اغتيال طفولة

فاطمة النهام*

اغتيال طفولة

 

اسمي (ميساء جاسم) في أوائل الخمسين من عمري، أعيش وحيدة في هذه الشقة، بعد سنين طوال قضيتها أعمل في المدارس؛ اختصاصية إرشاد اجتماعي، أحنو على الطلاب بقلبي الكبير، وأسعى لمساعدتهم، واحتوي همومهم ومشاكلهم.
ربما كان هذا هو السبب الحقيقي في عدم زواجي وإنجابي، حيث فضلت أن أؤثر الطلاب ومحبتهم على نفسي، وربما لأنني من النوع الذي يرى سعادته في سعادة الآخرين. وأخيراً، قررت بأن أرتاح في بيتي، وأعيش مع ذكرياتي، وأتفرغ للعبادة، والقراءة، ومشاهدة التلفاز.
لا أستطيع أن أنكر بأنني لطالما مرت علي لحظات كنت أتوق فيها إلى تلك الأيام، إلى أيام كانت تشع فيّ روح الشباب، بكل حيويتها، وطاقتها، وعطائها اللامحدود.
يا لها من أيام جميلة، لن أنساها أبدًا، لا تزال تلك الذكريات عالقة بذهني.

أيام مضت من عمري، سرقتها السنون دون أن أشعر.
تأملت السماء التي أسدلت ثوبها المخملي الأسود، وتراصت فيها النجوم كحبات اللؤلؤ، وأنا أجلس في شرفتي لأتناول كوبا من اللبن الدافئ، تنفست بعمق هواء الليل العليل، وشعرت برئتي مع الزفير كأنهما يطلقان أنات السنين.
كم أعشق الليل، ربما لهدوئه وغموضه، حيث إنني أجد نفسي محلقة في الماضي البعيد، كالطائر الذي ينتقل من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى آخر.
أغمضت عيني، وأسندت رأسي على المقعد. عدت بذاكرتي إلى الوراء، ما يقارب ثلاثين عاما. كنت شابة يافعة، تشتعل عروقي بدماء الحيوية والشباب، كلي حياة وأمل، أحمل بين طيات قلبي عطاء لا متناهيًا، حماسًا وحنانًا وحبًا في مساعدة الآخرين.
لقد عملت بمهنة نبيلة، وهي الإرشاد الاجتماعي، تعلمت فيها روح العطاء، والإنسانية، وحب مساعدة الناس. كنت أمر بأيام أجهش فيها بالبكاء، وأنا أخفي وجهي في وسادتي. لقد صادفت في حياتي العملية أغرب وأصعب الحالات، ربما كانت أغرب من الخيال.
لبرهة، سمعت دق الجرس يدوي في عقلي، تدافع التلاميذ إلى ساحة الطابور الصباحي، يتراصون كعقد من اللؤلؤ، وكل مربية تقوم بترتيبهم في أماكنهم، وصوت الميكرفون يتعالى ليصطفوا بنظام واحترام؛ تحية للوطن، وإلقاء النشيد الوطني بحماس وولاء. ما أجمل تلك الأيام، ليتها تعود!
مع نهاية الطابور الصباحي، يبدأ العد التنازلي لعملي الدؤوب. فأنا الآن مسئولة عن تلاميذي، لا يمكنني أن أتركهم. فأنا المرشدة، والصديقة لهم، وطريق الحب والسلام، أنا السلم، ومرساة النجاة.
كنت أنزل إلى الميدان للبحث عن مشاكلهم. تلميذ يتعارك مع آخر، تلميذ آخر طردته المعلمة من الفصل، وثالث ينزوي ويتذمر من شي ما، ورابع يشكو من الجوع لأنه لا يحمل طعاماً أو مالاً.
كنت ولا أزال أعشق مهنتي لأنها الطريق إلى معرفة مشاكل التلاميذ وهمومهم.

لقد أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من روحي وكياني، وبدونهم لا تعني الحياة لي شيئًا.
كنت أتعامل مع تلاميذي كالزهور، كلما أسقيتها نمت وترعرعت.

آثرت أن أسقيها فعلًا، وأن لا أترك زهوري حتى تذبل.

أدرك جيداً بأنها بأمسّ الحاجة إلي، لا يمكنني أن أتركها تموت أمامي.
لا يزال كل شيء حولي يرتبط بكل جزئية بمدرستي وتلاميذي. من الصعب علي أن أنساهم، ولو بمرور كل تلك السنين، لأنهم ارتبطوا بروحي، حتى وإن وجدت ذاكرتي تضعف مع العمر. ربما لم أستطع أن أمنع بروز الشعرات البيضاء في رأسي، أو الخطوط المحفورة حول عيني، لكنني أمتلك الذاكرة التي تحمل قصصاً ترتعد لها الفرائص.
فجأة! انقطع حبل أفكاري مع صوت جرس الباب، للحظة ظننت بأنه جرس فسحة التلاميذ، وضعت كوب اللبن جانبًا، ونهضت لألفَّ حزام معطفي المنزلي حول خصري، ثم توجهت إلى باب الشقة، ورمقت الزائر من وراء الباب.

كان شابًا طويلاً، في العقد الثالث من العمر، يحمل ظرفًا بيده، فتحت الباب، وتمعنت بقسمات وجهه الهادئة.
قلت بصوت منخفض:
– من؟!
قال بهدوء:
– عذرًا يا سيدتي على إزعاجك.
مد يده ليسلمني الظرف قائلاً بلطف:
– لقد سقط منك هذا الظرف أثناء صعودك السلم!
أخذته منه وأنا أقول بامتنان:
– شكرًا لك.
أشار إلى الباب المجاور قائلاً بنفس النبرة اللطيفة:
– لقد انتقلت مؤخرا إلى شقتي الجديدة. أرجوك يا سيدتي، إن احتجت إلى خدمة ما، يسعدني أن أقدم لك العون.
ابتسمت وأنا أقول:
– شكرًا لك مرة أخرى.
فجأة، ظهر من خلف الباب طفل صغير، يتراوح بين خمس إلى ست سنوات ، كان ينظر إلينا بنظرات طفولية خاوية.
أمسك ببنطال أبيه وهو يقول:
ـ أبي، ألم تقل لي بأنك ستصطحبني إلى المنتزه؟!
وضع الشاب يده على رأس الطفل وابتسم قائلًا:
– حسنًا.
ثم التفت إليَّ، أحنى رأسه قليلاً وقال باحترام:
– اعذريني يا سيدتي.. سوف أذهب الآن، ثم انصرف من المكان.
عدت أدراجي، وأقفلت الباب، ثم أسندت ظهري وأنا أتساءل بحيرة: أشعر بأنني أعرف هذا الشاب! ربما عرفته في زمان أو مكان ما، لماذا أشعر بأنني أعرفه؟!
رن جرس الهاتف، وتوجهت إليه ببطء، رفعت السماعة، فانساب عبر أسلاكه صوت ناعم:
– السيدة ميساء جاسم؟
– نعم.
– معك مستشفى الدكتور (كريم) التخصصي للعيون، لديك موعد غدًا في الساعة العاشرة صباحًا.
– حسناً.. سوف أحضر.
– شكراً.
جلست أمام التلفاز وأخذت أقلب القنوات من محطة لأخرى.

ذهب خيالي بعيدًا، وتعالت في ذهني مجددًا أصوات التلاميذ وهم يغنون بسعادة ومرح في إحدى الحافلات، كانوا في رحلتهم الترفيهية إلى الملاهي  في إحدى تلك الرحلات، وجدت (مازن)، التلميذ بالصف الثاني الابتدائي، ينزوي جانباً، وكأنه لا يريد أن يشارك زملائه اللعب، أو لأن عقله مشغول بشيء ما.
حينها سألت نفسي: ما الذي يشغل عقل طفل عمره ثماني سنوات؟
هل يعاني من هموم معينة؟
ما هي همومه يا ترى؟!
كان (مازن) يعيش ظروفًا أسرية قاسية، لكنني أتذكر جيدًا الآن، وبضمير مرتاح، بأنني لم أتخلَّى عنه يومًا، بل كنت له الأم الحنون.

كنت أسعى بأن أطرد الحزن من حياته، وأن أغرس فيه بذور السعادة والأمل  أليس من تلاميذي الأحباء؟
أطفأت التلفاز، ثم توجهت إلى شرفتي مجددًا، وتنهدت بعمق، كم يعجبني سكون الليل وهدوؤه، ربما كان الليل هو الصديق الوحيد الذي يشاركني الراحة والسكينة، ويستمع إلى فيض أفكاري دون مقاطعه.
أدرك جيدًا بأن خروجي من المنزل أصبح قليلا جدًا، وعلاقاتي الاجتماعية محدودة، ربما لأنني أشعر بالإرهاق، وأطلب الراحة والسكينة الآن.
في هذه اللحظة بالذات، شعرت بأنني ملكة شرفتي..
وحدي، سعيدة بهذه الوحدة، وبعيدًا عن ضجيج الناس..
أنا الآن أطلب الهدوء والصمت، أريد فقط أن أعيش هذه اللحظة، بكل أبعادها وزواياها وألوانها.
إنني أستحق بأن أبتعد، وأن أرتاح قليلًا.
تعالى إلى ذهني صوت الجرس، معلنًا وقت الطابور الصباحي. تردد صدى أصوات التلاميذ وصياحهم الطفولي، وهم يتدافعون إلى الساحة للاصطفاف في سطور منظمة، تمتزج مع أصواتهم صفارات وصياح معلمات مادة التربية الرياضية، ونشيد العلم الوطني، والفقرات الإذاعية، وتكريم الطلاب المتفوقين، والمثاليين، وأبطال السلوك الحسن.
بعدها، يسيرون في خطوط متعرجة حيث تشرف معلماتهم ومشرفاتهم الإداريات على متابعة السير بشكل منظم.

يقف هناك التلاميذ المتأخرون صباحًا للسؤال عن سبب تأخرهم، والتواصل مع ذويهم، مراقبة الحالات اليومية والتواصل مع المعلمات للتعرف إلى الطلاب متدنيي التحصيل الدراسي، أو المهملين، أو المعنفين أسريًا.
متعة العمل مع التلاميذ لا تظاهيها متعة، أتذكر جيداً أنني كنت أنزل إلى الميدان للبحث عنهم، فلابد من وجودهم في أي زمان ومكان. المهم أنني سأجدهم، وسأساعدهم.
استرجعت قصة (مازن)، لكنني لا أدري لماذا خطر على بالي هو بالذات؟
لماذا (مازن) بالذات؟!
تذكرت حينما كان يحضر إلى المدرسة بشعره الأشعث، وزيه المدرسي البالي، وحذائه الممزق، لم يكن (مازن) تلميذًا مشاغبًا أو عنيفًا، وإنما مجرد رؤيته تدمي القلب وتبكيه. الظروف القاسية التي مر بها كانت أصعب من أن يمر بها طفل في عمر الزهور.
قدر الله أن يأتي إلى الدنيا بسبب غلطة ارتكبها والداه، ليكابد المهانة والدونية واللا إنسانية، تلاحقه نظرات الاحتقار والاشمئزاز في واقع مرير أتى فيه إلى هذه الدنيا، لا ذنب له سوى أنه كان نتاج نزوة عابرة.
لقد عاش في بيئة أسرية ظروفها قاسية، يتعدى أفرادها الثلاثين شخصًا، لا يلاقي الاهتمام، بل الإهمال، لا يهم إن أكل، أو شرب، لا يهم إن استحم، أو ذهب إلى المدرسة، أو أدى واجباته، لأن أسرته ترى فيه أمه المجرمة، فهو في نظرهم لا يستحق العناء أو الاهتمام.
تنهدت بقوة، ونهضت لأغادر الشرفة.

توجهت إلى غرفتي، وتمددت على السرير، وغطيت نفسي بالملاءة، أغمضت عيني، وعادت الذكريات تنساب إلى عقلي من جديد.
قرع جرس الفسحة، فخرجت من مكتبي بسرعة لأراقب التلاميذ، وأثناء مشيي في الساحة والممرات، كان التلاميذ يلعبون، والبعض منهم يجلس في جماعات ليتناول طعامه. كانت حواسي ومشاعري تبحث عنه، عن (مازن)، شعرت أنني مثلما كنت أبحث عنه كان هو الآخر يبحث عمن ينقذه، أو من يشعر به، ويمد له يد الأمان.
التفت يمنة ويسرة، فوجدته أمامي تماماً. اقتربت منه وابتسمت قائلة:  
– أهلًا يا مازن.. كيف حالك يا بني؟!
قال باقتضاب:
– بخير.
تعالت أصوات الأناشيد الوطنية، كان التلاميذ يرتدون الملابس المرتبطة ألوانها بألوان العلم الوطني، فرحين وسعيدين. التفت إليهم يتأملهم بصمت غريب.
سألته:
– ماذا بك يا مازن؟ هل تشكو من شيء ما؟!
قال:
– كم تمنيت لو أن لي ملابس جديدة مثل ملابسهم.. الأولاد يلبسون ثيابًا جميلة.
خفق قلبي بأسى، اقتربت منه، ووضعت كفي على كتفيه الصغيرين.
تأملت عينيه الحزينتين، وأنا أبتسم مشجعة:
– لا عليك يا مازن.. لا تحزن.. أعدك بشراء ملابس جديدة لك.
تهللت أساريره، وأخذ يركض ليشارك التلاميذ اللعب، وأخذت أراقبه من بعيد..
لماذا اختارني ليعبر عن مكنونات نفسه؟
لماذا ساقه القدر إلي؟
تقلبت على فراشي وأنا أتأمل سقف الحجرة. من الصعب على طفل في سنة أن يعيش كل هذا الحرمان؛ حينما يترعرع يتيمًا، بينما أبواه على قيد الحياة.

لقد تجرّدا حتمًا من ثوب الإنسانية، وتملكتهما الأنانية وحب الذات.
تذكرت في إحدى المرات، حينما توجهت إلى فصله لأسأل معلمته عنه، حينها ذكرت لي المعلمة بأنه كثير الغياب.

تواصلت هاتفيًا مع خالته التي يقيم معها لأسأل عنه، وفي كل مرة كانت تعطيني أسبابًا غير مقنعة عن غيابه، مما يؤكد لي عدم اهتمام أسرة أمه به، فلا فارق إن ذهب إلى المدرسة أم لا.
في أحد الأيام، أثناء قيامي بإحدى الجولات التفقدية بين الفصول، اقتربت منه وكلمته بود:
– بني.. أريدك أن تحضر إلى مكتبي أثناء الفسحة.
حضر (مازن) إلى مكتبي، وجلس على أحد المقاعد بجسده الهزيل،  نظراته تحمل أسى رجل طاعن في السن.
تأملته باهتمام، وكأنني أحاول قراءة ما يجول في خاطرة.
سألته:
– ماذا بك يا بني؟ هل تشكو من شيء؟
لم يأخذ وقتًا في التفكير، وكأنه كان يتوقع أن أسأله هذا السؤال.
قال بصوت منخفض:
– أمي ترتكب أعمالًا خاطئة.
تمعنت ملامحه وسألته:
– كيف؟
صمت برهة، ثم خفض رأسه وهو يقول بانكسار:
– كنت أذهب لزيارتها بشقتها، و….
سألته:
– وماذا يا مازن؟؟
قال بتردد، وهو يخفض رأسه أكثر:
– وجدتها في وضع مشين مع صديقها!
شعرت لوهلة بأن قلبي قد توقف عن النبض.
سألته بصوت مختنق:
– ماذا؟؟
أطرق برأسه، وهو ينكمش على نفسه أكثر:
– لقد هددتني، وطلبت مني ألا أحكي لأحد شيئاً مما رأيته.
ترقرقت عيناه بالدموع، اقتربت منه، وضعت يدي على كتفيه، ثم نظرت إلى عينيه مباشرة:
– مازن.. أريدك أن تستمع إلى كلامي جيدًا يا بني، لا تفكر بأي شيء ينغص عليك راحتك.

أشغل وقتك بكل ما هو مفيد، أشغل نفسك بالدراسة والقراءة، دراستك هي حياتك ومستقبلك.
أحنى رأسه أكثر، وواصلت حديثي:
– هناك أناس يرتكبون العديد من الأخطاء الفادحة، لكننا غير مسئولين عن أخطائهم. فالله سبحانه وتعالى هو من سيحاسبهم على أعمالهم.

المهم أن تعتني بنفسك جيدًا، وإن احتجت لأي شي، تعال إليّ.
رفع رأسه، تأملت عينيه المغرورقتين بالدموع، وقلت له:
– تأكد يا مازن بأنك محبوب هنا في المدرسة، أتعرف لماذا؟ لأنك طفل مؤدب وهادئ، لم تسبب الأذى لأحد، ولم تكن أبدًا مصدر إزعاج لأحد، أسمعتني يا بني؟
أومأ برأسه إيجاباً. مسحت على شعره بحنان، ثم أردفت:
– والآن يا بني.. هيا اتجه إلى فصلك.
مسح دموعه، ابتسم ابتسامة صغيرة ثم قال:
– حسنًا.
خرج من المكان، وأنا أراقب خطواته المتعثرة، زفرت بضيق، جلست حول مكتبي لأفكر بعمق، وأنا أشعر بالغضب الشديد.
أخذت أعماقي تهتف بسخط: أيعقل هذا؟؟ هل انعدمت الكرامة والإنسانية إلى هذا الحد؟؟
رفعت سماعة الهاتف، وأخذت أضغط على الأزرار لأستدعي خالة (مازن) إلى المدرسة، وبعد دقائق حضرت الخالة.
كانت سيدة في العقد الرابع من العمر، ترتدي عباءة مزخرفة، وتضع مكياجًا بسيطًا، وكانت تنفث منها رائحة عطر رخيصة.
أشرت لها بالجلوس وأنا أقول:
– تفضلي.
بعد أن جلست الخالة شبكت أصابعي أمام وجهي وسألتها برصانة:
– حدثيني عن والدة مازن.
امتقع وجه الخالة، وارتسمت على ملامحها علامات الضيق، ثم زفرت وهي تقول:
– ماذا تريدين أن تعرفي عنها؟
صمتت قليلاً، ثم قالت بمرارة:
– لقد وصمت أسرتنا بالعار مدى الحياة، لقد ارتكبت العديد من الأخطاء، كان نتيجتها موت أمي وأبي حسرة على ما قامت به من أفعال مخزية.
واصلت حديثها بصوت متقطع:
– كانت تخرج من المنزل في ساعات متأخرة من الليل، تنتقل من عشيق إلى آخر، وكان ثمرة هذه الأفعال مازن، الذي لا ذنب له في هذه الحياة سوى أنها أمه.
مرت لحظات من الصمت، التفتت الخالة إلي وهي تواصل حديثها:
– لقد تبرأ منها الجميع، مما جعلها تسكن في شقة لوحدها، بعدها قامت بمصادقة شخص في عمر ابنها، يسكن معها، ويخرج معها إلى كل مكان. لقد تعرض مازن للعنف من قبل هذا الساقط، وعلى مرأى منها، حيث قام بضربه لأكثر من مرة.
تنهدت بعمق ثم قالت بأسى:
– لقد أصبح مازن منبوذًا من قبل أسرة أمه، لأنه ضحية أفعالها. فهم لا يريدونه في البيت، ولا يبالون بأمره إن كان حيًا أم ميتًا.

لقد صمموا على رميه في دار الأيتام، إلا أنني رفضت ذلك وبشدة، وقررت أن أحتفظ به وأن أتولى رعايته.
سألتها:
– وأين هي أمه الآن؟
ردت الخالة:
– في السجن، لأنه حكم عليها أن تقضي فيه سنوات، لكنها أودعت حاليا إلى مستشفى الطب النفسي بسبب تعاطيها للهيروين، للأسف، كان عشيقها من يزودها بإبر الهيروين.
تنهدت الخالة للحظة ثم قالت:
– أنا أربي ابنها، لكنها لا تهتم لهذا الأمر بتاتًا.

ظروفي الأسرية صعبة، فأنا أم لخمسة أيتام، بالكاد أستطيع أن أطعمهم، وأن أغطي مصاريفهم، إضافة إلى أن أخي وزوجته وأبناؤهم يسكنون معي في نفس البيت.
سالت الدموع من عينيها وهي تقول:
– أشعر تجاهه بالشفقة، لأنه لا ذنب له في كل ما يحصل.
قلت لها:
– أختي، إن الله سبحانه وتعالى موجود، لا ينسى عباده، ولا يتخلى عنهم أبداً.
قالت الخالة:
– ونعم بالله.
استطردت:
– كل ما أطلبه منك هو رعاية هذا الطفل المسكين قدر المستطاع، احتسبي الأجر من الله، وتأكدي بأنه لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
واصلت حديثي:
– تؤلمني نظرات زملائه الساخرة، وتعليقاتهم اللاذعة، أريده أن ينعم في المدرسة ببيئة آمنة.
فجأة، دق جرس المنبه، فاستفقت من نومي، التفتت إلى الساعة، ووجدتها التاسعة صباحًا.

 تثاءبت بقوة، ونهضت من فراشي، تذكرت موعد الطبيب في الساعة العاشرة صباحًا، ولابد لي أن أستعد للذهاب.
توجهت إلى دورة المياه وأخذت حمامًا دافئًا، ارتديت ملابسي على عجل، وأعدت لنفسي كوبًا من القهوة، شعرت بصداع شديد، جلست على مقعد المطبخ، وارتشفت رشفة من القهوة الساخنة.
تذكرت جيدًا بأنني قمت بعمل دراسة حالة تفصيلية عنه، رفعتها إلى الجهة المعنية بالوزارة بهدف تحويله إلى مركز حماية ورعاية الطفل.
كان (مازن) يعيش ظروفًا صعبة وقاسية، بين أوساط أسرة كبيرة تعاني من الفقر المدقع، وخالة لا تقدر على إعالة أطفالها، وأم ما بين الدعارة، إلى السجن والمخدرات.
لقد أراد لي القدر أن أعرفه وأن يعرفني، ربما كنت الأمل الأخير في انتشاله من براثن هذه الظروف.
لم تمر أشهر حتى أودع (مازن) مركز حماية ورعاية الطفل، أكلتني الحيرة.. يا ترى، أين هو الآن بعد كل تلك الأعوام؟ وماذا كان مصيره؟
نهضت من مكاني لأتجه خارجًا، وقبل أن أمد يدي لفتح الباب، رن الجرس. ففتحته بسرعة، لأرى الشاب نفسه الذي جاء إلي ليلة البارحة، لكنه هذه المرة يحمل في عينيه نظرة الطفل مجهول الأب!
تمعنت في وجهه جيدًا، وشعرت بأنني أعرفه فعلا
أيعقل هذا؟!
نطقت بذهول:
– مازن؟!
ترقرقت عينا الشاب بالدموع..
واكتفى بالصمت..

 

*قاصة من البحرين

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *