كتاب وقارىء (رواية الأماكن) لعبدالله محمد العبدالله

 رواية الأماكن _لعبدالله محمد العبدالله

علي بن أحمد الصويلح*

 

(رواية الأماكن) آخر اصدارات الشاعر والروائي عبدالله محمد العبدالله، صادرة عن دار تكوين العالمية (دار نشر سعودية)

صدر للمؤلف:

  • رواية لماذا، عن دار بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، بيروت 2012م.
  • رواية يتيمة الزوج، عن دار بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، بيروت 2013م.     

“.. الوجوه حياة مختلفة عن تلك التي يعيشها أهل تلك الوجوه، ليست الابتسامة دائماً تحكي عن حقيقة، بل قد يكون خلفها حزن دفين وقصص من ألم، وليس المرح دائماً يدل على حياة صاخبة مرفهة، قد يكون ….”.

“.. لم تمضي إلا أيامًا قليلة وبدت لنا كل أسرار الجمال والأصالة والشموخ والكرم والتجذر في عمق التاريخ ولاحت في سماء الوجع أنات المعوزين الكادحين المتعففين.” 

“… في كل بيتٍ جرح غربة، وفي كل بيتٍ وطن..  إنها الغربة الوتر الحزين والناي الباكي”.

رواية الأماكن تشكل صورة كاملة وانعكاس لسيكولوجية المؤلف الاجتماعية الودودة ذات المشاعر الحساسة والمرهفة. فمن يعرف المؤلف عن قرب لا يرى إلا تجسيداً لطبيعته ورؤيته التقاربية والتصالحية. وعندما بدأت بقراءة صفحات هذه الرواية انتابني الإحساس نفسه عندما نجتمع سوياً ونخوض في شتى القضايا الاجتماعية والثقافية وماهية أثر الفعل الاجتماعي على الصيرورة الثقافية سلباً وإيجاباً، وكلما تجولت في دهاليزها، وسيرت في طروقاتها، قربت منه أكثر. 

ففي هذه الرواية ترى جلياً نزعة الكاتب التصالحية ونبذه للفرقة القائمة على أسس جاهلية بغيضة، معادياً لكل فكرة أو خطوة أو عمل يقف أمام اجتماع أنا والآخر. 

وهذه الرواية تمثل نحو غالب الكتاب والروائيون السعوديون في الاتجاه المحلي، التصاقاً بالمجتمع والغوص في نواحيه وزواياه. حيث صور المدينة ومآلات العيش فيها، وجمال القرية والأرياف وبساطة الحياة ورتابتها في آن واحد، مسلطاً الضوء على الثقافة المحلية، مع محاولته الناجحة في مزاوجته بين الشرق والغرب ويتجسد ذلك من خلال اللقاء الثلاثي بين الأصدقاء ( زيد السعودي، وطاهر المغربي، وسالمون البريطاني)، ففي لقائه بصديقه البريطاني الذي يختلف عنه في كل شيء ما عدا الإنسانية فيقابله البريطاني بهذه الكلمات التي لها مقصدها وهدفها لدى الكاتب : ” نهض مبتسماً .. أهلاً بصديقي العربي، أنت وحدك من يستطيع فعل هذا  … “.  

وتجرنا هذه الرواية في فصلها السابع إلى آلام الإنسان التي هي مصير ابن أدم منذ أن خُلق؛ حيث أن هذه الدنيا هي دار اختبار وقنطرة بين عوالم  زائلة وحياة أبدية، فعندما يحاولان بطلي الرواية زيد وطاهر أن يخرجا صديقهما البريطاني ” سالمون” من عزلته التي فرضها على نفسه عندما فقد زوجته وأبنته التي تشكل بالنسبة له محور حياته، كل المحاولات مع سعيهم الصادق باءت بالفشل، حيث أن الحزن أعمق وأكبر في وجدانه الضعيف  من أن يقوى على مغادرته والتخلص منه، وهي تبين لنا عمق العلاقة الاسرية الصادقة والقوية التي لا تقدر وتعوض، فكيف لنا أن نقوى على فقدان العزيز ممن أنغرس حبهم في وجداننا؛ الزوج والأبنة سوياً ؟!، فعلاً فهي مأساة ضراوتها تكسر القلب وتمزق احشائه، وهنا نقتبس نصاً يعبر عن هذه المأساة الإنسانية التي نراها بالقرب منا، حيث يقول : ” كان في قرار نفسه يرى أن ما دفنه في بريطانيا لم يكن سوى جسدين لروحين لا تزالان في إسبانيا، روحان تراقبانه وتشعران به وتشتاقان إليه، وتفتقدانه إن غاب، وتحفانه برعايتهما وحبهما .. أبدل سكنه، ولكنه لم يغير المدينة، وكأنه يضحك على حزنه وفقده ! “. 

وبين المعاناة الإنسانية ينتقل بنا الكاتب إلى الفعل الحضاري الذي ينتج عن فعل الإنسان، وأمجاد ذهبت وولت ولم تعد إلا ذكر في عقول ونفوس اللاهثين لأمجاد السابق ودون العمل، وحسرة في قلوب أمة تبكي على ماضيها، وهذا يتضح جلياً وهم ينتقلون بين ما خلّفهُ العرب من حضارة وفن وإبداع عربي أندلسي في اسبانيا. 

وفي الداخل العربي كان نصيب هذه البلاد التي تشكل الجزء الأكبر من شبه الجزيرة العربية، هنا ينتقل بنا إلى الداخل وتحديداً جنوب المملكة، بالوقوف على جمال المكان وسحر الأمكنة الجبلية والسهلية والوديان بجنوب بلادنا الثرية بتنوعها الثقافي والاجتماعي والبيئي، فنقف عند بيئة جمالية إبداعية ولوحة ربانية تشكل احد أروع الأماكن في العالم، فالكاتب عندما وصف هذا الجمال الجنوبي حرك فينا الرغبة لزيارة هذه الأماكن الجميلة : “لا أحد هنا أو هناك في كل الأمكنة، إلا ذلك الجمال المتمثل في الجدول الجاري والأشجار والهواء العليل والقمر الأخاذ بجماله في شكله وفي إنعكاسه على كل من حولي”.

وعندما تناول السماء والماء كانت الأماكن أخاذه : ” قبة السماء مرصعة بالنجوم، وشهب تجوب السماء وسقف محكم، هيبته أخذتني وأنستني، .. ها هي تبدو في أبها حلة وأجمل احتواء بدت هادئة في عظمة وهيبة”. 

ويستمر في وصف جمال الطبيعة لدرجة تشوقك لزيارة هذه الاماكن، فهنا نرى هذا الوصف الرائع عندما تاه في طريق عودته: “القمر نوره صديق التائهين المخلص، ظل وفيَّاً معي، ولم يبخل عليّ طيلة الطريق، والأريح للنفس حتى لو قلت له لا ترافقني فلن يفعلها،،، انبسطت الأرض والتقى النظر بالأعشاب من حشائش الأرض الكثيفة وكأنها بحر من نبات يرقص متمايلاً فوق الأرض لا يبرح مكانه وإنما يهتز مستجيباً لنسمات الرياح الحانية، فبدا كأنه يتراقص فرحاً بالقادمين … “.  

وفي ملالة ( القرية التي اتخذها الكاتب بلدة له) وصف لطبيعة الحياة في القرى الصغيرة والبعيدة عن الحياة المدنية وما يسكنها من رتابة بطيئة، كما يبدع في وصفه الحياة في المدينة، وطبيعة الحياة في قرية ملالة التي لا تتعدي بيوتها عدد اصابع اليدين في احسن الاحوال، ونقيضها في المدينة حيث الضجيج والصخب وتسارع الحياة فيها بل هي انقلاب كامل في الحياة الاجتماعية والعلمية والثقافية والصناعية، إلا أن رتابة وبطء الحياة في البلدات الصغيرة التي هي قرى متناثرة، يمتزج فيها الدفء الأسري  والإنساني، فهي متقاربة في الروح والحياة والجسد.

كما يسلط الضوء على بعض العادات والتقاليد منها ما هو مقبول والآخر غير مفهوم بل يتعارض مع القيم الدينية والحقوق المدنية وغيرها، وخير مثال على ذلك منع الإرث على البنت دون الذكر: ” تزوجت على كِبر من أبن عمها، ولم يهبها الله الأبناء، توفي والدها الذي كانت هيبته تمنع زوجها من أن يلحق بها الأذى، رغم شراسته ودناءة طبعه، فورثت عن أبيها مزارع وأملاكاً وماشية ووهبت كل ما ملكته، عدا بيت صغير لابن عمها الذي لم يكن أهلاً لها، فبعد أن تمكن من كل ما ورثت طلقها، وكل هذا تم بتحريض أبناء عمومتهم، فالمرأة في عرفهم يجب ألا ترث، حتى لا تذهب مزارع الأسرة وتتقسم على غير أبناء الأسرة من الذكور !!! “. 

وهذا ما قصده الكاتب عندما ابدع في هذه السطور : ” الإنسان إذا اكتسى بالإنسانية في أي مكان، فإنه هو الأنبل، هو الأجمل، هو الثمرة اليانعة المفيدة، وإذا تعرى من إنسانيته أصبح وحشاً بشعاً ضاراً حيثما كان وفي أي زمنٍ كان .. “. 

إيحاء : الأماكن هي محور حديثنا، فقلوبنا هي الأماكن، والأماكن هي مُهجِنا، فلنعد جميعاً إلى لؤلؤة صدورنا بأماكنها العبقة والرحبة، عوداً حميداً عزيزاً، تأخُذنا إلى منبعنا الصافي، وأساس عزتنا.

 

 

 

 

 

*مدير تحرير مجلة الفنون السابق (إعلامي وكاتب).

One thought on “كتاب وقارىء (رواية الأماكن) لعبدالله محمد العبدالله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *