هل يصنع النفط مثقفين؟

سعد عبدالله الغريبي*

يُعَوِّل بعض المثقفين العرب من جيل المهزومين على النفط بوصفه مَن صنعَ ثقافتنا ومثفقينا، وخلق فكرنا ومفكرينا، وأنه لولا النفط لظللنا كما كنا قبل منتصف القرن العشرين فكرا وثقافة. وهم في هذا يخلطون بين التقدم المادي والثقافة ويظنون أن المال قادر على صنع  الاثنين.

ويزعمون أننا حققنا هذه الطفرة الهائلة في ثقافتنا وفكرنا وسلوكنا دفعة واحدة كما حققنا طفرتنا المادية المتمثلة في المرافق والمنشآت وما يتبعها من بنية تحتية.

وفي أحيان كثيرة يعطون أنفسهم وبلدانهم أدوارا ليست لهم أو أكبر من حجمهم فيرددون أنهم مَن علَّمنا ومن طورنا، ولولا ما قدموه لنا لظللنا في خيامنا إلى جانب نوقنا حتى الآن..

يمكن أن تشتري بالمال مقتنيات ثمينة ويمكن أن تبني مباني شامخة ويمكن أن تؤسس مصانع تديرها أيد أجنبية، لكن لا يمكن أن تطور بالمال عقل الأمة وتنمي تفكيرها.

لا ننكر أننا في البحث عن اللحاق بركب التطور والحضارة قد استعنا بمن يعلم في مدارسنا وجامعاتنا، وبمن يزود مكتباتنا بالمؤلفات في وقت لم يكن لدينا مدرسون ولا مؤلفات، لكن من الذي تعلَّم ومن الذي قرأ؟ إذا كنا بالنفط بنينا المدارس والجامعات والمكتبات واشترينا المؤلفات واستقدمنا المدرسين والمدرسات فهل المال هو الذي طور تفكيرنا ونمى عقولنا؟

ألا يتتبع هؤلاء مراحل تطورنا عبر العقود الماضية وينظرون الآن من يدير هذا الوطن؟ من يدير مصانعه بما في ذلك مصانع البترول؟ ومن يعلم في مدارسه وجامعاته؟ ومن يطبب في مستشفياته؟ وهل نسوا أنهم غادروا بلادنا على دفعات بعد أن قَدِموا على دفعات؟ كلما ظهر احتياجنا لمجموعة استقدمناها، وكلما توفرت لدينا عقول سعودية تغنينا ألغينا عقود مجموعة؟ ألا يتباكى هؤلاء على فقدهم وظائفهم التي كانوا يشغلونها عندنا في القطاعين العام والخاص، ويتهموننا بالقسوة في التعامل لأننا استغنينا عنهم؟ ألا يسألون أنفسهم من أخذ أمكنتهم؟ أم يتصورون أنها ظلت شاغرة؟

وإذا كنا تطورنا بالتدريج وبخطوات متوازنة فإن بلدانهم قد انهارت دفعة واحدة، وتقهقرت وخربت مدنها وقراها بأيدي أهلها، فقد كانت ديارهم منذ إنشاء هذا الكوكب تملك ما لا يملكه غيرها من الموارد الطبيعية التي تفوق في قيمتها وصعوبة الحصول عليها كل الموارد الاقتصادية بما فيها النفط. فكيف يفتقر من يملك أرضا خصبة وأمطارا دائمة وأنهارا جارية؟ 

لكن المشغول بعيوب غيره ينشغل دائما عن نفسه، فلا يرى عيوبها، لأن نظامه الدكتاتوري يمنعه من انتقاد أحوال بلاده ونظامه، ويمنعه من أن يجأر بالتشكي من حاله المتردية ومن كساد اقتصاده، ومن صعوبة الحصول على لقمة العيش في دار آمنة، فلا يملك إلا أن يبحث عما يبرر له تخلفه وتخلف بلاده فلا يجد منفذا إلا أن يقلل من جهود غيره ونجاحاتهم ومنجزاتهم.

إن شظف العيش الذي مررنا به قبل النفط صنع من مجتمعنا رجالا ذوي قناعة ورضا بكل الأحوال، وجعل منهم ذوي عزيمة وصبر وكفاح، وخلق منهم رجالا يقدرون النعمة فلا يكفرونها وبالشكر تدوم النعم!.

 

 

*كاتب سعودي

samghsa11@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *