الشاعر العراقي زكي العلي: أشر الشعرّاء: الناظمون للمديح والهجاء

 

– كرم وحفاوة السعوديين أعطت لنا وطنًا آخر 

– الطبع وحده لا يكفي لتصبح شاعرًا 

– ناظم الشعر هو الأغبى

– أجمل ما في الشعر سوء الفهم 

– أشر الشعراء الناظمون للمديح والهجاء

 

حوار_عبدالعزيز طياش 

مَن مسّهُ الضرُّ أو مَن مسّهُ التَرفُ

‏هذا التراب وجوهٌ فوقها نَقِفُ

‏كًنهُ المياهُ التي نظمى ونشربها

‏أشلاء أهلٍ لنا قد نالها تَلفُ

‏الراحلون وإن شاد البناة لهم

‏في ربعها غرف من فوقها غرفُ

‏هذا الغبار بقايا جلد من ذهبوا

‏إلى الفناء ليأتي بعدهم سلفُ

ولأني مؤمنٌ بأن أفضل وأبلغ تعريفٍ للشاعر هو شعره فقد ابتدأت التعريف ببعض أبياته،  وإننا هنا أمام شاعرٍ من العراق ولاعجب، فالعراق ولّادة وفيّةٌ للشعر، وقد قيل العراق بلد الشعر والشعراء حيث الجواهري وعبد الرزاق عبد الواحد والسياب والبياتي وغيرهم الكثير من شعراء الرافدين المملوئين بيانًا وفصاحةً وشعرًا وشعورًا.

أَدر الرحى هوناً فقُطبكَ واهنُ

‏والقمحُ عمرك والسنون مطاحنُ

‏وارفق بنفسك فالحياةُ مكيدةٌ

‏والناسُ في فخ الوجود رهائنُ

‏مذ خطّت الأقدارُ ما خطّت لنا

‏نحن الطرائدُ والدروب كمائنُ

إننا مع الشاعر العراقي زكريا عبد العلي محيل المعروف بزكي العلي، الذي أحبَّ كتابة الشعرِ فأحبَّ الشعرُ كتابته، كانت بداياته الشعرية مقتصرةً على الشعر العمودي ثم اتجه لكتابة شعر التفعيلة ليبدع فيها كما أبدع العمودي من قبل، عاش حياة قلقة وغير مستقرة بسبب مواقفه السياسية من النظام الحاكم حرمته من العيش المستقر ومن إكمال دراسته الأكاديمية آن ذاك – إذْ نفي عام 1991 إلى مدينة رفحا في المملكة العربية السعودية مطلع شبابه ثم إلى سوريا وبعدها إلى إيران – ليعود إلى العراق بعد عام 2003م.

شاعر يكتب الشعر بكل أشكاله المتعارفة ولا ينتمي إلى مدرسة شعرية معينة، ومن وجهة نظره “يرى أن القصيدة هي من تحدد قالبها الشعري وتختار شكلها الذي تفضل الخروج أو الظهور به في حقل الأدب، وما القوالب والأشكال الشعرية إلا فساتين في خزانة القصيدة تختار هي بنفسها ما تريد أن تلبسه منها”، امتاز شعره الحر بالأسلوب السهل الممتنع تركيبًا ومعنًى وإدهاشًا وبيانًا يقول:

زمر تغادرنا ونسقطُ

‏في الضياع السرمدي

‏و دونما أملٍ  ولا حلمٍ

‏ويخذلنا البلدْ

‏قلقّ على الجسرِ القديمِ 

‏وصبيةٌ يتراكضونَ الريحُ 

‏تعصفُ بالورودِ 

‏وتُطفئُ النجمات 

في ليلِ العراقِ

‏وللأبدْ

‏عشرات كنا

‏بل مئات على الطريقِ

‏ولا أحدْ.

وقال مرةً يعاتب الشعر:

يا أيها الشعرُ 

‏من لي حينَ تتركني

‏أما اتفقنا صغاراً

‏ أن نشيخَ مَعا ؟

للشاعر مجموعة (دم أزرق) الشعرية وهي قصائد نثر مترجمة إلى اللغة الإنجليزية – مجموعة شعرية: ما قبل فقدان الأصابع من نشيد – ديوان (حج الفراش).

 

*للشعر قوة خارجية ملهمة

ذكرت بأن “الشعر وحي بطريقة ما غير تلك التي عرفها الأنبياء”، كيف يكون الشعر بلغته البسيطة وحياً ؟

الوحي الذي أقصده ليس هذا الذي يختزنه الوعي العام عنه، الوحي في اللغة معناه الإعلام في الخفاء أي بمعنى أن ثمة ما يلقى في روعك من جهة خارجية غامضة بغض النظر عن ماهية تلك القوة كالفكرة الخلاقة والحل لمشكلة عويصة، أو الحكمة وهلم جرا، وأجد أن الشعراء مرتبطين بشكل ما بتلك القوة الخارجية الملهمة وأنا شخصيا شعرت بذلك الرابط بيني وبين تلك القوة في أكثر من مناسبة لدي قصيدة اسمها الوردة البيضاء من ثلاثين بيت تقريباً وجدتني وقد ركنت سيارتي على جانب الطريق وكتبتها بنفس شعري واحد بدون انقطاع! 

ما تعريف هذا إن لم يكن وحيا بطريقة ما.

 

*الطبع وحده لا يكفي لتصبح شاعرًا

“خياط قصائد” ما سبب هذه التسمية ؟

هي اختصار لاجتماع الطبع والصنعة في الشعر، ولقد رأيت أن الشاعر لا يكفي أن يكون مطبوعًا مفطورًا على الشعر، وإنما يحتاج إلى الصنعة أيضاً ليخيط لفكرة القصيدة الغير مسبوقة فستانًا جميلًا يناسبها.

 

*القصيدة بنت القلق

– تقول:

‏بيَ اهتديت لطور الشعر في لغتي

‏وما اعتمدت على شيء سوى قلقي

ويقول المتنبي

على قلقٍ كأن الريح تحتي

أوجِّهُها يمينًا أو شمالا

بين قلق زكي العلي وقلق المتنبي 

لماذا يعتبر القلق للشعراء ذو أهمية حتى يذكر بهذه الكثافة في القصائد ؟

كما هو واضح في المقاربة التي ذكرت أن القلق أنواع، ثمة قلق نفسي وقلق اجتماعي وآخر وجودي وهكذا، وكما تلاحظ أن هناك فارق بين قلقي الذي كان هو الدليل الذي قادني لنبع الشعر في روحي، وما بين قلق المتنبي ذو الطابع الاجتماعي هنا، فهو يتحدث عن قلقه وحيرته في الاتجاه الذي عليه أن يوجه بوصلته الشعرية إليه، وأغلب الظن أنه يتخير بين البقاء مع سيف الدولة رغم المعاناة التي يشعر بها أو الذهاب نحو كافور الإخشيدي في المرحلة القادمة، وبرأيي أن القصيدة المؤثرة غالباً  تكون “بنت القلق” الذي يعانيه الشاعر سواء كان ذلك القلق  اجتماعي أو وجودي أو نفسي أو أي نوع آخر.

 

*أقول للعراق تعافَ يا حبيبي

– الجواهري قال ذات مرة عن العراق “يعزّ عليّ أن أكسر عين العراق لأنّ عين العراق لا تُكسَر أبداً” وأنت ماذا تقول ؟

أخاطبه بالشعر باللغة التي تليق به، وأقول له تعافى يا حبيبي

وانهض وعد لمكانك الذي يلق بك

‏يا طاعن المجد 

والألواح شاهدة

ومَهبط النورُ 

لمّا لم تكن أممُ

مِن قبلِ شمسكَ

لا شمسٌ هُنا بَزغت

وقبلَ اسمكَ 

لا اسمٌ ولا علمُ

وقبلَ لحنك

لا قيثارة عَزفت

وقبلَ حِبركَ 

لا حبرٌ ولا قلمُ

انهض فديتك 

في الأوطان من وطنٍ

نهبًا غدوت 

لمن شحت لهم ذممُ

*النرجسية حاجة وضرورة

– نسمع دائماً بنرجسية الشعراء، هل تعيب الشاعر نرجسيته أم أنها حالة شعورية محفزة  للإنتاج والعطاء؟

أنا مع فكرة فرويد في أن النرجسية الأولية هي حاجة أساسية ومُلِحّة  لبناء الأنا، لما لها من دور في دمج العناصر الغريزية مع بعضها وإنضاجها داخل النفس، واعتبر وجودها ونموها عامل أساسي لاستقلال شخصية الشاعر شريطة أن لا تتحول إلى مرض نفسي يقوده إلى تضخم الأنا ثم إلى الغرور فالتكبر فالسقوط من أعين الناس.

 

*ناظم الشعر هو الأغبى

– من شرُّ الشعراء، ومن خيرُهم؟

شرهم شعراء المديح والهجاء، وخيرهم شعراء الحكمة والغزل والوجوديين، وأذكاهم من يستقرئ هموم وآلام وطموح وتطلعات مجتمعه، وينتج ذلك على شكل أدب، وأغباهم الناظم!.

 

*كرم وحفاوة السعوديين أعطت لنا وطنًا آخر

– ذكرت في سيرتك الذاتية أنه تم نفيك إلى مدينة رفحا، شمال المملكة العربية السعودية..

برأيك أين يكمن المنفى الحقيقي للشاعر؟

نعم نفيت إلى هناك مطلع شبابي وأنا بعمر 17عاما، بسبب موقف سياسي من النظام الحاكم آن ذاك، وأنتهز الفرصة هنا لأقدم الشكر للشعب السعودي الكريم على كرم الضيافة التي قدموها للعراقيين الذين عبروا إليها وشكلوا لهم وطنًا ثانيًا، وسهلوا عملية إعادة توطينهم في أوروبا وبقية بلدان العالم، ولم يدخروا جهدًا للمساعدة، أما عن المنفى الحقيقي للشاعر ولكل إنسان فهو المكان الذي لا يحصل فيه الإنسان على حريته و حقوقه وكرامته.

 

*ذلك الموقف أعجزني عن قول الشعر

الشِعرُ عاديٌ

‏وأنتِ مُبالغَةْ

‏وجهٌ كوجهك 

‏كيف تنصفهُ اللُغَةْ!

ما هو الموقف الذي وجدت فيه نفسك عاجزةً عن قول الشعر؟

حين رأيت وجهها الأسمر وعيونها الزرقاء  لأول مرة.

 

*لا أريد أن أكون المتنبي ولا المعري

– يطلقون على شاعر متنبي العصر، وآخر متنبي العراق.. ما موقفك من هكذا ألقاب ؟

أعتقد أن هذه الألقاب ناشئة من عاطفة المتلقي نتيجة تفاعل لحظي مع نص ما للشاعر، وعادة ما يكون ذلك النص مطابقا لحالة أو شعور أو ذكرى أو تساؤل فيذهن ذلك المتلقي الذي يسبغ مثل هذه الألقاب على الشاعر، ناهيك عن أن الذوق الشعري للجمهور نسبي ومتفاوت، لذا لا يعول على هكذا ألقاب، خصوصاً تلك التي يطلقها الجمهور، وعني لا أريد أن أكون متنبياً ولامعرياً أريد أن أكون زكي العلي فقط.

 

*نسبة كبيرة من النخب الثقافية لا تطاق

– ذكرت في حوار سابق أنك تميل إلى العزلة أكثر من حضور الفعاليات والندوات والأمسيات ,ألا ترى أنك تظلم نتاجك ومحبيك، أم أن لك أسباب منطقية ومقنعة؟

العالم اليوم تغير يا صديقي، ثمة طرق تواصل كثيرة الآن غير ما ذكرت، وأهمها التواصل المباشر بين الشاعر وجمهوره من خلال موقع أو صفحة أو مدونة، ولا أعتقد أنه بحاجة حقيقية للدخول في تلك الأجواء التي ذكرت ناهيك عن أثرها السلبي عليه، ومعظم من انخرطوا فيها تحول الشعر لديهم إلى وظيفة بعد أن كان انعكاسا لذواتهم، ونسبة كبيرة من النخب الثقافية لا تطاق يا صديقي! الاحتفاظ بالمسافة الفاصلة مهم للشاعر.

 

*التحول الأكبر في التاريخ الشعري كان على يد العراقيين

 – يقول الأديب الراحل الفلسطيني محمود درويش “كن عراقياً لتكون شاعرا” ما الذي يجعل أهل العراق شعراء بالفطرة ؟

لم يبالغ الأستاذ الشاعر الراحل محمود درويش حين قال عبارته هذه، ولا يعني ذلك أن العراقيين يحتكرون الشعر أبدًا، الوطن العربي يعج بالطاقات الشعرية العظيمة؛  لكن أهم التحولات النوعية حدثت على يد العراقيين في التاريخ الشعري، وإحصائيا من تحت عباءة المتنبي خرجت معظم القصائد العمودية التي تلت مرحلته إلى الجواهري وعبد الرزاق عبد الواحد الذيْن ختما تلك المسيرة الريادية في الكلاسيكية السحرية إلى التحول الذي حدث على يد السياب في قصيدته هل كان حباً ، وأعتقد أنه كان يقصد أن الريادة الفنية كانت وماتزال من حصة العراقيين مع وافر التقدير للمبدعين العرب الباقين.

 

*أجمل ما في الشعر سوء الفهم

– الشاعر بين مطرقة الناقد وسندان المتلقي، كيف يمكن للشاعر أن يرضي كلا الطرفين، وهل يجب عليه أصلاً أن يرضيهما؟!

قناعتي الشخصية هي أن الكاتب وبمجرد كشفه عن النص وإذاعته تتحول ملكتيه إلى الناقد والمتلقي، ليمارس الناقد دوره في الكشف عن مواطن جماليات وإبداع وتفرد النص في حال توافرها فيه، ويدلي برأيه في مدى جودة أو رداءة النص، وسواءً كان النقد أو التلقيم نهجياً أو ذوقياً فإن الشاعر غير معني بإرضاء أحد! 

(أجمل ما في الشعر سوء الفهم) هذه عبارتي الأثيرة التي أرددها دائمًا.

 

*شعر النقائض أقرب لمكب النفايات منها إلى الشعر

– تقول ⁦لو كان الأمر بيدي لأخذت شعر النقائض العائد لهؤلاء الثلاثة‏” الفرزدق وجرير والأخطل” ودفنته بعمق ميل تحت الأرض كما تتعامل الدول المتقدمة مع نفاياتها النووية لأنه يحمل نفس التأثير الإشعاعي على العقل العربي، ما أسباب ودوافع هذا الرأي المعارض لأدب النقائض ؟

ما أدعو إليه هو شجاعة التخلي عن النقائض لصالح الشعر الهادف، ولا أعتقد أن تتأثر المنظومة الأدبية كثيرًا، وسيبقى من شعر هؤلاء الكثير من الشعر الحسن، وسنتخلص من سريان خصائصه المريضة إلى الجيل الأدبي اللاحق، مع التركيز على شعر ذوي العقول المنظمة من السلف بدل ترسيخ ثقافة القذع والهجاء، ولك أن تلاحظ كمية القذع والهجاء والألفاظ البذيئة التي هي أقرب لمكب نفايات منها إلى الشعر، والتي أسهمت في صناعة العقل النقائضي العربي! تخيل أنها تُدرس في بعض المقررات الدراسية في الدول العربية (وأبوك خلف أتانه يتقمل) هذا الشطر من لامية الفرزدق يدرس لطفل أو شاب.

 

– كلمة توجهها لقراء فرقد.

أخيرًا أتقدم بالشكر الجزيل لمجلة فرقد الإبداعية الجميلة، ولكادرها المثابر، وجمهورها الواعي، وأتمنى لهم دوام التقدم والتوفيق .

 

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: