عابرةٌ بنا باقيةٌ فينّا

هاجر بنت محمد*

ونحن نقطع دُرُوب العُمر، يتجول بنا قطار أيامنا بين محطاته مُسرعاً دونما انتظار، لا يخلف وراءه شيئاً سوى دخان ذكرياتنا جميلة كانت أم أليمة، ومع كل محطة جديدة نقطعها يحدث أن نصادف فيها أقداراً (عَابِرة) في الحياة لكنها تظل (بَاقِيّة) في الذاكرة.
كمشاعرٍ عبرتنا في لحظة ما، وأمكنّة مررنا بها في زمن ما، وأشخاص التقيناهم في طريق ما.
تلك اللحظات ذات المشاعر المُتفاوتة، لحظة فرح ولحظة ترح، كلتاهما حلّقت في سماواتنا  ذات يوم  منها ما أسعد قلوبنا ومنها ما أدماها، ولأنّ لكل شُعورٍ عبور عشنا شُعورها في حينه ثُمّ غادرتنا إلى غيرنا ومضينا نحن في حال سبيلنا، هي كانت لحظات عابره، لكن لبعضها ذكرى مكثت بعدها طويلاً بذاكرتنا.

وما أكثر الأمكنَّة التي عبرناها في زمان ما، كان قَدرُنا منها أن نحل بها لفترةٍ زمنيّة مُحددة، بينما كان قدرها منا ألَّا ترحل ذكراها عنّا، ولعل أشدها رسُوخًا في الذاكرة تلك الأمكنّة الشاهدة على براءة طفولتنا.
كَفِناء مدرستنا الابتدائية، وأسوارها التي لطالما غردت صباحاتها بنداءاتنا، وأشرقت فصولها بضحكاتنا.
أيضاً تلك الحارات العتيقة بممراتها الضيقة وأهلها اللُطفاء.
بيوت جيراننا القُدماء، و كُل بُقعةٍ ضَمَّت عبق طفولتنا وأهازيج قلوبنا الصغيرة التي كانت ترقص فرحًا لمجرد قطعٍ لذيذة من الحلوى تقاسمنها مع اقراننا، أو لأجل دُميّة جديدة حصلنا عليها، أماكن الطفولة وأزمانها لذكراها شَذَّا باقٍ فينا ويأسرنا الحنين إليها بين الحين والآخر.
ثَمَّة أشخاص كُثر طَرقوا أبواب أيام عُمرنا ولياليه ، ثُلَّةٌ منهم  مَرُوا بنّا كنسمات الرَبيع  النّقية التي تشرح النُفُوس بِلُطف هبوبها ، و من جميل عُبورهم عطروا أرواحنا  بعبير ودهم ومسك رُقيهم ، وحين حالت الأقدار بيننا وبينهم غدوا لنا كتلك الغيمات النديّة، فأمطرونا بوابلٍ من الوفاء لتبقى ذكراهم مُزهرة بقلوبنا.
وعلى النقيض، هُنالِك من عبرونا فأهدونا، العبر منهم والحذر من أشباههم.

مُمتنةٌ أنا لكل من جمعتني به الأقدار فكان لطيف العبور، صادق  الشعور، وَارِف الحُضور بالحب والنقاء.

ومُمتنة بحجم الأرض والسماء لكل من أساء العبور  بطُرقات قلبي لأنه كتب على لافِتات عُمري رسائل جَمَّة مَفادُها:
(تجنّب، من هُم على شَاكِلَتِّي، في قَادم أَيّامك)

وأخيراً..
كوننا نعلم يقيناً، أن الكُلّ عابرٌ بنا، ويوما ما مُغادر عنّا
أكان سَيضيرُنا، إن جَمّلنا العبور بقلوب وحياة بعضنا البعض، لنحصد طيب الذكر، فالذكر هو العُمر الثاني والباقي للإنسان .

*كاتبة سعودية

حساب تويتر: Calligrapher_hm

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *