عندما تُمطر كتبًا

محمود منصور*

عندما تُمطر كتبًا

 

منذ عشرين سنة، قامت الحكومة بإنشاء بناء ضخم في وسط البلدة، كان البناء جميلا جدّا بعدة طوابق، يشبه المستشفى، ولكنّه ليس كذلك…
علّقوا على بوّابته الخارجيّة لوحة مكتوبًا عليها:
المركز الثّقافيّ العربيّ…
لم نكن نعلم ماذا يعني المركز الثّقافيّ العربيّ… ؟!
أحدهم قال:
هو فرن لإنتاج الخبز…
وقال آخر:
هو مدرسة لتعليم الأولاد، والدّليل كلمة الثّقافيّ…
قال ثالث:
ربما يكون مصنعًا للأحذية، بَنَتْه الحكومة هنا لتشغيل الأيدي والأرجل العاطلة عن العمل… !
في الحقيقة، هو شيء مجهول… مجهول تماما… !
ولم يُسمح لنا باكتشافه لأنّه مغلق على الدّوام، يشبه المقبرة في برودته وغموضه، إذ لا نلمح إلا العامل من بعيد يسقي الأشجار وشجيرات الورد…
كنّا نمرّ من جانب السّور، ننظر إلى داخل هذا اللّغز من دون أن نصل إلى معرفة كنهه…
ظلّ هذا اللّغز بعيدا عن إدراكنا حتّى سقط فوقه صاروخ فراغيّ من صواريخ الحرب…
يومها فقط عرفنا ماذا تعني عبارة مركز ثقافيّ…
عرفنا أنّه يحتوي عشرات الآلاف من الكتب متنوّعة المواضيع…
عرفنا أيضًا أنّه يحتوي على مخطوطات نادرة، كدفتر تحضير الصّفّ الثّالث الابتدائيّ الخاص بالأستاذ (عمّاش) ودفتر علامات الصّف الخامس، وكلاهما يعودان إلى نهايات القرن الماضي…
المهمّ أنّه عندما انفجر البناء تطايرت الكتب إلى عنان السّماء، ثمّ تساقطت على البيوت كما يسّاقط المطر… !
فقد سقط كتاب (جدّد حياتك) للغزالي على بيت الحشّاش أبو رفعت كشّاش الحمام، قرأ الكتاب فتاب ولزم المسجد…
وسقط كتابٌ يتحدث عن الرّأسماليّة ويشيد بها على بيت رئيس الجمعيّة الفلاحيّة الاشتراكيّة، فلعن الاشتراكيّة ولعن الذي اخترعها…!
وسقط كتاب يتحدّث عن  الاشتراكيّة ويشيد بها في بيت فرحان بيك كبير التّجار، فوهب كلّ أمواله إلى البروليتاريا الفقيرة…
ووقع كتاب (تعلّم الطّبّ في خمسة أيام) في بيت حارس المشفى الوطنيّ، ففتح عيادة وأخذ يعالج النّاس في زمن الفوضى…
ووقع كتاب (التداوي بالأعشاب) أمام دكّان أبي خالد، فحوّل دكّان السّمانة إلى صيدليّة ممتلئة بالأدوية العشبيّة والكيميائيّة… 
وسقط كتاب (الحياة الجنسيّة السّعيدة) فوق منزل حاتم أبو زهرة الذي يبيع عرانيس الذّرة عند باب المدرسة…
لم يقرأه على الرّغم من حاجته إليه لأنّه لا يحسن القراءة، ولكنّه لم يرمه، وإنّما استعمله في لفّ العرانيس السّاخنة التي يبيعها للشّبّان الهاربين من المدارس…
أدهشه كثيرًا ارتفاع نسبة مبيعات العرانيس اليوميّة، ثمّ انخفاضها بعد أن أنهى الكتاب المذكور… 
ثم بدأ بمعجم (لسان العرب) فانخفضت مبيعاته بشكلٍ لافتٍ حتى كادت تتوقّف…!
هو إلى الآن يهرش رأسه لمعرفة السبب… .
سقط كتاب(مقدمة ابن خلدون) على سطح الأرملة أم عبدو، ففرشت أوراقه على المصطبة لتنشر عليها أقراص (الشنكليش) حتّى تجفّ…
وبينما كان يجلس (غانم الطّفران) تحت أشعّة الشّمس الدّافئة يشرب الشّاي البارد ويدخن التّبغ الرّديء، سقطت بالقرب منه رواية (البؤساء)…
قلّب أوراقها باحثا عن صورة فلم يجد، فنادى ولده الذي يلعب هناك طالبًا منه أن يضع الرواية قرب الموقد لإشعال الجلّة…
لقد غيّرت الثّقافة عقول أهل البلدة، وجعلتهم مختلفي الأمزجة والأهواء بعدما كانوا سواء… ظهرت الطّبقات، وبدأ الصّراع ما بينها…
ظهر اليمين، وأقصى اليمين… 
وظهر اليسار، وأقصى اليسار…
قال لنا المختار:
أيها القطيع؛ ما كان ينبغي أن تفتح الثّقافة باب الحظيرة.!!

 

*قاص من  سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *