النهر الخالدة؛ فالنيل جاء يمخر بمياهه في الصحراء القاحلة فأحيا أرضاً مواتاً وروى أنفساً عطاشا. وهذا الفعل مازال مستمراً ما دام النيل يتدفق من منبعه في الجنوب حتى مصبه في الشمال. وللنهر جانبان يحييهما: الجانب المادي وهو تأثيره في الأرض وفي الجسد، والجانب الروحي وهو تأثيره في النفس البشرية. والشاعر يركز على البعد الروحي في الإحياء أكثر من أي شيء آخر. بيد أنه يتخذ من البعد المادي الأساس الذي ينبني عليه الأثر الروحي. فلولا تأثير النيل على الأرض والجسد ما شعرت به النفوس والأرواح.

عاتب وطل ثم أردف ما تشا حقبـاً

ما النيل إلا شفاء النفس والمقـــل

عصرت في مائـه نفسي فبات بهـا

يجري فيملأهــا بالفــأل والأمــل 

ثم يستمر الشاعر في وصفه للنهر وصفاء مائه ونسيم الليل حوله والسماء فوقه حتى يستوقفه ليبث له شكواه:

يمشي وكل عيون الناس نائمــــة

قف أيهـا النهـر كي أشكوعلى مهل

من الأبيات قوية الصورة التي تظهر براعة الشاعر في استخدام اللفظة الواحدة لتعطي لنا مجموعة من الدلالات المختلفة والمتباينة في آن واحد، قوله:

لو اصفرارك من حسن تـــــزان بــه 

فإن صـفرة جسمي من رحى عللــي

يستخدم الملجمي هنا اللون الأصفر ليحمل دلالتين متباينتين، الحسن والمرض. إذ يقارن بين صفرة النهر التي ما هي غير انعكاس صورة الشمس على صفحته وقت الأصيل

أو كالأصيل كستك الحسن صفرته

فقد دعا ببقايا النور للأجل

وصفرة جسمه التي أضنته العلل والأسقام حتى استحال أصفر كالنباتات الذابلة. وهذه البراعة لا تخرج إلا من أديب أريب وشاعر حصيف عالم بالألفاظ ودلالتها. 

وهذه الخاصة ليست مقتصرة على اللون الأصفر وحده فهاكم اللون الأبيض متعدد الدلالة ومتباينها: ” فقد يوحي الأبيض بالبراءة والنقاء، وقد يوحي بالسذاجة وقلّة الخبرة، وقد يكون لون الكفن أو لون ثوب العروس ليلة زفافھا. وقد يرمز المطر إلى الخير والخصوبة وقد يرمز إلى الظروف غير المواتية وغضب الطبيعة.” [9]

ويُلاحظ ولع الملجمي باللون الأصفر الذي يسيطر على باقي الألوان المستخدمة في قصائده الثلاث عن النيل.

ثم يأتي الإسقاط اللاشعوري مرة أخرى قبل هذا البيت عندما يسقط الشاعر ما في نفسه على النهر:

أنا وأنت حبيسا الليــــــل يقتلني

هدوؤك المر حتى ذبـت من وجلـي

فالشاعر لم يزل في صراع مع الليل المعاتب الذي لا ينفك عن عتابه وزيادة همومه وأتراحه. وقد يدعي البعض أن هذا البيت يناقض الجو النفسي للقصيدة خاصة بعد أن “قتل” الشاعر جميع همومه في أول بيت منها، لكن يمكننا القول إن الشاعر لم يتخلص بعد من همومه بعد، لذا قصد النيل ليرتاح من عذاباته، ثم إن الشاعر يعي ذلك جيدا ويقره في الأبيات التالية:

ذاتي تسافر في أمواهـــه أمــــــــلا  .:.  في مستقر بقلب غـــــير مرتحـــل

وإن قلبي بشــطء النهــــر نازفة  .:.  جراحه تروي قاني النيــل كالهطل

سكبت في النيل آلامي ففاض بها  .:.  ففي ضـــلوعيَ هـم غير محتمـل   

كما يؤكد مراراً أن النيل – مجازياً – القادر على أن يريحه من تلك العذابات فيقصده دائما يشكو إليه بثه وحزنه. وقد توطدت العلاقة بينه وبين النيل حتى صار له أكثر من صديق، فتراه يهرول إليه ليحكي له عن طموحاته وأحلامه وذكرياته وعن جميع تفاصيل حياته:

أبيت أحكي له فزورة نُسيت  .:.  عن الطموح الذي قد قاد للزلل

ثم تتحول هذه الصداقة إلى وَلَهٍ وغرام يدفعاً الشاعر إلى صوغ أغنية يلقيها على مسامع النيل تقديراً واحتراماً وحباً له:

أبثه من لهيب الحرف أغنية  .:.  تذيب نار لظاها قوة الجبل

ختاماً:

لقد نجح علوي الملجمي في توصيل مشاعره النبيلة تجاه نهر النيل من خلال ما كتبه في قصائده الثلاث، ومن خلال ما استخدمه من تقنيات تجعل من النهر إنساناً يتفاعل معه الشاعر في كل لحظاته، وبذلك فقد أخرجه الملجمي من مجرد عنصر من عناصر الطبيعة إلى إنسان يحس ويشعر ويفرح ويحزن ويتألم.

الهوامش:

نعمات أحمد فؤاد، النيل في الأدب الشعبي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، 1973، ص 17.

علوي الملجمي، الكتابة على هامش المستقبل، دار اقرأ للطباعة بسوهاج، ط1، 2017، ص37. 

عبـد الـرحمن عرفان، الشعر الحديث في اليمن: ظواهره الفنية وخصائصه المعنويـة، جامعة بغداد، ط1 1996، ص 48.

ظاهر محمد هزاع الزواهرة، اللون ودلالاته في الشعر، دار الحامد للنشر والتوزيع، ط1، ص117

النيل في الأدب الشعبي، مرجع سابق، ص 18 

المرجع السابق، ص 17-18

الكتابة على هامش المستقبل، مرجع سابق، ص97

المرجع السابق، ص 105

بهاء الدين محمد مزيد، إلا رمزا، دار كتابات جديدة للنشر الإلكتروني، ط 1، 2016، ص 9

 

* كاتب و ناقد مصري

8 thoughts on “ النيل في شعر عَلوي الملجمي

  1. رائع جدا. اخذني المقال في رحله شوق الى لقاء استاذنا واديبنا الرائع الدكتور علوي الملجمي على ضفاف النيل.مودتي لك بحجم مصر الكنانة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *