طفلي فيلسوفًا

 عبد العزيز مستور الغامدي*

رغم وجود البعض من الفلاسفة ممن لا يؤمنون بقدرة الطفل على التفلسف، إلا أن هناك من رأى في الطفل فيلسوفًا بطبعه إذ يُمكن تعلُّم التفلسف منذ السنين الأولى لحياة الطفل.

كثرت الإصدارات والدعوات والتجارب في الكثير من بقاع العالم التي تنادي بحق الطفل في الفلسفة، وبحقه في الدهشة والتأمل والشك والسؤال، فما مبررات التفكير في حاجة الطفل للفلسفة؟ أليس في ذلك إجهاض لبراءة الطفولة وتكسير للنمو النفسي والعقلي للطفل؟

إن الأمر يحتمل الوجهين، فهناك دعاة إمكانية إقحام الطفل في عالم الفلسفة؛ لأنه ذو خيال واسع، وهو بالفطرة فضولي وجريء ومغامر في أسئلته، وعلى العكس من ذلك، هناك من يرى أن الفلسفة ضد الطفولة، فهي تحتاج إلى النضج واستكمال القوى العقلية.

يقول الفيلسوف ياسبرز: «عادة ما يكون للأطفال نوع من العبقرية التي تضيع عندما يصبحون كباراً». فحقاً يُولد الطفل بذات إبداعية خارقة، وبعقل شجاع، قادر على الخوض في اللانهايات، لكن تأتي إليه التنشئة الاجتماعية لتقمع جرأته، فكل طفل هو بالأساس متحرر، ويتملك خيالا واسعاً منفلتاً من سطوة المألوف وقيوده، لكن وجرّاء الإكراه الاجتماعي للراشدين يتم إرغامه على ابتلاع نماذج من الأجوبة القادمة من عمق التاريخ، سواء عن طريق الترغيب أو الترهيب، فيبدأ الاستلاب عند الطفل فيتوقف الإبداع.

 باختصار نقول: إن الطفل أوسع إبداعًا وإمكانًا مما تقدمه التنشئة الاجتماعية التي تعمل على خفضه إلى مستواها، وهو ما يهدر طاقته الهائلة التي من المفروض أن تستغل في فتح آفاق أكثر رحابة. أما الحل، فيكمن في إعادة النظر في الطرق والبرامج التربوية، سواء في الأسرة أو المدرسة أو الإعلام كي تتوافق وأسئلة الطفل، فعوضا عن أن تسير التنشئة نحو تعليب الأطفال في قوالب جاهزة، ينبغي تكييفها كي تتلاءم والطفل وإمكاناته الهائلة، وهذا لن يتم إلا إذا تم الإيمان بأن الأفق الاجتماعي مجرد إمكان محدود يتجاوزه عقل الطفل بشكل لافت، وكذلك يجب تجاوز منطق القمع والقهر في التربية ومنطق الحقيقة اليقينية، نحو الحوار والإمكانات اللامحدودة، والاقتناع بأن الإمكان البشري أوسع مما جاءنا من التاريخ.

لكل أم وأب … لكي يكون الطفل فيلسوفًا لابد من بذل العناية الصادقة بأسئلة الطفل، أسئلة الفيلسوف الصغير في مرحلة الطفولة المبكرة (مرحلة النمو اللغوي) تكون كثيرة جداً، ولا يراعي الطفل عند طرحها التوقيت المناسب، فالأب يريد أن ينام أو أنه مشغول أو عنده مشكلة ومنفعل، والأم كذلك لها ظروفها والطفل يسأل سؤال رايق، يا أبي لماذا السماء زرقاء؟ ويكرر السؤال على الأم، المهم في مثل هذه الحالات على الوالدين ضبط ردة الفعل، وجميل إفهام الطفل بالإجابة عن سؤاله والانصات له جيداً في وقت مناسب شريطة أن يتم ذلك بالفعل، وهي فرصة كذلك للتفكير سواء للأم أو الأب في الجواب الشافي في حال كان عدم المعرفة هي العائق … ليكون بعد ذلك الإلمام التام مقنعاً ومشبعاً للطفل واحتياجاته المعرفيه.

 

 

 *مـسـتـشـار أسـري

 @abu_mastour

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *