الاختلافات حتمية كونية

د. ابراهيم البليهي*

مهما تطورت الحضارة ومهما توافرت وسائل الحياة إلا أن حياة الناس مشحونة بالتوجس والتكتم وبالنكد والخصومات والتنازع ليس فقط على مستوى الأفراد بل أيضا على مستوى الأمم إن معظم الاختلافات تعود إلى أن الناس يجهلون أن اختلافاتهم تعود لاختلاف أنماطهم الذهنية وأنه شيئٌ حتميٌّ يجب أن يتعامل معه الجميع بأريحية وعقلانية. إن الناس لو أدركو أن الاختلاف في الآراء والمواقف والاتجاهات هو نتيجة حتمية فإن التوجس والمخاوف والخصومات والمنازعات والكراهيات سوف تتقلص فيصبح الناس أقدر على التفاهم والانسجام والتآخي فمن يَعرِف كل شيئ يغفر كل شيئ فتصبح الحياة البشرية أرقى وأنقى فتتضاءل أسباب النكد وتتحسن أوضاع الأمم .
إن حتمية الاختلاف سببها أن الإنسان لا يولد بعقل جاهز وإنما يولد بقابليات فارغة مفتوحة؛ وبالتكامل بين قابليات الفرد وحواسه يتكوَّن له عقلٌ فردي يختلف بأنماطه عن أنماط عقول كل الأفراد الآخرين؛ فالعقل الفردي يُكَوِّنه ويحتله ويتحكم به الأسبق إليه ولهذا تبقى الأنماط العقلية القاعدية دون تغيير مهما تعلم الفرد فما يتعلمه الفرد في المدارس والجامعات أو بالجهد الشخصي تتكَوَّن به أنماطٌ منفصلة ومتمايزة عن الأنماط القاعدية فليس غريبا أن يكون الشخص عالم ذرة أو طبيبا أو قاضيا أو إداريا ناجحا ويقف خاشعا بكل ثقة وإيمان أمام تمثال بوذا …لأن البنية العقلية القاعدية تحتجب في اللاوعي عن فاعلية العقل النقدي الفاحص .. إن هذه هي المعضلة البشرية التي تندلع منها معظم المشكلات البشرية ورغم ضرورة أن يعرف الناس ذلك بمنتهى التأكيد والوضوح والتكرار إلا أن هذه الحقيقة الأساسية ما تزال لا تنال الاهتمام إن معرفة هذه الطبيعة البشرية ما تزال محصورة بالمختصين والمهتمين الذين يتابعون بعناية إن انفصال أنماط التطبع التلقائي عما يتلقاه المتعلمون من معارف موضوعية يؤدي إلى استمرار هيمنة التطبع مهما نال الشخص من تعليم لأن البنية الذهنية القاعدية تحمي ذاتها ببداهة الغفلة فلا يحصل اكتشاف هذا المتحكم الخفي إلا بصدمة فكرية تخلخل بداهة الغفلة فيعيش الفرد بداهة اليقظة …وخلال التاريخ لم يكن يحصل ذلك إلا في حالات فردية نادرة هي التي أنجبت رواد الفكر ولولا هذا الانفصال الفردي المتكرر خلال التاريخ وعند مختلف الأمم لما تطورت الحضارة؛ فالحضارة هي نتاج تراكم التطبيقات العامة للومضات الإبداعية الفردية .. سقراط ونيوتن وديكارت ولوك وهيوم وأمثالهم من الأفراد الخارقين لا أحد ينوب عنهم أما من يمارسون التطبيقات في مختلف المجالات فكل مهني ينوب عنه مهني آخر لكن بعد أن كشفت علوم الدماغ والعلوم المعرفية هذه الحقيقة فإن الواجب يقتضي أن يَعْلمها الجميع لاستثمار قابليات الإنسان العظيمة وتهيئة البشرية نحو تعميم الازدهار والسلام والوئام .

*مفكر سعودي
حساب توتير: IbrahimAlbleahy

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *