معرض”نيجاتيف” خطوة الألف ميل نحو التجريد

فاطمة الشريف 

في الأول من نوفمبر الحالي ٢٠٢٠ اُفتتح معرض نيجاتيف (Negative) الجماعي المقام في صالة “النقطة البيضاء” بمركز أدهم للفنون التشكيلية بقيادة الفنان نذير ياوز. حوى المعرض أربعة عشر لوحة عكست أساليب تجريدية متنوعة.
فكرة افتتاح المعرض تبدو مبهرة وممتعة للحضور؛ حيث تم تغطية جميع اللوحات التي جاءت بمقاس موحد ٥٠*٥٠ بشكل محكم، ومن ثم إزالة الغطاء الورقي وفقا للتعليمات الإرشادية.

يصف الفنان التشكيلي المعرض محمد الخبتي قائلا:
“نيجاتيف (Negative) معرض لمجموعة من الفنانيين لهم تواجدهم بالمشهد التشكيلي، وهو باكورة معارض قاعة النقطة البيضاء للأخ نذير ياوز، وليس بالضرورة المسمى نيجاتيف يقرأ ويفهم بمعناه المباشر، قد يكن المعنى ضد السائد بالساحة وتحديدًا في ظل جائحة كروونا، التي حولت المعارض إلى منصات السوشيال ميديا. كأحد المشاركين في المعرض فإن الأعمال بالمجمل عكست أساليب تجريديه رائعة. قد يكون العمل الوحيد المغاير ما قدمه أحمد حسين بحيث لعب على المعنى المباشر للمسمى، ومن وجهة نظري أرى العمل مفتاحا لتجربة مستقبلية حول هذا النسق، وقد يستمر هذا المعرض كسلسلة بنفس الهاجس فيما بعد.”

بعيدٍا عن أي رأي أخر، أو قراءة نقدية متخصصة، مع استماحة العذر فيما قد لا يناسب المشارك أو المتلقي الناقد، فإن الزائر المحب للون والصورة يقف على العتبة الأولى (لوحة الفنان أحمد حسين) للنصوص التشكيلية للمعرض؛ لتحكي لنا سردًا بصريًا عن التجربة العربية الفنية مع المساحات اللونية دون حدود أو خطوط صارمة، والتكوينات التجريدية الهاربة من الواقع والتجسيد، والمحلقة في فضاء الروح والذات والمثالية، مع وضوح الإختلاف الفكري والفلسفي والتقني لكل فنان …

في خطاب تشكيلي متفرد جاء المعرض بطريقة منظمة تعكس تقنيات مميزة في الأسلوب التجريدي، ودعوة حالمة للأجيال السابقة والقادمة مفادها أن التجريد وقدرته على إحتواء العديد من رموز ودلالات الاتجاهات الفنية كالتعبيرية، والرمزية، والتأثيرية، والسيريالية، والرومانسية… فن جدير بالتقدير، ويستحق الإهتمام لما يحمله من إيقاعات مترابطة ذات دلالات جوهرية موجزة، تحمل في ثناياها خبرات فنية ملهمة، وتجارب ذاتية مميزة…

لوحة أحمد حسين العتبة الأولى لتلك النصوص التشكيلية جاءت وكأنها شفرة الأسلوب التجريدي، وفلسفة تجربة ذاتية ملهمة، ودلالة واضحة حيال مغامرة جريئة على وشك الانغماس في أسرارها وحكاياتها… تلك اللوحة التي عكست اسم ومضمون المعرض أن الضد أو النقيض يكون أحيانًا وسيلة لفهم المكنون، وتفسيرالمجهول، وأن التجريد ليس فقط اتجاه معاكس للواقع في التحليق عبر فضاء الخيال اللوني ومثالية المضمون، وإنما هو مرآة عاكسة لجوانب خفية مظلمة قد تغيب عن وعي الفنان والمتلقي، فتظهر جلية عبر التكتلات اللونية، والخطوط المتلاشية، والحدود المتهالكة. كما تؤكد فكرة واسم المعرض أن العناصر السلبية أوالغامضة أوغير مفهومة كثيرًا ما تحقق توازن مشاعري وفكري في رسالة العمل الفني؛ فكما إن الفضاء الإيجابي المفعم لونًا وحركةً هو موضوعه، فإن الفراغ أو الضوء المحيط به هو السلبية التي تبرز الداخل، وتحلل المفهوم… كذلك التجريد هو السبر الحقيقي الموجز للكثير من التجارب الإنسانية لحظات العمل، والمتنفس المحبب لتلك الذات الباحثة عن المعنى. فكم من سواد يحمل في داخله نقاء…وكم من تشويش جاد يعرك عيناك لتوضيح الرؤية…
أعتقد أن تلك اللوحة هي سابِر الأعماق: تُبدِّد ظلمات أغوارالمحيط التجريدي، وتكشف عن محطات مسيرة تشكيلية حافلة…هي دعوة إلى التركيز على المفهوم التقني الفني التعبيري بعيدًا عن وجوم الواقع وجموده…

تتراص تلك اللوحات لتؤمن أن كل لون وثأثير لم يُصنع صدفة أو عبثاً، وتتصاف ناظمة قصيدة تشكيلية تعبرعن فلسفة الحياة في تنوع لوني ونفسي عجيب، وتناغم أنثوي ثري بالألوان والشخوص التجريدية الساحرة، وتباين بين روحانيات الأماكن النورانية وأحضان الطبيعة الخلابة؛ لتنقلك من جمال الروح إلى معترك الماديات الصاخبة، وإنكسارات البشرالمؤلمة، وخيبات الأمل المتكررة؛ لتصل إلى اللوحة الأخيرة؛ فينغمر فؤادك حنانًا ودفئًا في توازن مشاعري رفيع ضاع بين أروقة تلك النصوص التشكيلية…

كل لوحة في المعرض تحكي أسطورة روحية، وتجربة ذاتية ممتلئة لونًا ورمزًا وتقنية خاصة. بل اللوحة الواحدة لها روح تتناغم مع روحك (لوحة نهار مرزوق)، وتحكي قصة تشبه قصتك (لوحة د. معتز كمال)، وترتل أنشودة تطربك شهرًا بعد زيارة المعرض إما عبر نظام لوني صريح بارد وتكويني دافئ في آن واحد (لوحة د. عبدالعزيز الدقيل)، أوعبر التكوينات الساكنة والمتحركة مع تشبع واضح لتقنية الظل والضوء(لوحة أ.محمد الرباط)…كل لوحة تجبرك أن تقف أمامها مستمتعًا بجولة روحية في أعماق ذاتك حول عالمك الكوانتي الذي تشعر به وتراه وحدك (لوحة أ. نذير ياوز)

معرض نيجاتيف (Negative) من المعارض المنظمة فكرة وأسلوبًا، ثري بما يكتنزه من نخبة تشكيلية مؤسسة لاتجاهات متنوعة في الأسلوب التجريدي، فلكل فنان منهج خاص ينفرد به، وتقنية خاصة يُعرف بها. معرض يحقق لك المعرفة والمتعة، ويأخذك إلي عالم الخيال والجمال. معرض يستحق الزيارة والتأمل للفائدة والتعلم، ودعوة لعقد الحوارات والمناقشات لبث الوعي وتناقل التجربة بحرفية وتمكن، يستقبل زواره طيلة شهر نوفمبر الحالي. بحق هو الذخيرة التشكيلية لخريف ٢٠٢٠.

 

 

 

 

لوحة د. عبدالعزيز الدقيل

 

 

لوحة حسين دقاس

 

 

لوحة الفنان محمد الخبتي

 

 

لوحة الفنان محمد الرباط

 

 

One thought on “معرض”نيجاتيف” خطوة الألف ميل نحو التجريد

  1. سلمتِ مبدعتنا أ. فاطمة الشريف
    بعينيك الجميلتين رأينا المعرض، وكم يسعدنا هذا الثراء الفني والثقافي الذي يهذب الأذواق ويرقى بالأرواح لتسبح في عالم الجمال الآسر.
    شكرًا لا تكفي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *