المتسولة والوردة

 

رَايْنَا مَارِيَا رِيلْكُه أكثر من شاعر

 

المتسوِّلة والوردة” | رَايْنَا مَارِيَا رِيلْكُه

بقلم وترجمة: نورالدين الغطاس 

رَايْنَا مَارِيَا رِيلْكُه، يعتبر من كبار أدباء اللغة الألمانية، عاش فترة من حياته بمدينة باريس بفرنسا، بداية القرن العشرين. في هذه المرحلة الباريسية يُحكى  أنه كان يمرُ يومياً بساحة كبيرة، تجلسُ بوسطها امرأة متسوِّلة، وجهها موجه نحو الأرض، فقط يدُها مفتوحة ومُمتدة في الهواء، لا تنبعتُ منها أي حركة رغم الهدايا الكثيرة، جامدة بدون أي تفاعل وإشارة للحياة. دائما، كان رَايْنَا مَارِيَا رِيلْكُه لا يبالي بحال  هذه المتسوِّلة، على عكس السيدة التي تصاحبه. سألتهُ رفيقته الفرنسية يوماً مَا،

 

لماذا يغضُّ النظر عن هذه المتسوِّلة، ولا يمنحها أي شيء؟

– “يجبُ أن نعطى  قلبها شيئاً، وليس يدُها”، كان جوابهُ

 

بعد أيام قليلة، عاد رَايْنَا مَارِيَا رِيلْكُه، يحملُ وردة بيضاء، كبيرة وجميلة، وضعها في اليد المفتوحة للمتسوِّلة، وهو يحاولُ سحب يده من الوردة، تفاجأ بحركة غير متوقعة للمتسولة، وقفتْ تتلمَّسُ، تبحتُ عن يد الرجل الغريب، قبّلتْ اليد الغريبة وغادرتْ الساحة الكبيرة لِلتَّوّ.

اختفتْ المتسوِّلة لأكثر من أسبوع، رفيقة رَايْنَا مَارِيَا رِيلْكُه في حيرة وتساءل عن غياب المتسوِّلة، كيف يمكنها العيش بدون هبات  المحسنين؟

بعد الغياب المفاجئ والطويل عادتْ المتسوِّلة إلى مكانها المعتاد وسط الساحة الكبيرة، تجلسُ في نفس الوضع، لا حركة، لا كلمة، لا تفاعل، فقط يدها مفتوحة ومنبسطة نحو العابرين. تبدي من جديد حاجتها إلى هبات جديدة.

سألتْ الرفيقة الفرنسية رَايْنَا مَارِيَا رِيلْكُه،

– من أي شيء يا تُرى عاشت هذه المرأة المحتاجة خلال غيابها الطويل؟

– “من الوردة…” كان جواب الشاعر

من خلال هذه الحكاية التي تعرف تحت اسم “المتسوِّلة والوردة”، يبدو لنا أن الإنسان في حاجة إلى أشياء أخرى، ليس فقط الأكل والشراب، الاهتمام، الحب، الحنان…، الروح لها كذلك حاجياتها كالجسد. إهمال إحداهما يخلقُ  عدم التوازن والبؤس، حتى ولو كانوا غير ظاهرين للعين المجرَّدة.

في نفس الوقت أرادتُ هذه الحكاية أن تبدي للقارئ حجم وثقل رَايْنَا مَارِيَا رِيلْكُه، اسمه ليس فقط مرادف للنثر والشعر باللغة الألمانية فقط، بل هو شاعرية الشعر، عالميا.

*******

في نفس المرحلة، الإقامة بباريس، كتب رَايْنَا مَارِيَا رِيلْكُه، بالضبط سنة ١٩٠٣م، قصيدته “النَّمر” أو “الفهد”، ألهمهُ نمر بحديقة النباتات بباريس، وراء القضبان، لا يعرفُ ما يَصْنَعُ بحاله. اِلتحم الشاعر بالنَّمر حتى يصعبُ الفصل بينهما. في القفص الحديدي تندثرُ قوة النَّمر، يُصبحُ ظِلا لنفسه، رغم جَبَرُوتِه لم يبقى له سوى الدوران حول نفسه، لا مُتَّسَع في بُؤْبُؤِ عينيه غير القضبان، يَا تُرَى ماذا يريدُ أن يقول لنا رَايْنَا مَارِيَا رِيلْكُه؟ /.. نورالدين الغطاس 

 

النمر | رَايْنَا مَارِيَا رِيلْكُه

حديقة النباتات باريس

ترجمة من الألمانية إلى العربية: نورالدين الغطاس

دَوَرَانْ القُضْبَان المُتَوَالِيَة يُتْعِبُ عَيْنَيْهِ،

لاَ مُتَّسَعٌ فِيهِمَا لالتقاط شيء آخر.

فقطْ، آلاف القُضْبَان،

ووراءَ آلاف القضبان مَا مِنْ عَالَمٍ.

لَيِّنَة هي مِشْيتُه، طَيِّعَة هي خطواتِهِ القَوِيَّة،

يطوفُ حول نفسه في دوائر صغيرة،

وكأنَّها رقصة قُوَّةٍ حَوْلَ مَرْكَز،

تَخَدَّرَتْ دَاخِلَهَا إِرَادَة كبيرة.

فَقَطْ أَحْيَانًا، مُنْخَرِس يَنْجَلِي سِتَارُ سَوَاد عَيْنَيْهِ،

تَتسَلَّلُ صورة، تَسْرِي في أطرافه المُتَوَتِّرَة الخُمُود،

وتَنْطَفِئُ في القلب.

*******

رَايْنَا مَارِيَا رِيلْكُه (١٨٧٥-١٩٢٦)

(Rainer Maria Rilke (1875-1926

 إلى جانب بِرْتُولْد بْرِيشْت يعتبر رَايْنَا مَارِيَا رِيلْكُه من كبار شعراء اللغة الألمانية. وبدون شك من رواد هذا الفن عالميا. لم تكن حياتُه سهلة، علاقتُه مع أمه كانت معقدة بصفة خاصة، ومع النساء بصفة عامة، وهو الذي قال “هناك أناس كثيرون، لكن هناك وجوه أكثر، لأن كل واحد له وجوه متعددة”. علاقته بالأمكنة كانت أكثر غموضا، خلال أربع سنوات ما بين ١٩١٠ و١٩١٤، عاش في أكثر من خمسون مكان، مزَّق كل ما كَتَبَ وهو في سن الرابع والعشرون ليبدأ كتابة ما سماه “قصيدة الأشياء”، حاول الشاعر من خلالها الربط بين الشيء والمشاهد، كما هو الحال في النثر الذي بين أيدينا. فترة إقامته بباريس ابتداء من ١٩٠٢ كانت خصبة العطاء، كتب خلالها بالفرنسية. يُعتبر كذلك من رواد أدب الرسائل التي كانت بالنسبة له نثرا وليس فقط وسيلة للتواصل. توفي في ٢٩ من ديسمبر ١٩٢٦ إثر مرض اللُويْكِيمِيَا.

*******

*نورالدين الغطاس: مهندس، شاعر، كاتب ومترجم مغربي، يقيم ويعمل بألمانيا.

*******

النص الأصلي لقصيدة “النّمر

Der Panther I Reiner Maria Rilke I Deutschland

Im Jardin des Plantes, Paris

Sein Blick ist vom Vorübergehn der Stäbe

so müd geworden, daß er nichts mehr hält.

Ihm ist, als ob es tausend Stäbe gäbe

und hinter tausend Stäben keine Welt.

Der weiche Gang geschmeidig starker Schritte,

der sich im allerkleinsten Kreise dreht,

ist wie ein Tanz von Kraft um eine Mitte,

in der betäubt ein großer Wille steht.

Nur manchmal schiebt der Vorhang der Pupille

sich lautlos auf –. Dann geht ein Bild hinein,

geht durch der Glieder angespannte Stille –

und hört im Herzen auf zu sein.

*******

ملحوظة:

حقوق الكاتب والمترجم محفوظة. النص والترجمة للنشر، في عدد واحد، على موقع “مجلة فرقد الإبداعية” الإلكتروني للنادي الأدبي الثقافي بالطائف، أي انحراف عن ذلك يتوجّبُ موافقة الكاتب والمترجم، نورالدين الغطاس، مسبقًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *