قراءة تحليلية فنية في قصيدة: (مستورة) للشاعرة ليلى الأحمدي

قراءة تحليلية فنية في قصيدة: (مستورة)

للشاعرة السعودية : ليلى الأحمدي

قراءة الناقد : صالح الحسيني*

 

النص:
كل الرؤى كانت طيوفك بينما
خلت الدنى من نجمك الوقاد
لي في وداعك قصة ألبستها
في قادم الأفراح ثوب حداد
كل الغياب و سر فقدك و البكا
و خرافة الموت الأليم بواد
و رؤاك و الذكرى الجميلة و المنى
و تبسم الزهر الندى بواد
لست الفناء و لست قنديلا” غفا
أنت الغناء و فرحة الأعياد
أنت الهدايا و العطور و شمعة
في حفلة العمر القصير الغادي
لك في صميم القلب نبض لم يقف
لا زال يعزف لحنه بعناد
هل في ضلوعي تستكين حكاية ؟!
قد صرت من ترديدها كالحادي
و أراك في لثغ (الوتين) و شَعرها
و ثيابها و أساور و قلاد
في ذلك الوجه الصغير شكاية
و الأمنيات تدثرت برماد
لا يكتفي بالشوق بل يقتاته
بالصمت يعجنه كليل سهادي
ألم بحجم الأم في أنحائه
يجتاحه في صحوة و رقاد
حتى ابتسامتها التي عانقتها
في بؤسها صوت عليك ينادي
أماه ما معنى الوجود و شمسهُ 
و نجومه و غيومه و رقادي
أماه ما معنى الغياب و أنت لي
كالعطر يملأ مرقدي و وسادي
إني أعيشك بعد ما انتحر الوجود
غمامة هتانة .. بفؤادي
َماذا أقول لأمنياتك بعدما
غادرتها صبحا” بلا ميعاد
و لذلك الحلم الجنين بخاطري
أنى اتجهت فنبضه ميلادي !
أيموت في رحم الحياة و بعدها
ما ثم في الآفاق غير سواد

المعاني:
تندرج هذه القصيدة تحت غرض: (الرثاء أو المراثي)، و هي القصائد التي يكون المرثيُ و قرب المرء منه و معرفته به موضوعا” لها، و هذه القصيدة جاءت في (تسعة عشر بيتا”)، تعرضت فيها الشاعرة ليلى الأحمدي إلى بعض مشاعرها التي خصت بها صديقتها الشاعرة الراحلة : مستورة الأحمدي – رحمها الله – التي أُولاها: أنها كل ما تراه هو أطيافها.. الآن، و أن لها في وداعها قصة مؤلمة تُنسيها الأفراح..، و قد سارت في نصها على طريقة نسج المراثي المعهودة في تناول معاني مشاعرها، فحشدت الصفات الجميلة المحببة إلى النفوس:
” أنت الغناء و فرحة الأعياد..
أنت الهدايا و العطور و شمعة
في حفلة العمر..
و في أول البيت الثالث ثمة ترابط بديع تجلت من خلاله مقابلة الحزن بالفرح، و بيان حجم الفرق الكبير بين الشعورين:
كل الغياب و سر فقدك و البكا
و خرفة الموت الأليم بواد
و رؤاك و الذكرى الجملة و المنى
و تبسم الزهر الندى بواد
و قد ألحّت ليلى على شعورها بالإتيان بكل ما استطاعت من صفات لتعبرعن مكانة صديقتها في نفسها: من ودادٍ لها و شوق و محبة و وفاء.
جاءت الكثير من الأبيات مستوفية معانيها، محكمة النسج كالبيت الخامس، و البيت الثالث عشر، و البيت الثامن عشر.

العاطفة:
التجربة الشعرية التي جعلت الشاعرة تتناول رثاء صديقتها صدرت عن شوق كبير و ممتد لها منذ وفاتها حتى كتابة القصيدة، ولا يمكن أن تجد صياغة صادقة عن شاعر لا يؤمن بما يقول، فالعاطفة تجاه الراحلة مستورة متأججة مندفعة اندفاعا”حقيقيا”، و قد كتبت عنها الشاعرة كثيرا” و ذكرتها في غير محفل اعتزازا” بذكراها، و قد أسهم صدق تلك العاطفة في تفتيق المعاني، و الإجادة في صياغتها.

 الصورة الفنية:
في هذه القصيدة ظهرت حفاوة ليلى بالتصوير البديع منذ عجز البيت الرابع؛ إذ جعلت الزهر يتبسم، و جعلت النبض يعزف اللحن.. لا يتوقف، و رؤيتها في صغيرتها ابنتها (وتين) في صوتها، في شعرها و ثيابها و أساورها و قلائدها، و لا شك أن مثل هذه الصور أسهمت في بيان المعاني و جلائها.

 الأسلوب:
جاءت الصياغة شديدة التناسق، فحينا” عن طريق التقابل بين البيتين الثالث و الرابع – كما أسلفت – و حينا” نجد تلك الأبيات المتوالية التي بدأت ب (أنت)، و كأن الشاعرة قد حميت و اشتدت عاطفتها تجاه صديقتها الأثيرة، فتدافعت نفسها، و توالت تبعا” لذلك تلك الجمل المتشابهة التي سردت فيها بعض خلالها، و ما يدل على مكانتها في نفسها و على لسان حال ابنتها الصغيرة و الشوق لها ما يدل على مزيد لهفة، و يبدو جمال الصياغة في انتقاء ألفاظ دقيقة الدلالة متمكنة من مواضعها، مثل: (يقتاته)، (يعجنه)، (يجتاحه)، (عانقتها)، (إني أعيشك).
و من طرق البيان التي وفقت فيها ليلى اختيار ضمير المخاطب بدلا” من ضمير الغائب؛ إذ أن في المخاطبة بشكل مباشر قربا” و حميمية لا يتوافران في ضمير الغائب.

 الإيقاع:
جاءت القصيدة على البحر الكامل الذي وصف بأنه ملائم للمعاني الإنسانية العظيمة، و أنه في مواقف الجد – كما في هذه النص – يجيء فخما” جليلا” مع عنصر نغمي ظاهر؛ أما القافية: فقد جعلت الرؤى فيها (الدال) فهو حرف جرسي هادئ، و جاء هنا أكثر سهولة” و هدوءا”؛ لأن قبله ألفا” ممدودة، و اختارت الشاعرة إطلاق القافية بدلا” من تقييدها، و للإطلاق أثر في امتداد نفس الشاعر و تأثره به.

اللغة:
المفردات التي كونت منها الشاعرة قصيدتها سهلة مأنوسة فصيحة، ليس فيها لفظة من غريب اللغة، ولا كلمة مبتذلة أو مستدعاة، فهي لم تحاول أن تتصنع أو تتكلف لأنها تنقل لنا حزن عميق تعيشه، كُتبَ بروح الصديقة المحبة المخلصة لصديقتها، و جُمل القصيدة و تراكيبها قصيرة، بعيدة عن التعقيد و ضعف التأليف، تجري على قواعد النحو، فليس فيها ما ينأى بمتذوق اللغة و عالمها الفني.

 

* كاتب و ناقد من السعودية

—————————————-
القصيدة من ديوان : ( لن أقتفي أثر الدموع )، ص ١٠ – ١٢.
الشاعرة : ليلى الأحمدي – شاعرة و أديبة و فنانة تشكيلية سعودية
الناشر : دار المفردات للنشر، الرياض، ١٤٣٥. ط١، ٨٠ نص، ٨٧ ص.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *