طقوس الأدباء.. عادات سلوكية أم محفزات ذاتية 

طقوس الأدباء عادات سلوكية أم محفزات ذاتية؟

 

إعداد- حصة البوحيمد

نعرف من سير الأدباء، قديمًا وحديثًا، أن هناك طقوسًا أو شحنًا ذاتيا؛ لدخول محراب الإبداع والغوص في أُتون الفكرة، هذه الطقوس موجودة عند غالبيتهم، فقد كان الشاعر أبو تمام يسكب الماء على تراب خيمته الحارة وهو في أقصى درجات التوتر وينادي شياطين شعره بأسى (أخوكم أخوكم) ولا يكتب إلا في أول الليل، وكان المتنبي يصوغ شعره على إيقاع خطواته فتتنغم موسيقى قصيدته بالشكل الذي يرتئيه خارجًا عن طوره وهو يسابق خطواته لكتابة القصيدة، وقد تكون طقوسًا غريبة أوشاقة أحيانًا، حتى أن بعض الأدباء يستعد لذلك جسديًا مثلما كان يفعل نجيب محفوظ حيث كان يسير مسافات طويلة فيالصباح الباكر ليتهيأ للكتابة، وللروائي الفرنسي فيكتور هيغو عاداته الغريبة في الكتابة. فلما كان يخط روايتهأحدب نوتردامكان محكومًا بموعد محدد لتسليم الرواية، فقرر خلع ثيابه كلها ليبقى عاريًا فلا يقدر على مغادرة المنزل، وبالتالي يتفرغ كليًا للكتابة، وللكاتب الأمريكي الشهير إرنست همينغوي الحاصل على جائزة نوبل عادته الغريبة، وهي الكتابة واقفًا منتعلًا حذاءً أكبر من مقاسه، وكانت عادة موراكامي الكاتب الياباني هي  الركضوراء النص، حيث يكتب ساعات طويلة دون توقف، أمادان بروانالكاتب الأمريكي فكان يعلّق نفسه بالمقلوب كي يسترخي ويركز أفكاره، ويعتزل الروائي المصري أسامة أنور عكاشة مجتمعه شتاءً ليكتب، في حين قد تغير الروائية الجزائرية (أحلام مستغانمي) أرقام هواتفها وتنعزل أو تقرر السفر إلى بلد آخر لا يعرفها فيه أحد لتنجو بروايتها بعيدًا عن ضجيج يومياتها المعتادة.

والبعض لا يكتب إلا وبجواره فنجان القهوة، والبعض يفضل الجلوس بالمقهى، فيما يعشق البعض الآخر العزلة، وهناك من يعشق الموسيقى، وهناك من يرتدي ملابسه كاملة كمن يستعد لمغادرة المنزل، والكثير من الطقوس التي قد تختلف من كاتب لآخر، إلا أن شيئًا مشتركًا يجمع هؤلاء المبدعين ويضعهم في قالب واحد هوالهروب إلى النص” من سيطرة  الواقع  بطقوس قد نراها نحن القراء غريبة إلا أنها هي التي حفزت  بدون شك عوالم الانبهار فينا.

وما بين الغرابة والطرافة والتلقائية في العادات الكتابية تحاور فرقد نخبة من الأدباء حول هذه الطقوس ومدى ملامستها لذات الكاتب واستحثاثها لكوامنه الإبداعية من خلال المحاور المطروحة:

هل للكتابة الأدبية طقوس من حيث التوقيت وطريقة الكتابة؟  

كيف يكون للأديب طقوسه الخاصة في كتاباته وهل هي مقترنة بالإنتاج؟

هل الطقوس الخاصة بالكتابة عادة سلوكية استمرت مع الأديب والكاتب أم أنها محفز ذاتي للإبداع ؟

هل تتحول الطقوس الكتابية إلى اقتران مشروط للإنتاج مؤثرًا غيابها على الإبداع أم ستظل تحت مزاج وخيار الأديب؟

*الطقوس تبدأ تحفيزًا  وتتحول سلوكًا

يبدأ حوارنا الشاعر والكاتب الأستاذ سامي الثقفي بقوله: في الغالب لكل أديب طقوسه التي يمارسها لا شعورياً عند انثيال القصيدة، فتختلف هذه الطقوس من أديب لآخر،وعادة ما تكون محفزة على الإنتاج الأدبي، فمن الأدباء من يحب الكتابة في الهدوء، ومنهم من يعشق الصخب،ومنهم يرتبط بممارسات سلوكية مثل استخدام السبحة أو التدخين، أو سماع الموسيقى أو شرب القهوة إلى غيرذلك من الممارسات التي يرى المبدع أنها تساهم في تحسين الجو الإبداعي للكتابة، وطريقة الكتابة وتوقيتها أيضًا تختلف من أديب لآخر، فمنهم من يفضل الكتابة في الصباح الباكر، ومنهم من يكتب في آخر الليل، لكل أديب طريقته في الكتابة وسواء في استخدام التقنية مباشرة أو استخدام الورقة والقلم، والطقوس عادة ما تبدأ كمحفز على الإبداع، ومن ثم تتحول إلى سلوك إبداعي يرتبط بالحالة الإبداعية للأديب، ولا يؤثر غيابها على الإبداع، قد يؤثر على مستوى الإبداع ، ولكن لا يؤثر على حضور الحالة الشعورية للمبدع ولا أرى أنها تكون شرطًا للإبداع.

*غياب تمتمات الطقوس خفوت للإبداع

ويؤكد الشاعر محمد جابر المدخلي أن: لكل كاتب طقوس تخصه وتجعل له بصمة في حرفه. فربما الحالة الشعورية تطغى على نصوصه الموغلة فيالحزنوربما الاطمئنان النفسي يسيطر على ردهات النص. وربما الجانب الوحدوي يطغى على تراكيبه وصوره. وحتماً أن الإنتاج يكون حبيساً للطقوس التي يرتادها الكاتب أثناء إبحاره.   

طقوس التوقيت حتمي في كتابة المناسبة فحينها تخضع طريقة الكتابة لحالة استجلاب الطقوس من أجل إذكاءالحروف واستقطاب المعاني خدمة لطقوس الحالة الوقتية. لكنني أرى أن الكاتب تصبح طقوسه مسافرة به في زهوحروفه، ويختلف الكتاب عن بعضهم فلكل كاتب طقوسه التي تدمجه مع سلوكياته ليستطيع برمجتها في جدوله الكتابي لتكون حافزاً له على الإبداع. وسبق أن ذكرت أن الطقوس حالة مصاحبة للكاتب وحينها يجب على كل كاتب أن يستحضرها ليظل إبداعه متواصلاً حتى لو أقحم فعليه التلبس ليخرج الجمال. وحينها يستحيل غياب الطقوس كاملة في موطن واحد فلابد على الكاتب الحصيف أن يكون مستحضراً لذلك حتى لو فوجئ.

فالطقوس الكتابية حالة شعورية تصاحب الكاتب وأرى أن استحضارها مهم ولو غابت فسيكون الخفوت الإبداعي لأن الكاتب سرت بروحه تمتمات الطقوس.

*الاستغناء عن الطقوس تكسير لجسر الوصول

ويلخص الكاتب الأستاذ رحو شرقي من الجزائر ماهية الإبداع وطقوس المبدعين بشكل وافٍ من خلال المحاور المطروحة

حيث قال: هل طقوس الأدباء في الكتابة عادات سلوكية أم محفزات؟ الإجابة على هذا السؤال بمثابة فتح صندوق صيني، لأننا أمام رحلة استكشافية للحياة الخاصة بالكاتب قبل حدوث حالة الإبداع والتي لا يريد معظم الكتاب الإفصاح عنها في سيرهم الذاتية أو الغيرية، عند كثير منالكتاب المتمرسين و المكرّسين  في مجال الكتابة الإبداعية.

فالإبداع حالة تاريخية يتوافق  فيها البوح بالصدق في ظرفية زمنية معينة لبزوغ هذا الكائن الجميل…وتختلف هذه الحالة من كاتب إلى آخر، حسب طقوس الكتابة التي كانت جسراً أساسيًا فى حياة الشعراء والأدباء عبر مر العصور للعبور إلى المدينة الفاضلة، وسنعرج عليها، بداية من العصر الجاهلي إلى يومنا هذا… كان عنتر بن شداد لا يقول الشعر إلا إذا ركب فرسه، وحكيم الشعراء زهير بن أبي سلمى لا ينشد  شعراً إلا إذا مر عليه الحول، والفرزدق لا يأتيه إلهام الشعر إلا إذا ركب ناقته وطاف بين الشعاب، وأبو نواس لا يأتيه الشعر إلا إذا شرب ليلاً، وهناك طقوس جداً غريبة عند بعض الأدباء العالميين مثل الأديب الفرنسي الشهير فيكتور هوجو، يقال أنه كتب كتاب البؤساءوهو عاريًا داخل غرفته حتى لا يضطر للخروج من منزله، أو ليعيش حياة البؤساء فتكون كتاباته صادقة تعبر عن هذه الشريحة الاجتماعية، أما الكاتب العالمي جابريل جارثيا ماركيز، كان لا يكتب إلا وهو يرتدى ملابس الميكانيكى، وإرنست همنجواى، فكان ينتظر الليل و يظل واقفا منتعلًا حذاء أكبر من مقاسه.

بعد قراءتنا المتجلية لهذه الطقوس، ومقارنتها بطريقة تحليلية بسيطة، نجدها تشترك فيما بينها، يربطها خيط رفيع، سأوضحه في النقاط التالية :

أولاً – هذه الطقوس متكررة عند صاحبها.

ثانيًا – متلازمة  بالإنتاج الإبداعي.

ثالثًا – الظرفية وقد  أشرت إليها عند الشاعر أبو نواس والأديب العالمي إرنست  همنجواى.

من خلال هذه الميزات المشتركة قد تبدو لنا كشروط أساسية في عملية الإبداع، وهذا يتنافى أصلاً مع الإبداع، لأن الشروط هي تقييد  لحرية المبدع، لكن لا ننسى أن هذه الطقوس اختارها  الكاتب المبدع بمحض إرادته الحرة سواء كانت عفوية أو دون قصد، وجد نفسه يرتاح لهذا السلوك ولم تكن مفروضة عليه.

أو كما يقول المثلالإنسان متمهن، الألم هو أستاذه” ومن المتعارف أن تكرار السلوك يصبح في نهايته عادة، لكن الجميع يعرف أنالعادة لها سقف معرفي محدود، وهذا يتنافى أيضا مع الإبداع الذي يرتكزعلى العالم الموازي  (الخيال) للحياة العادية، ولو وجد الكاتب هذه السلوكيات تحد من خياله وحريته لما عاد إليهاإذاً فهل غياب هذه الطقوس سيؤثر في الفعل الإبداعي ؟

لو رجعنا إلى قراءة النقاط المشتركة بين طقوس الكتابة الإبداعية، نجد الاستغناء عن هذه الطقوس يكون مؤثراً وبدليلاً بسيطاً، إذا لم يكن لهذه السلوكيات تأثيراً في العملية الإبداعية، فلماذا يمارس الكاتب هذه الطقوس وبطريقة متكررة؟ وهل المرور عبر جسر مألوف إلى الضفة الأخرى يعتبر عادة؟ إن الدعوة للاستغناء عن الطقوس في الكتابة الإبداعية، كمن يطالب بتكسير ذلك الجسر الوحيد الذي يوصلنا إلى المدينة الفاضلة أو إلى سبل النجاة، وقد نعتبر الطقوس الكتابية حافزًا للفعل الإبداعي، لكن في النهاية تبقى الطقوس أسراراً لأصحابها ولو أرادوا إطلاعها على المتلقي لكان لهم ذلك وبكل سهولة لأنهم قادرون على رسم أي مشهد بحروفهم، وأختم هذا المقال بقول نتشه: “إن أعظم الأ‌فكار تلك التى تأتينى وأنا أتمشى“. هكذا قال.

 

*لحظة الكتابة تصعق كالبرق غير آبهة بالترتيبات

    

ويرى الروائي محمد فتحي المقداد من الأردن. بأن لحظة الكتابة غير مرتبطة بطقوس موضحاً: كأنّي بكلمة (طقس وطقوس) المصطلح الذي يطلق عادة على أشياء وأفعال عديدة، طقوس العبادة، الكتابة، الطعام، أصبوحات الأيّام وأمسياتها، التدخين، شرب القهوة والشاي، الأفراح والأحزان، وإلى ما هنالك من دوائر حياتيّة من الممكن إطلاق المصطلح عليها.
وبتتبّع أصل كلمة طقس: فهي النظام والترتيب. والطّقْسُ: حَالَةُ الْجَوِّ مِنْ بَرْدٍ وَحَرَارَةٍ وَاعْتِدَالٍ فِي مَكَانٍ وَزَمَانٍ مُعَيَّنَيْنِ، والطَّقْسُ عِنْدَ الْمَسِيحِيِّينَ: نِظَامُ العِبَادَاتِ الدِّينِيَّةِ وَأَشْكالِها، شَعاَئِرُهَا وَاحْتِفَالاَتُهَا.
من هنا ننطلق لهذه القضيّة المتلازمة مع كثير من الحالات ومنها الكتابة والكاتب. باعتقادي أن الكتابة لا تتأتّى ضمن طقس اعتيادي يومي، مثلًا في زمن مُعيّن متى ما أراد الكاتب أو الأديب.
إنّما ميلاد الكتابة يكون بعد مخاض عسير من تفاعلات هائجة مائجة في صدر الكاتب، جرّاء فكرة استوطنت عقله؛ فاستحوذت على جُلّ تفكيره؛ تؤرّقه.. تُحرّقه، ولذلك فالكتابة نتيحة للاحتراق الدّاخليّ؛ عندما تنضجُ استواءً بعد أن أخذت مداياتها بلا رأفة بحال الكاتب.
لحظة الولادة كما هو معلوم، وقتها محتوم لزوم التنفيذ لحظيًّا، بلا انتظار لطقوس مُعتادة، ورغبة في تناول القلم والورقة، وبحضور فنجان القهوة، وانطلاق الموسيقى، على وقع دخان سيجارة الكاتب.
لحظة الكتابة غير مُرتبطة بكلّ هذه الأشياء، بينما تصعق كالبرق غير آبهة بكلّ الترتيبات هذه، وكما قيل لكلّ قاعدة شوْاذ، هناك بعض الكُتّاب من يُحيط نفسه بهالة قُدسيّة، وإعطاء الموضوع بُعدًا طُقوسيًا؛ كأنّه عبادة راتبة يستدعيها مجيء وقتها. وبهذا المفهوم تتنافى فكرة الإبداع مع الرّتابة الرّوتينيّة. كما حين تصبح العبادة عند البعض عادة، لا تنعكس بآثارها إيجابًا على صاحبها، مما يُشكّل مُفارقة مُتباعدة بين الفعل والعمل.
اعتياد الأشياء يذهب بألقها، والألفة تذهب بالكلفة، وهذا الأمر ينسحب على الكتابة كفعل إنسانيّ بحاجة لصفاء الذهن أولًا، مع لزوم إيجاد الأدوات للتنفيذ في أيّ وقت كان، ربّما على قارعة الطريق، أو في الباص، أو أثناء الطعام، أو تأريق الكاتب ومنعه من النوم في مواعيده المعتادة. والإبداع مرتبط بقدرات الشّخص الذهنيّة، وحالته النفسيّة من الارتياح بقابليّات الفرح والسرور أو الأحزان والاكتئاب واليأس والقنوط. هذه الأحوال من المؤثرات تصبغ الكتابة بألوانها.
كون الكتابة كائن متأثّر بالظروف المحيطة بالكاتب من حروب وأزمات فقر وبطالة، خاصّة في شرقنا العربيّ على خلاف الكاتب الغربيّ، مع توفّر الإمكانات والظروف المواتية لتفرّغه التامّ للتفكير، مع وجود فريق عمل مُتكامل يُساعده من خلال مكتبه، وما يجنيه من عائدات ربحيّة لنتاجاته الفكريّة. كلّ هذه المُحفّزات تجعل الكتابة المُجدولة ضمن مساق زمنيّ مُحدّد أو مفتوح أمرًا سهل التنفيذ، مع الاستمتاع بعطلة نهاية الأسبوع بكامل طاقته ولياقته.

 

*من الضروري أن تبقى الحوافز الذاتية  طاغية

وتدلي الكاتبة والقاصة زينب الحسيني من لبنان برأيها قائلة: “الطقوس هي مجموعة من ممارسات أو عادات يؤديها بعض الأشخاص، وقد تحدِّد الجماعةُ المشتركة بما في ذلك المجتمعات الدينية, تلك الطقوسَ أو المراسم الثابتة والمرتَّبة.”
قبل البحث بما تعنيه طقوس الأدباء أو الشعراء، أبدأ بالكلام الموجز على تكوين شخصية الإنسان، ودور الجينات والعوامل البيئية في هذا التشكيل.
قد أثبتت الدراسات العلمية المتواصلة، ومنها دراسات باحثين من جامعة كولورادو بولر الأمريكية ” أنَّ لكل من البيئة المحيطة، والجينات الوراثية، دور محدد في عملية تشكيل السلوك الإنساني في تطور المهارات المكتسبة على مدى سنوات العمر” وأكد الباحثون أن للجينات تأثيرها الأول على جسد الإنسان ووظائف أعضائه الداخلية، ومن بينها مهام المخ من قدرات معرفية وتعلُّمية، هذا وقد تمكن التطور العلمي المتواصل من خلال الأجهزة الحديثة، التعرُّف على آليات الدماغ، ووجد أن العقل هو منبع الطاقات الإبداعية، وهنا لا بد من تعريف الإبداع, بأنَّه عملية إنتاج ٍ تشهد كلُّ لحظة من لحظاتها ولادة جوهرية ذاتَ قيمةٍ آنية، وهو خروجٌ على المألوف، لكن ليس كلِّ خروجٍ على المألوف إبداعا..
ونعود إلى العنوان: ” طقوس الأدباء عادات سلوكية أم محفزات ذاتية؟
كما أسلفت هناك تأثيرات جينية وأخرى بيئية تتدخل في تحديد سلوك حياة الفرد ومسارها، كما أن لكل فردٍ طباعه الخاصة التي قد تصل عند البعض إلى “طقوس” تلازمه فيدمن عليها، وقد تصبح عنده شرطًا من شروط الاستقرار الجسدي والنفسي في آن واحد  فماذا نفهم إذن بطقوس “الأديب” وهل يستطيع أن يكتب في كل الأوقات أو الحالات بنفس المستوى أو الروحية ولو أخذنا مبدعاً مشهوراً، هل يستطيع أن يولِّد إبداعًا بشكل دائم متواصل، أم أنَّ هناك ظروفًا يهبط فيها إنتاجه الأدبي الفكري، فيصبح بحاجة لإعادة توليف وتجميع جديد لمعرفة تكوِّن مادة أولية لنتاج جديد مبتكر، هناك أدباء لديهم “طقوس” خاصة، فلا يجيدون الكتابة إلا في جو هادىء، كي يستطيعوا استجماع أفكارهم دون معكر لصفوهم أو مكدِّر. فلو كان الأديب مسؤولاً عن عملٍ روتيني في صحيفة ما فقد يحدُّ استمرار هذا العمل وروتينيته من قدرته الإبداعية، خاصة إذا أوكلت إليه كتابة مفروضة بتوقيتها وموضوعها، وأعاقته عن تجديد ثقافته واطلاعه.
لا بد أن يكون للأديب قسطٌ من الحرية الشخصية التي تتوافق و طقوسه التي اعتاد أن يمارسها ليمهد لمواضيع الكتابة، لكنَّ الأدب وكذلك الشعر ليس ترفًا في كل الأحوال، فهو بالضرورة نضال ٌ فكريٌّ وحلمٌ لخلق المجتمع الأمثل الذي يحقق للإنسان وجوده وحرّيته في عالم تعمُّه المحبة ويحكمه التسامح والعدالة الإنسانية.. وليس غريبًا أن يتخلى أحيانًا أدباء وشعراء مبدعون عن كل الطقوس، ويكتبون أروع القصص والروايات من داخل السجون، فقد كتب الشاعر أحمد فؤاد نجم معظم قصائده في السجن، وغيره أدباء وشعراء كثر لا طقوس لهم إلا تمسكهم باليراع والفكر والعزيمة وسيلةَ تعبير يقارعون فيها الظلم والفساد والطغيان، وبهذه الحالة  نستطيع القول إن لدى هؤلاء الأدباء حوافز ذاتية تخطت الطقوس المعتادة لتتخذ من الأدب منبرًا إبداعيًا عابراً للأزمنة والأمكنة، وهؤلاء بحق هم الخالدون الحقيقيون .. ونتساءل هل طقوس الأدباء ضرورية لإنتاج الأعمال الأدبية؟ وهل هي شرط من شروط الإبداع؟
أجد هنا أن المسألة نسبية وليس من قاعدة عامة تصح على كل الأدباء .
فمنهم من لا يستطيع أن يبدع دون وجود حدٍّ أدنى من الظروف/الطقوس التي يحتاجها ليكتب، لأن عملية الكتابة منوطة بالطاقة المخزنة في الدماغ، ولأن العقل هو منبع الطاقات الإبداعية فكيف نطلب من أديب متعب نفسياً ومجهد فكريَّا أن يبدع في ظروفٍ كهذه؟
صنفٌ آخر من الأدباء أو الأديبات، يملك قوة داخلية جسدية ونفسية يستطيع معها أن يتخطى كل الصعوبات والطقوس الخاصة به، وأن يكتب ولو تحت وابل من الرصاص.، ويبقى أن نحدد ماهية الإنتاج، أي إنتاج الأعمال الأدبية: هذا يتوقف على نوعية هذا النتاج، وهل هو كمِّيٌ أم نوعي، ولا ننسى أنَّ الطقوس في عالم الكتابة الالكترونية قد سهلت زيادة الإنتاج بوتيرة أسرع بما لا يقاس عن الماضي .
لذا صار من الضروري والحالة هذه ضبط نوعية الإنتاج كي لا يصبح كمًّاً يفتقر إلى الكتابة الإبداعية الحقيقيَّة المطلوبة كشرط لإبداع الأديب أو الشاعر، ومن الضروري جدًا أن تبقى الحوافز الذاتية للإبداع الأدبي طاغية على كل ما عداها من مغريات مادية أو تسامح في مجال تقييم الإبداع، ومن المؤسف أن المجاملات المزيفة والمديح لأعمال أدبية هابطة هو سيد الساحات والمجموعات الأدبية في هذه الأيام.

 

*الفكرة كقطعة معدنية تمغنطها الموهبة لا الطقوس

ويفيد الكاتب والشاعر سعد عبدالله الغريبي بأنهليس للأديب الحق طقوس معينة للكتابة لأن الأدب إبداع يعتمد على الموهبة والملكة الأدبية، ومن لم يؤت نصيباً من الموهبة والملكة فلا يمكن أن يكون أديبا أينما حل وأينما رحل. كل البشر تتقد في أذهانهم رؤى شتى، ويُلهمون أفكاراً عميقة لكنهم لا يحسنون استقبالها لافتقارهم للموهبة والملكة. ولذلك لا علاقة لأي طقوس بالإنتاج.
الملهم تهبط عليه الفكرة هبوطًا اضطرارياً لا يمكِّنها من الاستئذان ولا يمكنه من الاستعداد للتلقي، وعليه إن كان أديبا حقاً تهيئة المناخ الملائم لاستقبالها وحسن رعايتها وتحويلها من معنى مجرد إلى حروف ناطقة ومعبرة عن المعنى. القلم الثمين والورق الصقيل وطاولة الكتابة الفاخرة وفنجان القهوة والسيجارة كلها أمور لا تهتم بها الفكرة حين تهبط ولا تبحث عنها. قد تهبط على أعزل من أدوات الكتابة فيخط على الرمل وعلى من لا يملك ورقاً فيكتب على ظهر كتاب أو بطاقة سفر أو تذكرة سينما.
الطقوس التي يدعي الكاتب ضرورتها ويعلي من شأنها في التحفيز على الكتابة هي من خيالات الكتَّاب. لعلهم وصفوها وصفاً أدبياً من جملة ما يكتبون فصدَّق أنصاف الموهوبين أنها من شروط الكتابة. كم من راوٍ كتب رواية، وشاعر ألف ديواناً شعرياً وهو لا يملك بيتاً يستريح فيه، ولا مكتباً يجلس إليه، ولا رغيفاً يسد رمقه بله القهوة المختارة.
الفكرة كالقطعة المعدنية بجذبها المغناطيس. والمغناطيس هو موهبة الأديب فهل يمكن للمغناطيس أن يتخلى عن استقطاب المعدن لأي سبب؟ هناك أشياء تساعد الأديب على الكتابة وتسهلها عليه، فلا شك أن المكتب أفضل من الجلوس على الأرض والقلم المنساب خير من القلم الذي لا يكتب إلا بمشقة، لكن كل ذلك لا فائدة منه إذا لم يكن مغناطيس الأديب قد اصطاد الفكرة وأحكم القبضة عليها.
يتباين الأدباء في تفضيلهم الحالة المزاجية والجو الاجتماعي والوقت، فمنهم من يفضل لحظات الهدوء النفسي، ومنهم من يكون الانفعال أكثر تحفيزاًله، ومنهم من يفضل الخلوة، لكن بعضهم لا يكتب إلا في مكان مزدحم يعج بالفوضى والصخب.

 

*الطقوس سلوك فردي لاتعميم له 

ويعلق الروائي فيصل غمري على محاور القضية بقوله: أسمع كثيراً عن عادات سلوكية لبعض الكتّاب أثناء كتابة عمل ما كتدخين السجائر أو شربالقهوة أو الشاي. لكن وربما لكوني غير مدخن فلا أرى أن هناك تقاطعاً بين الكتابة و فعل أيه شيء آخر سوى الكتابة. بل على العكس أنا أرى أن عمل حاسة التذوق في شرب أو أكل أو تدخين قد تشتت الذهن و تبعده عن التركيز، وإذا اعتبرنا أن هناك عادة سلوكية أمارسها أثناء الكتابة فهي تحري الهدوء و العزلة قدر المستطاع، وشخصياً أستطيع الكتابة في أي وقت ومكان أراه مناسباً طالما كان هادئاً، فالهدوء يوفر صفاء ذهني كبير خاصة وأن الكتابة الأدبية كالرواية أو القصة أو المسرح تستلزم خيالاً وقاداً يحتاجلهدوء كي تبلور الفكرة التي يكتبها المؤلف، والطقوس تظل سلوكاً إنسانياً يختلف من شخص لآخر. فالكاتب يبحث عن ما يساعده على كتابةما يدور في ذهنه وخلقها على الورق. وربما تؤثر على الإبداع  لو اعتاد عليها الكاتب، لكن مرة أخرى أقول لا يمكن تعميم أي سلوك إنساني فردي في مسألة تكييف الذات للإبداع، واذا صنعالكاتب لنفسه طقوساً معينه لفترة طويلة فسوف تصبح بالضرورة مقترنة بنتاجه الأدبي. 

 

*يحتاج الأديب لبيئةٍ متناغمة مع إبداعه

وتؤيد الشاعرة سلوى خليل الأمين من لبنان الطقوس الإبداعية للأديب حيث قالت: للكتابة طقوس وللكاتب طقوسه الخاصة، فالكتابة هي تعرجات النفس لما تحوي من عناوين ومشهديات، حيث تتشكل في نص أدبي أو قصيدة لتشكل قوة تلبسها إنسانيتنا بكل ما تحوي الكلمة من معان، قد تكون مفرحة أومؤلمة أو تعالج وضعًا سياسيًا أو اقتصاديًا أو تربويًا أو إجتماعيًا، أو كيفما اتجهت الكلمة الناطقة بحقيقة الوجود، فالأديب أو الشاعر أو الكاتب يحقق التفاعل الذاتي مع الأمور المحيطة به، ويتفاعل معها إن سلباً أو إيجاباً،وبالتالي يتجلى الموضوع بالمعرفة وعالمها الواسع. من هنا فالكتابة عند الشاعر والأديب غيرها عند كاتب بقية النصوص المطلوبة لزوم ما يتفاعل بماض الزمان أو حاضره أو المستقبل، أو عالمنا من رديات.

فالأديب حين يكتب رواية أو نص أدبي لا بد له من الإحاطة بحالة معينة، تجعله قادراً على الكتابة والإنتاج، والشاعر كذلك الأمر، فكلاهما لا ينبت زرعهما إن لم يتفاعلا مع وسطهما أو مجتمعهما أو الأحداث التي تمر، أكانت تتعملق فوق شواهق النفس التي تسجل كل ما يجري في الحياة بدقة متناهية، أو تمسك بلغة تدرك كلتقنيات الحب والفرح والحزن وما إلى ذلك.

فالكتابة الأدبية هي نفح الذات البشرية بكل ما تحويه من مشاعر، فهي تحمل اللغة التي تخاطب سمع الكاتب،التي غزلت موسيقاها من مفردات ومعان تؤثر في نفس الكاتب تأثيراً  إيجابياً، قبل أن يصبح  النص في أيدي القراء، ولي تجربة مع كتابة النص الأدبي ، فأنا كأديبة عندما أكتب النص الأدبي علي أن أنعزل في غرفة خاصة، لا يعكر مزاجي شىء، أطلب الهدوء التام، وأسرح في الخيال، بحيث أنعزل عن كل ما حولي وأعيش جنة النص الذي أنا بصدد خلقه، حين الشعور تلقائيا بأني أتلمس جمالات الكون، وأصعد على أشرعتها، أبحر في دروب هي لي وحدي، أقطف الحروف لأشكلها كلمات تنبعث في سماوات رحبة، تعطي الأمل للقاريء وتوحده في ذاته وتربطه مع الآخرين بلغة نقية بنت لنفسها محطات آمنة كي تصل إلى المتلقي بكل جمالياتها.أما كتابة القصيدة فشأن آخر، فأنا كشاعرة لا يمكنني أن أكتب الشعر في كل الحالات، قد يمضي زمن دون أن تولد قصيدة ما، وقد يأتيني الشعر على حين غرة فأكتب وأكتب إلى أن تنتهي القصيدة، إذن ياعزيزتي للكتابة طقوسها الخاصة بكل كاتب وبتفاعلات الزمان والمكان، والحالة التي يكون الأديب أو الشاعر عليها، وتصبح حافزا للكتابةوليست الطقوس الخاصة بالكتابة عادة سلوكية عند الأديب، كغيرها عند الكاتب، فالأديب تختلف كتاباته عن الكاتب، فالكاتب يكتب نصوصاً سياسية واجتماعية وتربوية إلى ما هنالك من وحي الأحداث التي تمر في الحياة اليومية ويتفاعل معها، كالكاتب الصحفي مثلاً، كتاباته وليدة أحداث معينة، تحفزه مجرياتها على نقل الخبر بدقة وأمانة، بعكس الأديب الذي يكتب بناء لمحفز ذاتي ينبع من وجدانه وشعوره وعواطفه، فيبدع حين يختار مفرداته وتعابيره، فينتقيها كي تكون الأبلغ والأفضل من حيث قيمتها الجمالية وأسلوب سبكها، فأمين نخلة في مفكرته الريفية كتب نصوصاً أدبية ما زالت ثابتة وقائمة في ذهن القاريء ليومنا هذا وإلى زمن آخر، بل هي مرجع يستشار به من حيث الإبداع في صياغة الكلمة والعبارة، حتى لتحسبها صيغت بأنامل صائغ ماهر من حيث سلاسة وطراوة العبارة وجمالياتها حتى لتحسب أنك قادر على كتابة شبيه لها، وهذا هو الإبداع بعينه، وتبقى طقوس الأديب ملكًا خاصًا به، هو يدرك حوليات كتاباته وطقوسها، فالإنتاج الأدبي منوط بما قد يحفز الأديب على العمل من أجل ضخ النتاج الجيد للجمهور، هنا تكون العوامل النفسية له بالمرصاد، فنحن إذا لم نوفر لللأديب بيئة نظيفة للكتابة من حيث تأمين موارد العيش الكريم فكيف له أن ينتج ويبدع، والأديب في عالمنا العربي مشغول دائمًا بتأمين لقمة العيش بينما في دول الغرب يعطى ما يؤمن له معيشة نظيفة ويترك ليكتب وينتج ويبدع، أعطي مثلاً على الأديب الروائي أمين معلوف اللبناني المقيم في فرنسا، اتصلت به يومًا كي أكرمه في لبنان نظراً لمكانته الروائية الناجحة أجابتني زوجته أنه بصدد إصدار رواية جديدة وهو منعزل في جزيرة إيل دو ديه ile de dieu ، لأنه بصدد كتابة رواية جديدة، وقبل ستة أشهر لا يعود إلى المنزل، وهو منعزل كلياً ولا يكلم أحداً حتى ينتهي من روايته يعود إلى باريس، هكذا تهيء بيئة الإنتاج للأعمال العظيمة للكتابة وللأديب المبدع، ولا يمكن لنا أن نفرض شروطًا على الأديب مطلقاً، الإنتاج الأدبي هو نتيجة تفاعل الذات البشرية مع مجريات الحياة وجمالاتها كما قلت، وبالتالي لا يجوز مطلقًا أن نحددها بوقت مفروض أو مكان معين أو حالات خاصة، الأدب له طقوسه وحالاته الخاصة التي لا يشعر بها أي إنسان، فالمطر لا يبعث إلا عبر أوانه، والبدر لا يسطع إلاضمن أيام معدودة من الشهر، وهكذا الأديب كي يبدع وينجز، علينا أن نوفر له البيئة المتناغمة مع طبيعته الإنتاجية الحالمة برفيف الحب والحنين والانتماء وهناءة لاهفة إلى التصوف في محراب جمالات الكون ومآسيه، كي ينطلق صوب منارات الإبداع،  مصوباً سهامه نحو المجد متوخياً نور الحقيقة  التي تعبئ الزمن بوعد هو البدء لكل ما هو قيم وجميل.

 

*الشعر حالة شيطانية  بلا توقيت 

ويكشف لنا الشاعر محمد الخضري شيئًا من عاداته الكتابية المتغيرة التي لا يعتد بها كطقوس محددة قائلًا: لست من الكتاب الذين يتبعون طقوسًا محددة للكتابة وغالبًا ما أطلق على نفسي بأني كاتب تلقائي، وبالتالي يمكنني كتابة أكثر من نص في اليوم الواحد وأحيانًا يمضي علي وقت طويل دون أن أكتب كلمة واحدة وبالتالي ليس هناك توقيت محدد وإن كنت أميل أكثر للكتابة في الصباح الباكر وأنا أقول عن نفسي بأني كائن نهاري ولست من عشاق الليل والسهر، وأعتقد أن كل الطقوس التي يمارسها الكتاب هي عادة سلوكية لا علاقة لها بالوقت والتوقيت أو للزمان والمكان، وهاجس الكتابة خصوصًا الشعر حالةشيطانيةتتلبس الكاتب في أي مكان وأي زمان ويحدث هذا معي وبالتأكيد مع الكثير من الكتاب الآخرين.

وبالنسبة لي الكتابة حالة مزاجية خاضعة لتقلبات المزاج، لذلك أنا لا أجيد الكتابة في المناسبات لأني لا أصطنع الكتابة؛ فالكتابة عندي حالة تلقائية كتلقائية النص الذي يأتي فيكتب نفسه دون أي تدخل شخصي مني إلا بعد انتهاء فكرة النص، عندها أقوم بقراءته كأي متلقي خارجي ومن ثم أبدأ أمارس حرفتي المهنية في الكتابة من حيث التعديل والتصحيح.

 

 

2 thoughts on “طقوس الأدباء.. عادات سلوكية أم محفزات ذاتية 

  1. موضع مثير ممتع، حوارات هادفة، تلاقح فكري نابع من تجارب إنسانية ملهمة…شكرا لكل من وضع بصمته هنا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *