شعرية التفاصيل: قراءة نقدية في قصيدة ” سرنمة ” للشاعر حسن الزهراني 

 

شعرية التفاصيل بين مواجهة الاغتراب والهرب من الذاكرة

قراءة نقدية في قصيدة ” سرنمة ” للشاعر المعاصر حسن الزهراني

د. كاميليا عبد الفتاح*

 

تحرير_خلود عبد العزيز

يُديرُ الشاعرُ “حسن الزهراني” أحداث تجربته الشعرية في قصيدته ” سرنمة ” في شارعٍ قديمٍ، شهدَ أزمنة من عمره وفكره ومشاعره؛ فأصبح – هذا الشارعُ- بمثابة حاوية الزمن القديم، وخازن الروح في تجربتها الحياتية؛ ولذلك تبدو تفاصيلُ هذا الشارعِ – في هذه التجربة – أقرب ما تكون إلى كيانات إنسانية، ومثيرات إيحائية تتحولُ بها تفاصيلُ الذكريات القديمة، وتفاصيل المرئيات الراهنة -في هذا الشارع – إلى أوعية دلالية، ودالاّت شعرية ثرية الإيحاء.

يبدأُ الشاعرُ تجربته بلقاءٍ مع ظله القديم ذاتَ حلمٍ؛ والحلمُ هنا يوازي التجربة الشعرية؛ فيسيرُ الشاعر وظلّهُ متوازيين منفصلين بعد أن تبادلا تحية تقليدية، ثم اتّخذ كلُ مساره في الشارع القديم. ورغم انفصال مسارهما إلا أنهما يتلقيان فعل التأثير ذاته الذي تبثُّهُ فيهما تفاصيلُ المكان وإيماءاتُ الذكرى: الرصيفان، شجرة السرو، الدكاكين، ستائر البيوت. ويبدو انفصالُ الظل عن الشاعر وكأنّه اختيارٌ مساريٍّ آخر في التجربة الشعرية، هو: تجنب الخوض في الزمن القديم ووطأته على الروح. يقولُ الشاعرُ:

( الرصيفانِ )، و( السّرو )، والصّمتُ

في الشارع الكهل

تضحكُ مني ومنه

والشبابيكُ تنفثُ ضوءًا شفيفاً

يبدّدُ بعض الظلام ..

****

آااااااه كم كان هذا المكان

عابقاً بالأماني

مُترعا بالحنانِ

كانت المزهريّاتُ في كل ركنٍ هنا أُلفةٌ ووئام ..

المُحبُون كانوا يمرّون من هاهنا

بقلوبٍ مُخضّبةٍ بالهوى

وخناجرَ مسكونةٍ بأغاني الغرام ..

****

الصبايا وراء الستائرِ

يُنصتن والشجوُ يأخذُ أرواحهنّ

إلى شُرفات النجوم

التي هاجرتْ في فضاء الهيام ..

****

اكتست تفاصيل الشارع القديم – في هذا الطرح – بالملامح الإنسانية؛ فالرصيفان، والسرو، والصمت، وكافة التفاصيل تسخرُ من الشاعرِ وتسخر من ظله، بما يمنحنا أول إشارة دلالية عائمة إلى اغتراب الشاعر عن: شارعه، ماضيه، ذاته القديمة، لقد شاخ الشارعُ وأصبح – كما وصفه الشاعرُ – كهلاً، وصار منتميا إلى زمن ينكره، وينكره ظلّه المتباعد منذ بدأ التجربة، رغم أنّ هذا الظل يمتدُ خمسين عاما”. 

 

يمنحُ الشاعرُ تفاصيل مرئياته المألوفة طاقةً إيحائية؛ فيصفُ الشبابيك بأنها لا تتيح إلا ضوءًا شفيفًا ( يبدد بعض الظلام ). هذا الضوء الشفيف هو مقدار ما تكشّف للشاعر من ذكرياته في بدء تجواله في هذا الشارع، كما أن هذا الضوء الشفيف ينسجم مع المناخ الحُلمي الذي اختار الشاعرُ أن يدير فيه رحلته في زمنٍ غرائبي، حدّده بقوله:

“حين سطعتْ شمسُ الضُّحى في هزيعِ الدُّجى”.

هذا الزمنُ الغرائبي هو التّماسُ الذي وقع بين الحاضر والماضي من خلال ولوج الشاعر بوابة ذكرياته؛ فشمسُ الضحى هي هذا الحاضر الساطع الواضح، وهزيعُ الدّجى هو هذا الماضي المُختبئ وراء أكداسٍ وتراكمات مطوية في يد الشارع الكهل الساخر.

كذلك يبدو النفثُ الشفيف من (درفة النافذة)، يبدو وكأنه بداية انفتاح الذاكرة على مسارات الفائت، وبداية نشاط ذاكرة الشاعر والتقاطها حيواتها الحميمية من زوايا الظلام المنتشرة في المكان والذاكرة.

ويواصلُ الشاعرُ إضفاء السمة الشعرية على تفاصيل شارعه القديم؛ فيوظف المفردات البسيطة للشارع في التعبير عن اغترابه، هذه المفردات هي:

الدكاكين المغلقة و البيوت المتهالكة التي تشكو مفاصلُها طول السقام.

إن الشاعر يعبّرُ بانغلاق الدكاكين عن الحواجز المعنوية القائمة بينه وبين المكان / الزماني؛ فالمكان لا يمنحه سريرته؛ ومن هنا كانت الدكاكين مغلقة، كما أن تهالك البيوت وسقم مفاصلها حاجزٌ زمني يوسعُ مسافة الاغتراب الواقعة بين الشاعر وهذي البيوت؛

حيث إن وهنها وتهالكها يحولان دون بوحها بذكريات الشاعر، وصداحاته القديمة، بل يبدو وهنها إقصاء له عن زمنه القديم الساكن في مفاصل هذه البيوت ..!

وتزداد هذه الحالة الاغترابية تأزما حين يتراجع الظل، ويغادر صاحبه في هيئة كابوسية يستلزمها إضفاء الشعري على اليومي، فيدخل في درجة عالية من الاغتراب عن الواقع. يقول الشاعر:

“كنت أمشي وحيدًا

وظلي تراجع عنّي كثيرًا كثيرًا

خاف من صافرات (العسس)

ونباح الكلاب ….

احتواه التراب ….

****

كان يشكو طوالَ الطريق الذي

لم نصلْ نصفَه

ما يعانيه من غربة وعذاب….

****

ثم يمضي الشاعر في طرح رؤاه الشعرية المُتفجّرة من تفاصيل شارعه وزمنه الحلمي؛ ليضيف الى التجربة تفاصيل أخرى تقتحم الشعري بما لم يكن منه في الطرح التقليدي يقول حسن الزهراني:

” ثم أغمضت عيني (وسرنمت) حينًا

وشاهدت نفسي على قمة (الروم)

من بعد طول الغياب….

***

من يساري دنا البدرُ من رأس

(منور) كيما نقبله مؤذنا بالرحيل

كانت الشمسُ من خلف (عيسان)

تمشي الهُويني

مددتُ يدي وقبضتُ عليها

وألقيتُها في دهاليز (جيبي اليمين)

الذي كان يحوي ( فِلاشاً )

ومحفظةً ومفاتيح سيارتي

و..و..و….. وبعض فتات الكلام”

يمزج الشاعر عناصر الكون مع تفاصيله الشخصية: يمزج الشمس والبدر- وهما عناصر شعرية في الطرح التقليدي- مع الفلاش والمحفظة ومفاتيح السيارة وفتات الكلام. ورغم أن النظرة الأولى لهذا الامتزاج – خاصة إذا كانت نظرة تلقّ تقليدية – قد تُستنكر أو تدهشُ، إلا أن قراءة تأملية في تفاصيل العلاقة بين الكتلتين تطلعنا على الانسجام بينهما من جهة، و انسجامهما مع التجربة الشعرية ومسارها من جهة أخرى، فقد تخير الشاعر من المألوف اليومي ما يتعلق بالذاكرة، وفعل التذكر بشكل عام كالفلاش – وهو خازنة معلومات وذاكرة إلكترونية-، كما اختار المحفظة- و هي حاوية أوراق وغير ذلك- وهذه الأشياء، رغم أنها من تفاصيل اليومي العابر، إلا أنها اتسقت مع رحلة الشاعر الحلمية الإبداعية؛ التي يرتحل فيها إلى ذاكرته عبر محفز ومحرِّض على إحياء الذكريات، وهو الشارع القديم بتفاصيله. وكأن الشاعر قد حمل معه حاويات يحمل فيها ذكرياته، ويحفظ فيها هذه الذكريات، وهي: الفلاش والمحفظة، أو كأنه يحمل في رحلة التذكر والاسترجاع بعض ذكرياته في هذه المحفظة والـ( فلاش ) وغيرها. ومن هنا دارت صورته الشعرية بتفاصيلها اليومية وعناصرها الإيحائية في فلكٍ دلالي هو الذاكرة والتذكر.

أما مفاتيح السيارة – وهي لا تتعلق بفعل التذكر – فقد أراد الشاعر أن يدل من خلال إهماله لها بوضعها في جيبه على رفضه العيش في زمنه الحالي الراهن وتفضيله العودة إلى الماضي؛ لذلك فضل أن يقطع رحلته في شارعه الكهل -وهو تمثلات عمره و ماضيه وذكرياته وبنيته الروحية- ماشيًا على أقدامه، أي بكيانه الإنساني لا بكيان مادي ماثل في السيارة، وأثناء توغله في الشارع الماضي كان يحمل فتات الكلام الذي يرمز إلى الثرثرات العذبة الدافئة التي ما زال يحتفظ بظلالها التي تسكنُ روحه.

و يتابع الشاعرُ في المكان / الزمان، حاملاً أوعية التذكر ، ويتابع الغوص في المسار الشعوري والفكري للتجربة، فيقول:

” وقبضتُ على البدرِ قبل الأفول

وألقيتُه في دهاليز (جيبي اليسار)

الذي كان يحوي مفكِّرة

كنت أحفظ فيها هواتفِ بعض الصّحاب القدامى

وجوالي المُبْتلي منذ حينٍ بطول الرَّنين

الذي صبَّ في مسمعي من جميع الأحبة طولَ

الملام…….”

يعبر الشاعر عن رغبته في القبض على الزمان وإيقافه عند القديم الحميم من خلال هاتين الصورتين:

القبض على الشمس قبل الأفول.

القبض على البدر قبل الأفول.

نلاحظُ أن الصورة الشعرية تصف الشاعر يقبض على الشمس ويضعها في الجيب الذي يحوي الفلاش –الذاكرة الالكترونية- ويقبض على البدر ويضعه في الجيب الذي يحوي المفكِّرة – التي تحوي بدورها هواتف الصحاب القدامى – ولهذه الصور الجزئية دلالاتها المتعلقة برحلته صوب الماضي، ومواجهته الزمن -في هذه التجربة- فالقبض على الشمس والقمر قبل انفلاتهما يعني الإمساك بطرفي الليل والنهار، أي الإمساك بركيزتي الزمن قبل انفلاته من يد الشاعر قبل الأفول قبل مضي العمر، وبدد الزمن الحميم وضياع الصحب القدامى، وقبل تغيّر ملامح الأماكن القديمة الحميمة؛ ومن ثم يكون القبض عليهما ووضعهما في ذاكرة صورة شعرية تدلّ على رغبة الشاعر في حفظ زمنه القديم.

إن الشاعر عبر هذه المتوالية من الصور الشعرية والتفاصيل اليومية يبدو مهموما بــ :

استعادة ماضيه الحميم وإحياء ما يمكن من تفاصيله قبل تفلتها.

إيقاف ركض الزمن وإبقائه في لحظة تماس مع الماضي وملامح الذات القديمة.

وإنّ تأمل تفاصيل هاتين الصورتين ليوضّح مدى الانسجام والتفاعل بينهما ومدى تضافرهما في مسار رؤيوي واحد، من حيث:

الانسجام المساري في رحلة التذكر بين الحرص على القبض على الزمن ووضعه في ذاكرة، والحرص على الغوص في الشارع الكهل- (الزمن) أيضا- قبل تبدل ملامحه.

الاتساق بين دلالة: الفلاش، المحفظة، المفكرة، كبدائل للذاكرة الإنسانية.

الانسجام في المناخ العام (حالة الأفول بين الشمس والبدر، وكذا الصحاب القدامى الموشكين على الغياب، والأفول من الذاكرة، والشارع الكهل الموشك على التحول أو الاندثار بتقدم عمره، أو التغيير من خلال تعبيده).

*ثم يطرح الشاعر في جسد التجربة إضافة جديدة تضفي عليها بعدًا دلاليًا أعمق، وهى صورة جواله الذي وصفه بأنه:

مُبْتَلي بطولِ الرَّنين

من جميع الأحبةِ الذين

صبُّوا في مسمعه

طولَ الملام

عبر هذه الصورة الجزئية – من مشهد اليومي مألوف متكرر – يطرح الشاعر دائرة من العلاقة المتشابكة بين أطراف ثلاث: ذاته، الأحبة اللائمين، الجوال المُبتلى من رنين الأحبة، وذلك على هذا النحو:

من خلال هذا اللقطة اليومية يصور الشاعر إيغاله في كفاح الزمن و جهاد صدأ الوقت, و يمعن في ممارسة إقصاء الغياب عن ذاته الإنسانية، و حفظها من النسيان و الفوات و الفقد … ما زال الشاعر يمارسُ فعله الشعري في هذه التجربة، وهو: ” إغواء الذاكرة بالحياة”، و لكن من خلال أحبته الذين أسقط عليهم بعضا من صفاته و ملامحه؛ فهم مثله متخوفون من فعل النسيان (نسيانه لهم)؛ فيلحون من خلال رنين الجوال على مسمعه- ذاكرته- في مقاومة عنيفة لصدأ الوقت ونشاط الغياب وقوة البدن، الأحبة –مثله- يخشون موتهم ماثلاً في غيابهم من ذاكرته، فيبعثون ذواتهم من خلال رنين الجوال، بل طول الرنين؛ الذي يصوّر حرصهم على فعل التذكر وجهاد الغياب – وذلك طوال الوقت – فيلح الرنين الذي يمثّلُ فعل التذكر والإحياء على مسمع الشاعر متوسلًا بطول الملام،…..، وهكذا يتضافر طول الرنين وطول الملام ليدقا على ذاكرة الشاعر في جهاد للغياب ودفع للموت المعنوي الذي يخشى منه الأحبة.

وهكذا تبدو التجربة الشعرية كلها- عبر الذوات الحاضرة فيها – تجربة الذات الإنسانية في مواجهة الزمان، وخوفها من الفناء والفوات، تبدو الذوات الإنسانية روحًا معذبة شقية من فتوة الزمن وسرعة انفلاته بالحميم وإضاعة الملامح القديمة، وطمس معالم العمر وملامح الرحلة الإنسانية عذبة الشقاء.

 

 

*أستاذة مساعدة في جامعة الباحة، سابقًا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *