الحب والزواج المحرم

عبدالملك الخديدي*

اطلع الدارسون والمهتمون بالشعر الجاهلي ومخرجاته من أغراض الغزل والفخر والهجاء وغيرها على بعض الآراء النادرة التي شككت في الشعر الجاهلي وادعت أن معظمه منحولٌ كتب بعد الإسلام وأنه من تأليف الرواة والناحلين، دون أن يقنعونا بسببٍ واضحٍ أو دافعٍ لهذا النحل والتأليف سوى أن هذا الشعر لم ينقل لنا صورًا واقعيةً من المجتمع الجاهلي مثل الديانة والسلوك الاجتماعي وبعض تفاصيل الحياة العامة في الحب والزواج وأن هذا الشعر المنظم على هيئة طبقات لفحول الشعراء وأن تلك القصائد وتلك المعلقات لم تنقل لنا سوى لغة السيف والشجاعة والكرم والفخر والهجاء.
غير أن هذا التشكيك أغفل سلوكيات ظهرت في قصائد شعراء جاهليين كثر لم تتطرق لهم أعين النقاد بشكل موضوعي، فنجد مثلاً الشاعر الجاهلي المخضرم (تميم بن أبيّ بن مقبل بن عوف) يقدم لنا صورة واضحة لأحد أنظمة الزواج عند العرب في العصر الجاهلي والذي يسمح للرجل بأن يتزوج امرأة أبيه بعد وفاته، حيث نشأت علاقة حب متفردة بين تميم بن أبيّ و (دهماء) زوجة أبيه التي تزوجها بعد وفاته.
وجاء الإسلام وحرم هذا النوع من الزواج كما حرم أنواعاً أخرى من الزواجات والعلاقات المحرمة بين الرجل والمرأة ومنها أن الرجل كان يدفع بزوجته لرجل آخر لديه مجدٌ وفروسيةٌ ووجاهةٌ في قبيلته لكي تلد له ولداً يشبه أباه الأصلي.
وتميم ابن أبيّ من الشعراء العرب الذين تركوا إرثاً كبيراً في الشعر العربي، وهو من النماذج التي نقلت لنا صوراً عديدة عن حياة العرب في الجاهلية.

امتاز تميم بإخلاصه لمحبوبته حتى بعد تفريق الإسلام بينهما من خلال حنينه وشوقه لأيامه الخوالي والتي لا يفتأ أن يتذكرها ويتذكر دهماء وعشرتها وزمانها.

يقول تميم:
هل القلب عن دهماء سالٍ فمسمِحُ
وتاركه منها الخيالُ المبرِّحُ

وزاجره اليوم المشيب فقد بدا
برأسي شيب الكبرة المتوضِّحُ

لقد طال ما أخفيت حبك في الحشا
وفي القلب حتى كاد بالقلب يجرحُ

قديماً ولم يعلم بذلك عالمٌ
وإن كان موموقاً بودٍّ وينصحُ

فرُدِّي فؤادي أو أثيبي ثوابه
فقد يملك المرء الكريم فيسجحُ

سبتك بمأشور الثنايا كأنه
أقاحي غداةٍ بات بالدَّجن ينضحُ

ليالي دهماء الفؤاد كأنها
مهاةٌ ترعى بالفقيَّين مرشحُ

ولو كلمت دهماءُ أخرسَ كاظماً
لبين بالتكليم أو كاد يفصحُ

سراج الدجى يشفي السقيم كلامها
تبلُّ بها العين الطريف فتنجحُ

كأن على فيها جنى ريق نحلةٍ
يباكرهُ سارٍ من الثلج أملحُ

ويقول:
دعتنا بكهفٍ من كنابين دعوةً
على عجلٍ دهماءُ والركبُ رائحُ

فقلت وقد جاورن بطن خُماصةٍ
جرت دون دهماءَ الظباءُ البوارحُ

إذا قيلَ منْ دهماءُ خبرتُ أنها
من الجن لم يقدح لها الزندَ قادحُ

وكيف ولا نارٌ لدهماءَ أوقدت
قريباً ولا كلبٌ لدهماءَ نابحُ

وإني لتلحاني على أن أحبها
رجالٌ تعزيهم قلوبٌ صحائحُ

ولو كان حبي أم ذي الودع كله
لأهلك مالاً لم تسعه المسارحُ

أبى الهجرُ من دهماءَ والصرم أنني
مجدٌّ بدهماءَ الحديثَ ومازحُ

ويقول في حبه لدهماء زوجة أبيه المتوفي:

أناظرُ الوصلُ أم غادٍ فمصرومُ
أم كل دينِكَ من دهماءَ مغرومُ

أما تذكر من دهماءَ إذ طلعت
نجدي بريعٍ وقد شاب المقاديمُ

هل عاشقٍ نال من دهماءَ حاجتهُ
في الجاهليةِ قبلَ الدين مرحومُ
..
خودٌ تلبسَ ألبابُ الرجال بها
معطىً قليلاً على بخلٍ ومصرومُ

عانقتها فانثنت طوع العناق كما
مالت بشاربها صهباء خرطومُ

صرفٌ ترقرق في الناجود ناطلها
بالفلفل الجون والرمان مختومُ

وهي أبيات من قصيدة طويلة اشتهر منها هذا البيت وأصبح مثلاً:

ما أطيب العيش لو أن الفتى حجرٌ
تنبو الحوادث عنه وهو ملموم

والحديث له شجون لا تنتهي عن الشعر الجاهلي ومكامنه الفنية  وصوره وحكاياته ووقته ونقله لأخبار داحس والغبراء وحرب البسوس وذي قار وأيام العرب وقصص الحب والغرام وفضائل الكرم وحسن الجوار وما قدمه لنا عن حياة العرب وتأسيسهم لحضارة اللغة وعلومها وقوافي القصيدة وتعدد بحورها التي أذهلت العلماء والدارسين والناس إلى يومنا هذا.

إضاءة:

نزل القرآن الكريم كمعجزةٍ تحدت فصحاء العرب وبلغاءهم وشعراءهم، كما جاءت بنظامٍ اجتماعي ينظم الزواج والطلاق وينقل الناس من علاقات مشبوهة إلى علاقات أسرية طاهرة نقية.

 

*شاعر وكاتب سعودي

حساب تويتر: abalwled

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *