التصنيفات الثقافية.. خلافات عميقة وجدالات عقيمة

إعداد هيا العتيبي

بعد مرور زمن من التصنيفات والمجادلات التي بدأت بين أطياف متعددة في الفترة الماضية من السلفيين والليبراليين والعلمانيين، تجلت الصورة الأصح وتبقى في الصفوف الأولى المحايدون والذين اتخذوا من الثقافة حرفه راقية ومهمة سامية لا تخضع للتصنيفات في عالمها الأرحب بل هي سماء واسعه للحرية والتميز والتحليق الإبداعي حد الإبهار، بعيداً عن أولئك الذين اعتبروا الثقافة جسداً يجب أن يقطع ويقسم إلي تصنيفات قد تعيق الحراك الثقافي وتحد من تطوره وتسعى إلى تجميده وتلك التصنيفات هي محاولة لقتل الحرية الفكرية وإعاقة المثقف لأنه مختلف في طرح أفكاره فقط، الأمر الذي نرفضه تماماً فالاختلاف ليس سيئاً كما يحاولون إظهاره على العكس تماماً قد يكون الاختلاف هو الأمر الصحي الوحيد على الساحة الفكرية ليحرض عقولنا على الإبداع في مواقفها المتاحة.

فرقد الإبداعية تسبر أغوار هذه القضية بطرح المحاور التالية على نخبة من المثقفين:
-لا تزال هنالك بقايا من القابعين في جدل التصنيفات ولديهم نشاطات خفيه عبر وسائل التواصل الاجتماعي ما هي أدواتهم وكيف تتم مواجهتهم ؟

-ماذا خلفت تلك المجادلات العقيمة في المجتمع الثقافي وما الدور الواجب على المؤسسات الثقافية للقضاء على رواسب وتداعيات تلك الفترة ؟

-ما هي الأسباب التي أدت الى تراجع تلك التصنيفات وماذا تبقى منها من وجهة نظرك؟

-هل وجود الفضاء التقني المفتوح وقلة الرقابة سببان لنرى تصنيفات قادمة أم أن الحراك الثقافي الواعي قادر على وقف هذه الموجه المخجلة وكيف ؟

-كيف يتعاون المجتمع بأكمله في رسم الصورة الثقافية الصحيحة المعتمدة للحفاظ على الهوية الراقية للثقافة بعيداً عن جدالات التصنيف والنيل من توجهات وأفكار الآخرين؟

 

 الحوار الوطني رادع لهذه التصنيفات

تفيد القاصة فاطمة الدوسري:

بأن الجدل حول التصنيفات الثقافية مستمر بوجود مغذيات تثيره باستخدام وسائل تعتمد على مخاطبة الفكر بمنهجية مناسبة لتحقيق المطلوب في تغيير وسائل التفكير والاستفادة من علم النفس السيكولوجي لتطبيقه بالطريقة التي يرون صحتها.
وأهم الأساليب للمواجهة:
*رصد الجهات أو الوسائل المغذية للتصنيف الفكري
*إصلاح الخلل في التعليم واضطراب المنظومة الأخلاقية والتربوية.
*عدم الخوف من الآخر واحتوائه.
*تغيير أسلوب الخطاب الديني.
*تقبل ثقافة الاختلاف واعتماد أدبيات الحوار الراقي. وبلا شك أنها خلفت التعصب للرأي وإثارة الضغينة، والشخصنة وغيرها كثير مما يفت في لحمة المجتمع ويؤدي إلى التشتت والفرقة، ويقع على عاتق المؤسسات الثقافية مسؤولية كبرى للقضاء أو حتى تخفيف تلك الآثار على المجتمع.

وتشير إلى أسباب تراجع تلك التصنيفات بقولها: الوعي المجتمعي المتنامي ومن وجهة نظري أن مركز الحوار الوطني بذل جهوداً حثيثة لنشر ثقافة الحوار وأدبياته والتي كان لها أثر واضح، ولا شك أن الأمر يحتاج إلى جهد ووقت للقضاء على خطر هذه التصنيفات ومصادر تغذيتها ولا شك أن المجتمع مازال يعاني من التعصب والفئوية.

وعلى احتمالية نشوء تصنيفات جديدة تعلق بقولها: انتشار التقنية وتطبيقاتها ووسائل التواصل الاجتماعي ربما ساعدت في الانتشار ولكنها ليست المغذي الرئيس فالعوامل الداخلية ولا شك أن الحراك الثقافي له دور كبير لكشف زيف الشعارات وكذبها بطريقة ذكية ومقبولة. والثقافة هي المنظار الذي يعطي للعالم رؤية ًشاملة تجسد المفاهيم والقيم وظواهر السلوك والممارسات المعنوية والعملية، والحياتية المختلفة لأي مجتمع وتنوعها يمنحها زخم خاص وقوة البقاء، والوعي بهذه القيمة والتميز الخاص يدفعنا إلى التقارب والتفاهم والالتقاء عند نقطة واحدة مهما تعددت طرق تحقيق هذا الالتقاء وأساليبه.

 

الحوار المنضبط هو وسيلة الخروج من هذا المأزق

ويعلق القاص والكاتب بخيت طالع الزهراني على محاور القضية بقوله:

موجات الخلافات لا تتسق مع جماليات التطوير الكبير للمنتج الثقافي، والانفتاح على الآخر، ولا مع ذائقة أدبية فاخرة، ما يجهض أحلام الأدب في مهدها.
والمخرج من هذا المأزق لا يكون إلا بمزيد من الحوار المنضبط، والوعي الكبير، وإلا فإن الحالة ستظل أشبه بفوضى في الحوار، وتراشقاً بالمفاهيم، وحرباً شعواء لا تستند لأي مخرجات هادفة.
ويتعين على المؤسسات الثقافية أن تضطلع بدورها كمرجعية، لها هيبتها وكلمتها الفصل، وكذلك فإن ثمة مسؤولية على كبار المثقفين، أولئك المنوط بهم ضبط وتيرة التفاعلات الثقافية، في نسق صحي، يفضي إلى مساحات رحبة من الفعل الثقافي الخلاق.
وعن أسباب تراجع تلك التصنيفات يقول :الرهان دائما على الوعي – والوعي وحده – وعلى المثقفين والمشتغلين بالهم الثقافي أن يستشعروا دورهم، كمشاعل تنويرية، تقرب ولا تفرق، تتوحد ولا تتشظى.
والفضاء التقني ميزة، لكن لمن يحسن استخدامه، ومن خلال التشريعات يمكن ضبط كل انحرافات، مع جرعات من التوعيات بشكل متوال، ولكن علينا أن نعرف أن بداية انفتاحنا على الفضاء التقني بكل إبهارها، لابد وأن تحدث عندنا صدمة سلبية، لكنها مرحلة وستنقضي.
والمجتمع هو أنا وأنت، ومن حولنا – ممن لنا سلطة عليهم – وقيامنا بواجبنا الرقابي والتوعوي، كل من جانبه، سنصل من خلاله لهدفنا،  أما في حال تلكؤنا وتقاذفنا للمسؤولية، فإننا سنظل نتعثر مدة أطول من الزمن المعقول.

 

 من الجيد نشر الوعي الثقافي   


ويرى الكاتب سعيد آل صمع: 

أن أدواتهم التخفي وراء كل ماه و زائف من أسماء وشخصيات مهمة في المجتمع وانتحالها باسم نشر الوعي الفكري لمجتمع أكثر ثقافة وانفتاح وقد خلفت تلك المجادلات مشاكل فكرية في المجتمع فالعمل الثقافي مسؤولية وطنية لأن الثقافة هي عنوان المجتمع الناجح، والثقافة الرصينة هي التي تساهم في خلق جيل معتدل ومسؤولية نشر الثقافة تقع على عاتق كل المؤسسات الثقافية.
والكثير من المؤسسات الثقافية نسيت أو انحرفت عن أداء دورها في تثقيف الفرد في المجتمع،  فكل المشاكل الفكرية التي يعاني منها المجتمع تتحمل المؤسسات الثقافية جزءاً كبيراً من المسؤولية فالعمل الثقافي هو توعية المجتمع وإلا ما الهدف من إقامتها ولماذا تستلم بعض هذه المؤسسات دعماً من هنا وهناك بل إن البعض يعتقد أن ما يصرف للمؤسسة التي يقودها هو استحقاق شخصي ولا يدعم الفكر الثقافي للفرد، وللأسف لم تتراجع تلك التصنيفات الثقافية بل إزدادت كثافة وتكتل في مجتمعاتنا العربية، والثقافة والمجتمع تتعرّضان اليوم للعديد من التحديات ولعل أبرز التحديات هو التحدي التقني الأمر الذي أفقد المجتمعات خصوصياتها الثقافية ولكن يستطيع المجتمع التصدي لهذه الأفكار الدخيلة عن طريق التعاون بين المؤسسات الثقافية رسمية أو غير رسمية كالمنزل والمدرسة للحفاظ على ثقافة المجتمع عن طريق غرس المبادئ والقيم الدينية بوسائل تتناسب مع أفكار الجيل الجديد كذلك نشر الوعي بأهمية التمسك بالعادات المجتمعية ذات الطابع الإيجابي لتعزيز ثقافة جيل واعي منفتح على الآخرين ولكن متمسك بما هو جميل وصالح للعيش في مجتمع مثقف، وشعور الإنسان نفسه في حالة اغتراب عن مجتمعه فمن ناحية يخضع لمنظومة ثقافيّة واجتماعيّة على أرض الواقع ومنظومة ثقافيّة على وسائل التواصل الاجتماعيّة مختلفة، من هنا يأتي دور كل دولة في تحديد ما يتناسب مع ثقافتها وأخلاقياتها لتعمل متكاتفة للتصدي لكل ما هو دخيل عليها ولا يناسبها دون التعرض لحقوق المواطن المتعلقة بخصوصياته وحياته.

 

يجب علينا البدء من أنفسنا 

وتدلي الكاتبة  قمر القشلق حول قضيتنا لهذا العدد قائلة :
إن الخلافات العقيمة والحوارات من قبل مجموعة من التابعين حول الانفتاح الثقافي والإعلامي ودور الأنشطة الترفيهية في المجتمعات العربية وتأثيرها في هذه الفترة على بعض العقول السلبية التابعة لمجموعات ذات عقيدة ومنهج سلبي، منحدر يقود الأمة بأكملها نحو التخلف والجهل وخلق الخلافات والنزاعات الطائفية المتشددة، من وجهة نظري ولأنني أعمل في مجال الثقافة والإعلام و الأنشطة على مستوى المملكة العربية السعودية الحبيبة نحن بأمس الحاجة وفي هذه الفترة لوعي ثقافي وانفتاح حضاري مواكبة مع التقدم والتطور السريع في العلوم الفكرية والمهنية والتقنية، ومهارات الإبداع والفكر وتنمية المهارات الفكرية والبدنية في جميع المجالات، لكن بطرق ومسارات إيجابية وبعقول عربية وليست بعقول و تقنية الغرب. لدينا الكثير والعديد من شباب وشابات في مجتمعنا ممن يملكون عقول نظيفة رائعة متميزة مبدعة في كل المجالات، لكن ينقصها دورات تأهيلية و تدريبية مستمرة ومعتمدة وورشات عمل ذات طابع اجتماعي حضاري في عصر التقدم والتكنولوجيا، وأيضا توفير لهم البيئة والأماكن المناسبة لكل مهارة أو مجال أو عمل ينتمون إليه، وأخذ كل ما هو إيجابي وذو فائدة من العلوم والتقنية الحديثة المتقدمة وترك كل ما هو يسيئ للهوية العربية الإسلامية.

التقدم والانفتاح والتميز يكون مدعوما من قبل الجهات التعليمية والثقافية وبالرقابة الذاتية ضمن حدود القيم والمبادئ السليمة المشكلة عندما نقف لحد معين من التطور بكون سببه أعداء النجاح..وحب الذات هنا تقف كل محاور الإبداع، وصادفت كثيراً في حياتي العملية قادة غير مؤهلين لا فكرياً ولا عملياً في تطوير المجتمع بل العكس ينسبون النجاح  والإبداع إليهم ويتسببون في جرح وألم في نفوس المبدعين، هنا يتوقف العقل البشري عن التفكير و يشعر بالإحباط و عدم الرغبة بالعمل او التقدم لأي خطوة للأمام، واصبحنا نعمل كالمبرمجين بقالب عقول بعض قادة العمل؛ لأن حب الذات و الأنانية طغت على حب العمل الجماعي و سلب حقوق البشر، وهم يعتبرون أشد خطراً من التابعين لخلافات الانفتاح ومشكلتنا الأهم الآن هي الانفتاح الذي أصبح أكبر خطر في مجتمعنا الشرقي بسبب سيطرة الغرب على عقول أطفالنا وأشخاص لا ملة ولا عقيدة لهم، فأصبحوا داخل منازلنا حتى يعيشون معنا في كل تفاصيل حياتنا، وكله بسبب الأنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وعدم رقابة الأهل لأولادهم في هذه المرحلة وبالذات الحجر بسبب كورونا، عدم رقابة الأهل للأطفال والضغط النفسي كله أدى إلى العزلة لكل فرد وعدم تفريغ الطاقة الحركية والنفسية إلا عن طريق الألعاب الإلكترونية، ينقصنا كثيراً من الدعم و الاحتواء الأسري للأطفال  والتعرف عما يدور في عقولهم بسبب التباعد الاجتماعي، لذلك يجب أن يكون هناك دورات تأهيل للأهالي و أيضا مهرجانات ثقافية إبداعية تشمل جميع فئات المجتمع سواء من الجنسين وعوائل وأطفال ضمن فئات عمرية متناسبة معهم؛ لأن الجو الاجتماعي والدمج لجميع فئات المجتمع تنهي الخلافات والنزاعات ونكون يداً واحدة/قوة متماسكة ومتلاحمة لا نتفرق مهما تعاقبت بنا الظروف، تعزيز حب الوطن والانتماء والعقيدة مهم جداً في هذه المرحلة العصيبة..تعزيز دور الأهل والمجتمع في تنمية المهارات والانفتاح بطرق إيجابية، تعزيز دور المؤسسات التعليمية وارتباطها مباشرة بوزارتي التعليم والثقافة، نبدأ من الفرد ثم الأسرة ثم المؤسسات التعليمية وبذلك نبني مجتمعاً متقدماً حضارياً، ومن أهم عوامل الانفتاح الثقافي الداعم بناء فكر حضاري متعلم راقي منفتح قوي قادر أن يقضي على جميع الخلافات والنزعات السلبية الحاقدة والأفكار العقيمة، وبذلك نصل لقمة الانفتاح والتميز والإبداع،  ويجب تأهيل جيل واعي متمكن من قوة الحوار وسلامة العقل والفكر سلاحه العلم والتطور والتميز والإبداع، من ناحيتي لا جدال بالنواحي السلبية لأنها تأخذ وقتاً وجهداً بدون فائدة ولكن لا يمنع أخذ الحذر والحيطة من هؤلاء التابعين الحاقدين، ويجب علينا أن نبدأ من أنفسنا حتى نصنع مستقبلاً باهراً عظيماً أساسه العلم والمعرفة والتقدم لفتح المجال والانفتاح لجيلنا الواعد.

 

على المؤسسات الثقافية رفع نسبة الثقة

 الكاتب سامي أحمد الدحيلان:

يجيب على محاور القضية بقوله: أدواتهم سذاجة البعض وفضولهم لمعرفة ما خلف الستار إن كان عبر التواصل الاجتماعي أو بالاتصال هاتفياً ويتم مواجهتهم بالتجاهل وتقييم الفكر المقصود به.

والتعصب الثقافي بالتعريف هو التقوقع في العقائد والهويات والأفكار كما أن هذا التقوقع نابذًا للآخر ويستند على شعور زائف بالتفوق على الغير وهذه تسمى النزعة الذئبية وعلى المؤسسات الثقافية رفع نسبة الثقة بالذات لمواجهة هذه التحديات بالتوعية الفكرية والثقافية في سبل التواصل الجماعي بأسلوب حوار عقلاني لا يمس شريعتنا الإسلامية والتركيز على تثقيف الأشخاص لكي يجدوا المقارنة ولا تزال تلك التصنيفات بين فئات المجتمع وقد تكون هي حرب بين فكر جيلين والأقوى من يلامس الواقع والتطور دون الإخلال بديننا وكسر المعتقدات الأساسية، ويجيب الدحيلان على فرضية وجود تصنيفات أخرى بوجود الفضاء التقني بقوله: التقنيات هي السبب الرئيس في تحول الإنسان وهي العامل المشترك بين جيلين والإنسان هو من يسيء استخدامها عكس ما وجدت للفائدة، وعلى الشخص تقييم المحتوى الفكري والتعامل معه دون ضرر وخدش الحياء.

 

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *