الشاعر والناقد خليف الغالب: الجوائز الأدبية ترفع قلق الشاعر

 

 

حوار- عبد العزيز الطياش

 *النخبة الحديثة تحولت من صلبة إلى سائلة 

*متفائل بمستقبل الثقافة بالمملكة

*الطرح الضيق يضُرّ بنقد النقد

*المجال الأكاديمي يفتح آفاقًا جديدة

*المُكنة الأدبية والقدرة الفنية هي المعيار

 

سـماويًـا كـأنّ الأرض تـحـتي
تذوبُ من المضيق إلى المضيق

مـجازيًـا خُلقـتُ كـأي شـعرٍ
فكيف أعيشُ في زمنٍ حقيقي؟!

بتلك الأبيات وصف ضيفنا نفسه في قصيدة ( بدوي ) وإننا حين نتحدث عن خليف الغالب نجدنا نتحدث عن ذلك البدوي البسيط

الذي لا يملك سوى النبل والكرم وعزة النفس والشعر..


أجوعُ وكل أحلامي جياعٌ
وأظمأ.. حينما يظمأ رفيقي

وعن جوع الضيوف أُعيذ وجهي
ولو ضحّيتُ بـابني أو شقـيقـي

وحين نتحدث عن الشعر، فإننا نعني الجزالة، والفخامة والالتصاق بالتراث الأصيل، والتمازج مع عبق الحاضر المتجدد روحًا ولونًا، و نتحدث عن الرواية، حين تكون عدسةً دقيقة التصوير، بارعة التعبير، أنيقةً، شفافةً تأخذ بالمتلقي؛ لتتمكن منه حدّ الغياب والذوبان، إننا على موعد مع هذا البدوي، كما يحب أن يطلق عن نفسه دائمًا:

أنا المسكوب في نبت الفيافي
إذا في الوسم أسرت بي بروقي

ولا وطنٌ يلوحُ لغير عيني
ولا مالٌ سوى أكوار نوقي

ضيفنا متنوّع الإبداع، واسع الثقافة، أصيل الفكر، بديع الفن، ثابت المبدأ:

فإن ترني فقيرَ المال إنّي
مليءٌ بالبداوة..ياصديقي

ضيف شخصية العدد خليف الغالب، شاعر، وكاتب سعودي. من مواليد عام 1988م
يعمل في الحقل الأكاديمي، بالجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة.
متخصص في الأدب، والنقد الحديث.
حاصل على الماجستير، والدكتوراه من نفس الجامعة وقد حاز على:
جائزة شاعر شباب عكاظ عام 2016م
جائزة جازان للإبداع الأدبي 2019م
صدر له:
سماوات ضيقة: شعر 2017م
عُقدة الحدّار: رواية 2019م

 

*في البيت الواحد ما لا يوجد في مدينة

فرقد: يُقال(الشاعر ابن بيئته) بين حائل والمدينة، كيف تصور تجربتك من خلالهما؟ وما أثر التنوع في صقل تجربة الأديب وشاعريته؟

خليف الغالب: لكل بيئة تنوعاتها لا شك، لكني لا أجد هذا الفارق الكبير بين مدينتين، أقصد من خلال الأثر الأدبي، ربما يجد الإنسان من التنوع والمفارقات في بيت واحد، ما لا يجده في مدينة، وربما لا يجد في دولة مغايرة تنوعًا يؤثر فيه، المحك على الحساسية في التقاط الحياة، هنا، وهناك، وفي أي مكان يكون الإنسان فيه.

 

فرقد: المدارس النقدية ما قبل الحداثة وما بعدها، بقراءتك، هل تراها تؤثرعلى الشعر إيجابًا أم سلبًا ؟

خليف الغالب: للنقد أهمية كبرى في تفتيق النص، والوعي به، ومعرفة بيئته، وزمنه، ونفسية كاتبه “في مناهج السياق”، ومعرفة بنياته، وتراكيبه، وعلاقاته في “مدارس النسق”، من المهم في الحالتين ألا يبتعد بنا المنهج عن روح النص، عن أثره، ولقائه بالذات، عن دهشته الكامنة، ومساربه الجمالية.

 

فرقد: البداوة! بكل أبعادها، تفاصيلها، تأثيراتها، طقوسها وعاداتها، وتقاليدها. هل جاءت في الأدب والشعر كتُهمة، وتوصيف معيب، لمن ينتمون للحاضرة، والمدينة، أم أنها فرضت نفسها على الشعر والأدب، كعنصر مهم، وركيزة من ركائز صناعة الشعر، وثقافة الشاعر؟

خليف الغالب: جاءت في سياقات ذم لدى بعض الشعراء الميالين لليسار، الذين يعيّروننا بالبعير والخيمة، كما يعيروننا بالنفط دون أن يعوا أن هذه المكونات هي مكونات طبيعية حيادية، لا علاقة لها بما يرمون إليه. البداوة عنصر مكون لأبناء الجزيرة، وهي وإن غابت سلوكًا، فإنها حاضرة باعتبارها معنى، والمعنى قابل للتفريع والتفريغ، والتشكيل، وصناعة الرؤيا الخلاقة.

 

* متفائل بمستقبل الثقافة بالمملكة

فرقد: النُّخبة! هل تؤيد وجود هذا المصطلح في الساحة الثقافية عموما، والأدبية على وجه الخصوص؟ وهل ترى أننا- مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي- نعاني سيطرة (النُّخب) على العمل، والساحة الثقافية في المملكة العربية السعودية؟

خليف الغالب: نعم، هناك نخبة، ولكنها لم تعد نخبة صلبة كما في الأدبيات القديمة، بل نخبة سائلة بتعبير زيجموند باومان، بمعنى أنها نخبة تتصل بالشعبوي، وتتقاطع معه ولا تقطع، وتجامله أحيانًا وتخضع.
نعم متفائل بالقادم في العمل الثقافي في المملكة.

 

فرقد: في الشعر، هل تأثرت بأحد الشعراء قديمًا، أو حديثًا ؟ ومن الشعراء الذين شكلوا علامة فارقة في شعرنا العربي ؟

خليف الغالب: لا يمكن لأحد ألا يتأثر، وكل نص يمر بك، يضع في نفسك، ووجدانك، ولغتك، وشعورك أشياء منه.
وإذا اضطررتُ إلى الجواب فسأقول: المتنبي، والمعري، وشوقي، ونزار، ودرويش، ودنقل.

 

*الطرح الضيق يضُرّ بنقد النقد

فرقد: نقد النقد. هل وصلنا إلى قراءة واضحة، وإدراك تام لأبعاد هذا المصطلح؟ وهل التعاطي معه -من خلال نقد النقد وما يُلزمه من تكامل وتظافر- يصب في مصلحة النقد، والأدب في عصرنا الحديث، أم أنه صار فضاءً للتراشق، والشخصنة، وتصفية الحسابات ؟

خليف الغالب: نقد النقد هو فرع معرفي،”ابستمولوجي”، يهتم بوصف النص النقدي، ورصد ثغراته، وفهم تاريخيته، والوعي بالشروط المنتجة له، وهو فضاء غني ومهم، متى تعاملنا معه بمنهجية واضحة، وتقبل للاختلاف، وبعيدًا عن الطرح الضيق؛ الذي لا يضيف للفعل النقدي شيئًا.

 

*هي بالفعل تزيد من قلق الشاعر

فرقد: خليف الشاعر قبل عكاظ وبعد عكاظ. ماهي التطلعات والآمال؟ وهل الدخول في منافسات الشعر المتعددة تُعد حافزًا للعطاء، والتجديد، والإبداع أم أنها تُحيّد المبدع، وتُشبع نهمه، وطموحه، وربما تُوقِعه؟

خليف الغالب: أظن أن الجوائز تزيد من قلق الشاعر، والكاتب بشكل عام، تضعه في مساءلة حقيقية لمنتجه، وتجعله في تحدٍ لنفسه ولنصه.
أحاول التخلص دومًا من الأثر النفسي للإنجاز، والانشغال بهذا الهمّ النصي الجديد، الذي تفرضه شروط مغايرة، وطرق متجددة.
قدر الشاعر أن يحاول اجتياز نصه في كل مرحلة.

 

فرقد: في عالم الرواية، ما رأيك بمستوى الرواية في المشهد السعودي؟ ومن الروائيين الذين يشكلون الوجه الأكمل للرواية في نظرك؟

خليف الغالب: لدينا نص روائي ممتاز، وروائيون على مستوى من الإتقان، والجِدة، والتميز، ولدينا أيضًا ماهو دون ذلك.
أما عن الذين تأثرتُ بهم في عالم الرواية فكُثر، لكني أتذكر الآن أسماء هؤلاء:
دوستويفسكي – ساراماغو- نجيب محفوظ – إبراهيم نصر الله – زفايغ- الكوني – ربيع جابر.

 

*المجال الأكاديمي يفتح آفاقا جديدة

فرقد: عن الدكتوراه، هل قيدتك الأكاديمية، وخنقت فيك الأديب والمبدع أم أنها وسّعت الآفاق، وصقلت الإبداع لديك؟

خليف الغالب: لا أستطيع أن أعطي حكمًا قاطعًا الآن، لكني لا أرى في الأكاديمية ما يقيّد، بل على العكس، ربما تفتح آفاقًا جديدة، وتدل على طرق مختلفة، الشخص نفسه هو المعني باختبار هذه الطرق، في كل تجربة يمر بها، والدرس الأكاديمي أحد هذه الطرق.

 

*واقعة الحدار عبارة عن سالفة

فرقد: (عقدة الحدار) ما مدى توازي أحداث وتفاصيل هذه الرواية مع الروائي خليف، ومسيرة الآباء، والأجداد والبيئة الاجتماعية عنده؟

خليف الغالب: أظن أن السارد لا ينفكّ عن ذاكرته، إنه يكتبها، أو يحرّفها بطريقة أو أخرى، لقد كانت عقدة الحدار رواية تعود في أصلها إلى واقعة حقيقية، وهي واقعة بيع الرجل لنفسه بسبب ضيق الحال، وهي “سالفة” يمكن سردها في صفحة واحدة، لكن العمل الروائي أمر آخر، يتطلب منك التفريع، والصناعة، ورسم الشخصيات، وأن يلد الحدث حدثًا آخر.

 

فرقد: البداوة، وميزانها في شعرك وإبداعك. إلى أي مدى يُمكن أن يصل تأثير البداوة على الشعر والشاعرية؟ وهل تتوقع انقراض هذا المصطلح، وغيابه في ظل التطور المتسارع والدعوة للمدنية؟

خليف الغالب: كما قلت، البداوة الآن معنى، لا سلوك. إنها استلهام لحياة، لمواقف، لقيم وتعابير، وشخصيات، وبهذا تكون ممتدة في ذواتنا، وأظنها كأي معنى كبير؛ قادرة على النفاذ إلى بواطن الروح، وتشكيل معاني فرعية لها أهميتها.
لن تخفت روح البداوة قريبًا، ذلك أنها ليست شيئا محسوسًا الآن، بل هي مجموعة من الثيمات المتجددة، التي تمنح للفضاء النصي أبعادًا متجاوزة، إذا أُحسن استلهامها، والوعي بها.

 

*المُكنة الأدبية والقدرة الفنية هي المعيار

فرقد: التحول من الكتابة الشعرية إلى الروائية، هل هو وعي بضرورة تغيير النوع الأدبي، أم لخوض تجربة إبداعية جديدة؟

خليف الغالب: لست مؤمنًا بهذه “الحدود المانعة” بين الأجناس الأدبية، لذلك لا أعدّه تحوّلًا، النقطة الجوهرية هي المُكنة الأدبية والقدرة الفنية، وهذه الحديّة بين الأجناس، رفضها أدباء تنظيرًا أو تطبيقًا، منذ المعرّي، والقاضي الجرجاني، مرورا بشيكسبير، وبورخيس، وليس انتهاءً بجبرا إبراهيم جبرا، وغازي القصيبي.

 

فرقد: آراء الشخصيات في الرواية. هل بالضرورة تمثل رأي صاحب الرواية، وتُخبر عما في مكنونه، أم أنها مجرد تداعيات، تبعثها الأحداث، وتذكّيها المواقف؟

خليف الغالب: هنا إشكال فنّي فعلا، وستجد من ينسب قولًا لنجيب محفوظ مثلًا، قول فيه سوء وتجنّي، وليس هذا القول إلا لشخصية شريرة، أو لا أخلاقية في إحدى رواياته. نعم، الكاتب هو محفوظ، لكن ليس بالضرورة أنه يكتب رأيه الخاص، بل هو يعبر عن اختلافات بشرية، وضرورات فنيّة هي من صلب الرواية. ولذا أرى أن الروائي، لا يُحاسب بحدية على أقوال شخصياته، دعك من هذا، هناك آراء فقهية للقدماء ترى أن الشاعر إذا قال في شعره ما يوجب الحدّ، فإنه لا يُحَدّ، وما هذا إلا وعيٌ من الأوائل بالنظرية الأدبية، وطبيعتها، وشروط إنتاجها.

 

فرقد: كلمة توجهها لمجلة فرقد وقرائها الكرام

خليف الغالب: شكرًا جزيلًا لمجلة فرقد، ولكل العاملين عليها، وأخص بالشكر رئيس تحريرها الصديق د. أحمد الهلالي، والشكر الجزيل لك أخي الأستاذ عبدالعزيز على هذا الحوار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *