صديقة التشكيل الفرنسية

فاطمة الشريف

يصمت الفنان أحيانًا؛ في طرح ما يجول في خاطره من تساؤلات، أو آراء، أو تفسيرات في لوحة تشكيلية، أو منحوتة صخرية، أو منسوجة قماشية، كل ذلك عبارة عن أدوات تمثل لغة تواصل بصرية مع العوالم التي حوله…
التشكيل بصوره المتنوعة بالنسبة للفنان ليس دائمًا نقلًا أو محاكاةً للواقع…
إنه يحمل في ألوانه وتكويناته تساؤلاتٍ أحيانًا عصيّ أن يجد لها حيزًا من الفهم والتجاوب مع واقعه…
تعد تلك الرسومات اللونية، والتكوينات المتنوعة، خطوة نحو تشافي روحه الشغوف التي تبحث عن الرد المنطقي أو العلمي، هي أحيانًا جرعة علاجية لألمه…أو رشفة من أكسير الحياة تنعش أمله…أو متكأً يتفيأ تحت ظلالها المعرفة والحقيقة…

ما دفعني لكتابة هذه المقالة، سببان:
السبب الأول هو إعجابي بمدن الشمال والغرب الفرنسي تحديدًا؛ لاحتوائها أشهر القلاع والقصور الضاربة في القدم خلال النهضة الأوروبية، وازدهار الحركة السياحية في تلك الأجزاء عبر مبدأ الترشيد في توزيع مناطق الجذب السياحي في تلك المدن عبر خصخصة، وتنقل الإرث الفرنسي بالتساوي بينها، والسماح للسائح بزيارة الشمال والغرب لاستكمال جولته السياحية نحو الجنوب والغرب بشكلٍ عالقٍ في الذاكرة الدائمة، ومتوازن جدًا بين جميع أجزاء الجمهورية الفرنسية النابضة بالتنوع الحضاري والإرث الإنساني.

أنجيه (Angers) واحدة من تلك المدن التي تمثل نشاط وجذب سياحي حقيقي هادف. تقع المدينة على نهر مين (Maine)، يكفيك منها زيارة معلمين هامين لتتعرف كيف استحقت تلك الحفاوة السياحية: قصر أنجيه ومتحف جان لورسات.

قصر المدينة الضخم (Angers châteaus) بخندقه التاريخي، و أبراجه السبعة عشر، التي يمتد طولها من 130 إلى 190 قدمًا (40 إلى 58 مترًا)، وحدائقها ذات الطابع الهندسي البديع، والرموز الفنية الخاصة بملامح النهضة الأوربية عبر القرون الوسطى, وفي معرض الطابق السفلي من المبنى الداخلي حيث نُصبت منسوجة قماشية تسمى

“النهاية المدمرة للعالم” ( Apocalypse Tapestry) المكونة من معلقات نسيجية ساحرة بألوانها ذات الخيوط الحمراء والزرقاء والذهبية الزاهية، وما أن تقترب إلى فحص صورها ورموزها، تصدق أنك بالفعل أمام عمل ملحمي يمثّل مرحلة حياتية مرعبة في حياة بني البشر؛ لتكون بالفعل أكبر منسوجة في العالم صُنعت خلال العصور الوسطى، الأمر الذي يجعلك تتفاعل مع التسجيل الصوتي الخاص بشرح معروضات القاعة؛ لتفهم قصة تلك المنسوجة، التي جاءت بتكليفٍ من الملك لويس الأول في عام 1373، أي في ذروة حرب المئة عام، وبعد فترة وجيزة من وباء الموت الأسود (الطاعون الدبلي)، إلى الرسام الفلمنكي هينيكوين دي بروج (Hennequin de Bruges), برسم مجموعة من المنمنمات تحكي 90 مشهدًا مختلفًا جاءت في سفر الرؤيا من الكتاب المقدس (العهد القديم)، والتي تمثل المعركة النهائية بين الخير والشر ممثلًا في صور تنين وحَمِل، مع رموز ذات دلالات ومعتقدات نصرانية جاءت في صور الأختام والأبواق والشمعدانات. تم نسج تلك التصاميم في 100 نسيج منفصل في ورشة كل من نيكولاس باتاي (Nicolas Bataille ) و روبرت بوانكون (Robert Poincon) لمدة تسع سنوات. ترى الدكتورة ناتاشا أوهير(Natasha O’Hear) أن النسيج “في الأساس رمزًا للمكانة ، وعلامة على الثروة والسلطة”، وتضيف أوهير: “لجأ الناس إلى سفر الرؤيا في الأوقات الصعبة، حيث ينجذبون إلى رؤيته الحتمية للعالم ويقينه الأبيض والأسود”.

صور للقصر والمنسوجة القديمة:

 

 

الجميل أيضًا أن متحف جان لورسات (Musée Jean Lurçat)، الذي يضم منسوجة قماشية تسمى “أغنية العالم” (Le Chant du Monde)، التي ترد على المنسوجة السابقة بأسلوب حواري عقلاني راقي أكثر تفاؤل وبهجة بالعالم، يعكس رأي الفنان الرافض لمعتقدات المنسوجة السابقة، التي هي أساسًا ضمن معتقدات عقدية واردة في سفر الرؤيا التي يحكيها القديس يوحنا، وتحتوي المنسوجة الجديدة على عشر قطع ضخمة، رسمها الفنان التشكيلي جان لورسات، ثم قام مهنين تحت إشرافه بتحويل تلك الرسومات في منسوجات قماشية عام 1957، واستغرق النسج حوالي 10 سنوات في ثلاث ورش مختلفة. تحكي لنا الموضوعات النسيجية أحداث العالم الجديد بدءا بالقنبلة الذرية في هيروشيما وناغازاكي لتأخذك في قصص نحو الفضاء الفسيح والفلك الرحيب في ألوان ورموز فلكية وإضاءات أكثر بهجة…

ما أود الإشارة إليه هنا أن الكنيسة في الماضي لعبت دورًا ذكيًا في تحفيز الفنانين على تصوير القصص الدينية ورموزها بما يناسب تطلعاتها وأهدافها، وهذا ما لمسناه في تحويل سفر الرؤيا إلى منمنمات فنية رمزية في منسوجة قماشية؛ لتسكين الخواطر المفجوعة من ضحايا الحروب ووباء الطاعون. يبدو ذلك الدور جليًا في اهتمام الكنيسة ودقتها لتلك الرسومات، فقد رفضت لوحة الفنان الإيطالي كارافاجيو للوحة الملك لحظات تدوين القس متّى للكتاب المقدس… وإجباره على إعادتها… الناظر للوحتين يشعر بصدق الفنان في لوحته الأولى، وكأنه يؤكد على رفضه لذلك الإنجيل المحرف الذي لا يتفق مع نفسه، ولا يحل عقدة الصراع لديه… لذا جاءت اللوحة الأولى تجسيد للواقع الكنسي… بينما عكست اللوحة الثانية المأمول الكنسي… لقد قامت الكنيسة بدور رائد في تعزيز وتمجيد النصرانية في نفوس أبنائها على مر العصور عبر كبار فنانوا النهضة ومن قبلهم ومن بعدهم وحفظت أهم موروثاتها عبر تنافسية فنية لذلك الإرث الديني…

لوحات مايكل انجلو كارافاجيو للقس متّى(Michelangelo Merisi da Caravaggio)

 

 

ما قام به جان لورسات في منسوجة أغنية العالم تعكس حنكة وحكمة الفنان في ردة الفعل لما هو عكس اتجاه التيار السائد. وهذا يعكس ما جاء في وصف الأوروبيين في حديث المستورد بن شداد (رضى الله عنه) فى مجلس كان فيه عمرو بن العاص (رضى الله عنه): أنه سمع النبي (صل الله عليه وسلم) يقول: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس».. فقال له عمرو بن العاص: أبصر ما تقول، أى: تأكد هل سمعت هذا من الرسول، قال: أقول ما سمعت من الرسول. قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالًا أربعًا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة ، وأرحمهم لمسكين ويتيم وضعيف،  وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك».

 

 

أما السبب الثاني هو توتر العلاقة بيني وبين صديقة تشكيلية فرنسية من أصول عربية تعيش في مدينة Angers عند المناقشة عن الأزمة الإسلامية الفرنسية بخصوص الصور التي نراها مسيئةً للنبي عليه أفضل الصلاة والسلام، ولا يراها الآخر كذلك، ذلك الآخر الذي مثّل الذات الإلهية تعالى الله علوًا كبيرًا، و رسم جميع الأنبياء بما فيهم عيسى عليه السلام، وآمن بقصة صلب المسيح عليه السلام المخالفة لعقيدتنا. توطدت علاقتي بها عندما علمت أنها من المهاجرين العرب في هذه المدينة تحديدًا، حيث عزمت الكتابة عن لوحاتها الزاخرة بالألوان الزاهية، والمشبعة بالتكوينات التأثيرية المجردة، والنابضة بالضوء والظل مما يعكس عمق الأثر التشكيلي الفرنسي على فنها بشكل عام. الشاهد من القصة أننا للأسف لم نستكمل حوارنا العربي الحار بسبب بسيط أنها أنهت العلاقة بإعطائي أول Block في حياتي.

الذي أود قوله عبر ذكرياتي مع مدينة أنجيه الجميلة الحالمة وصديقتي العربية – الفرنسية الغاضبة التي قاطعتني دون أن تفهمني:

أن الفن في الألفية الثالثة لابد أن:

  1. – يحقق مهارات القرن الحادي عشر من حيث التجديد، وإثارة التفكير الناقد، و وسيلة لحل المشكلات، ومحقق للتواصل الإيجابي والتشارك الابتكاري. مع التأكيد على مبدأ أن الفن وسيط ثقافي وتاريخي يحقق مشاركة مجتمعية لتوضيح مفاهيم، وتصحيح معتقدات، وترسيخ أفكار إيجابية.

– يتحرر مما علق به من ضلالات وأفكار خاطئة تسئ لأي معتقد أو شريعة، ولا يكون ذلك إلا بالفهم والبحث العلمي والتقييم المنطقي لكل مريد يطمح للحقيقة.

– الفن فرصة معرفية نتفهم من خلاله معتقدات وأفكار ورؤى الآخرين، و دورنا التوضيح والدعوة بالحكمة والإرشاد الصحيح.

– نسعى جميعا لجعل الفن وسيلة راقية للتواصل الإنساني في التجربة الأرضية، والإثراء المعرفي للمجتمعات والشعوب الأخرى.

– الفن لغة بصرية تختلف من شعب لآخر، ومن ثقافة لأخرى، وإن لكل شعب وثقافة الحرية في رسم ما يخصها، مع احترام مبادئ ما ينتمي إليه من عقيدة أو شريعة، وألا تعتدي ثقافة على غيرها من الثقافات بأي صورة من صور الإرهاب أو التطرف أو التنمر…

– الفن رسالة سلام وجمال، فلا يحق للفنان الواعي الراقي أن يستخدمة للإساءة إلى أي فرد أو جماعة، إنه سلاح حصين ذو حدين فلنحسن استخدامهما…

كما أود تذكير صديقتي المغتربة، يامن تزعمين أن لا وطن لك، أن تتذكري أن الأرض لله يورثها عباده الصالحين، أولئك العباد الذين يسعون لصلاح الأرض، وعمارتها بالجمال والعدل والعلم، فالوطن الذي وهبك الجنسية حريّ أن يُعتبر وطنك؛ لنشر النور والهداية دون إجحاف أو إسفاف أو إخلال، خليق بنا جميعا نشر معاني السلام والجمال والحكمة، فالمطلوب منا التعايش مع الجميع بقلب صادق مع ربنا أولا ثم أنفسنا، ومن ثم معرفة الأدوار والمهام التي علينا القيام بها بما يتناسب مع مبادئنا السمحة وأعراف أرض المضيّاف…فقد سئمنا فكرة هم ونحن…وكرهنا مبدأ أقطع وقاطع وتقطّع، وأذكرك ونفسي بقول الله تعالى:

وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ۚ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ” الشورى
ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ” النحل

الصور من:
مواقع قصر أنجيه الإلكترونية: (Angers châteaus)
مدونة الفنانة التشكيلية الإمريكية ربكا ميزوف (Rebecca Mezoff)
كتاب (The Story of Art) قصة فن للكاتب إرنست غومبرتش، الطبعة السادسة عشر.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *