التضاريس خزائن تنعش أرصدة الأدب

التضاريس خزائن تنعش أرصدة الأدب

 

 

إعداد-هيا العتيبي 

نستشف من خلال قراءاتنا للنتاج الأدبي بفروعه، مدى تأثير التضاريس التي يعيش فيها الأديب على تحديد هوية إنتاجة الأدبي، فلكل تضاريس خصوصيتها التي تضفي على خيال المؤلف شخصية المكان فتلبس بذلك أبياته وجمله الروائية وألوانه بحللها وهيئتها، وقد تتحكم تلك التضاريس في لهجته وسلوكياته وصفاته الجسدية قبل الروحية، لذا لا نستطيع أن نفصل بين الأدب والتضاريس فكلاهما وجهان لعملة واحدة، ولدينا أمثلة نستدل منها كسيرة الأديب الروسي تولستوي الذي تضمنت رواياته الأحاسيس والمشاعر الإنسانية التي عايشها مع العامة، فقد آثر هذا النبيل الذي تعود أمه الأميرة إلى سلالة عريقة العيش في مزرعته حتى وافته المنية عن عمر يناهز الثانية والثمانين عامًا، وقد خرجت رواية الحرب والسلام مجسدة لذلك ويمكننا أيضًا أن نأخذ محمد الثبيتي كمثال واضح المعالم صوَّره لنا الشاعر عبدالله الخشرمي حيث قال “محمد الثبيتي يحيا بنصوصه وتضاريسه في جغرافية الوطن وجغرافية القلوب التي أحبته”، فقد صور التضاريس بأبياته كالجبال التي لا يمكن إزاحتها بسهولة حتى لو واجهتها محاولات التغيير، فنحن نستنطق التضاريس في موسيقى أشعاره ونستطيع القول أن التضاريس ممزوجة ومتبلورة مع حرف الأديب ومشاعره، ومن هنا تفتح فرقد باب الحوار حول هذه القضية مع نخبة من الأدباء من خلال المحاور التالية:
– حضرت التضاريس بعمق في بعض الروايات والقصص والقصائد؛ برأيك كيف وظف الأدباء هذا الترابط بين المكان والإنسان والمنتج، وما هي الأبعاد الأخرى التي تخدم هذا الإتجاه؟

– كيف تستثير التضاريس الذائقة الأدبية وهل الإنتاج الثقافي المرتبط بها حالة شعورية أم تجربة خاصة أم ارتباط وجداني ؟

 

*المكان قد يتقمص دور البطولة في النص

يرى القاص والروائي جبير المليحان أنالحدث في الغالب يلزمه وجود المكان الذي يتحرك فيه وينمو؛ سلبًا أو إيجابًا. سواءً أكان مدينة، صحراء، طريقًا، دارًا، جبلًا، أو حتى مزرعةً أو عشًا في شجرةٍ! وتأتي صورته (المكان) على شكل وصف عابر، أو متشعبٍ، يتخلله الحدث بتفاصيله، وربما أصبح أحد كائنات العمل الروائي ـ مثلًا ـ حيث يتقمص دور البطولة الفاعلة طوال سلسلة السرد الموظف لكشف رسالة العمل، الواضحة أو المبطنة.

ولابد من معرفة عميقة نتيجة المعايشة والخبرة التي تعرف تفاصيل المكان، وأوصافه، وألوانه، وأطوار تطوره: حياته كاملة. وتأتي هذه المعرفة عن طريق المعيشة فيه، مع رفدها بالاطلاع والقراءة الجادة، والتحليل العميق لدور المكان في خدمة السرد أو الشعر.

إن الحالات الشعورية والوجدانية وحدها غير كافيه؛ فأنت لتقدم لي مكانًا في عمل أدبي بصورة جيدة، فعليك أن تقدم وصفًا دقيقًا؛ أي تجسيدًا كاملًا لا يناقض الواقع الموجود. ولك بعد ذلك استخدام قدرتك الميتافزيقية لإعطائه دورًا أو أدوارًا أخرى حسب متطلبات العمل. كل ذلك بنفس مستوى اللغة السردية أو الشعرية التي تستخدمها في عملك الأدبي. هذه اللغة ـ حتمًا ـ ستكون مشحونة بحالتك الشعورية، وارتباطك الوجداني للمكان، خاصة إن كان مكانًا عاش فيه المبدع، وارتبط بمخزون ذكرياته في أي مرحلة منعمره.

*التضاريس كامنة في النص لاتحتاج جهد التوظيف

ويعتقد الشاعر مجدي الشافعي: أنّ تضاريس المكان لدى الشاعر أو المبدع لا تحتاج لتوظيف لأنها أصلًا موجودة في أي نص وفي أي منتج بصورة حقيقية لا صورة إبداعية، أوليس المبدع ابن بيئته ؟

*فمثلاً حين قال القشيري:

قفا ودعا نجدًا ومن حل في الحمى

وقلّ لنجدٍ عندنا أنْ تودّعا

بروحي تلك الأرض ما أطيب الربى

وما أحسن المصطاف والمتربعا

ولما رأيت البِشْرأعرض دوننا

وحالت بنات الشوق يحننّ نزّعا

نجد التضاريس هنا حاضرة بصورة حقيقة فهو يذكر جبل البشر لأنه رآه ويذكر الحمى ويذكر المصطاف والمتربع، لأنها  حقيقة في عينه لا في مخيلته.

وهناك الكثير من الأبعاد التي تتركها التضاريس في الإبداعات لأنها تعلقت في النفوس، فقد تكون أبعادًا دينية أوتاريخية أو اجتماعية أو أو أو فعلى سبيل المثال البوصيري وشوقي والبارودي في القصائد الدينية في مدح المصطفى نجدهم يذكرون بالاسم ويذكرون المكان بالاسم.

قال البوصيري

أمن تذكر جيرانٍ بذي سلمِ

مزجت دمعًا على ذكراهم بدم

وقال البارودي :

ياساري البرق يمم واحد الغمام إلى حيٍّ بذي سلم.

ويقول شوقي :

يا بنت ذي اللبد المحمي جانبه

ألقاك في الغاب أم ألقاك في الأطم

ما كنت أعلم حتى عنّ مسكنه، إن المنى والمنايا مضرب الخيم.

نجد قداسة المكان جلعت من التضاريس بعدًا دينيًا، وقد تكون بعدًا تاريخيًا حيث قال زهير

أمن أم أوفى دمنة لم تكلم

فحومانة الدراج فالمتثلم

وقفت بها من بعد عشرين حجة

فلأيا عرفت الدار بعد توهم.

فالتضاريس تستثير الشاعر أو المبدع لأنه يعشقها؛ فالبيئة التي تحيط بنا المكان الذي أنسناه، ومن صفات أي كائن حي الاستئناس بما حوله وبلا شك ارتباط وجداني.

*الإنتاج الأدبي يقوم على تلازم جدلية الذات والمكان

ويؤكد الشاعر الكويتي عبدالعزيز الفدغوش بأقدمية تداخل البيئة والإنسان بقوله: تؤكد كثير من المصادر التاريخية وعلى مر العصور بأن المرء ابن بيئته تأثرًا وتأثيرًا، فعلاقة الإنسان بالمكان هيعلاقة دينية واجتماعية واقتصادية ونفسية وأدبية وعلمية وسياسية وثقافية، وكما يقول الفيلسوف جاستون باشلار:(إن المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لا يمكن أن يبقى مكانًا لا مباليًا ذا أبعاد هندسية فقط ، فهو مكان قد عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي فقط بل بكل ما في الخيال من تحيز، والمكان الذي نحبه يرفض أن يبقى منغلقًا بشكل دائم إنه يتوزع ويبدو وكأنه يتجه إلى مختلف الأمكنة دون صعوبة ويتحرك نحو أزمنة أخرى وعلى مستويات الحلم والذاكرة)،

ويقول الدكتور مهند النعيمي : (إنّ إرتباط الإنسان بالمكان حالة شعورية تتولد من خلال إحساس المرء بأنّه جزء من المكان وأبعاده وتضاريسه وأحداثه التي عاصرها في فترة سابقة من حياته)، وإن للبيئة ونمطها الذي يعيش فيه الإنسان تأثيرًا مباشرًا على العمل الأدبي، فهي تعطي صورة واضحة عن تأثيرها في إخراج عمل المبدع ممزوجًا بأحواله الحياتية وتفاصيله النفسية، وفكره المتقد الفعال، فإلإنتاج الأدبي يقوم على تلازم جدلية الذات والمكان فالعلاقة بينهما روحية وثيقة، وإن للمكان وما يرتبط به من تجارب الحياة وعلامات جغرافية سر في انبعاثات الروح، فمشاعر الإنسان تؤرخ للذات والمكان في الوقت ذاته، ومن خلال محاكاة التضاريس الأرضية والمؤثرات الطقسية يكتسب الإنسان رؤى إضافية وابتكارات ابداعية، وللبيئات باختلاف تنوعها (الجبلية والصحراوية والسهلية إضافة إلى المدن والقرى والأرياف) خصوصية من حيث العادات والتقاليد والحياة الثقافية والإقتصادية والإجتماعية، وينعكس ذلك على نتاج الأديب والمفكر، فتجد للمعالم البيئية حضور في الأعمال الأدبية وكمثال على ذلك تختلف القصائد التي كتبها الأديب الكويتي فاضل خلف على نهر مجردة بتونس عن التي كتبها في صحراء الكويت فلكل بيئة ما يناسبها ويلائمها من الألفاظ والإيحاءات والنعوت.

بيـــن البــرايــا والأمـــاكــن ترابــط

وروح انسجـــام ٍ وثّقــت حالة الربط

تــلازم ٍ دايــم بحســــب الضـــوابط

حيث المعالم جِسّدت بالعمل ضبط

*للإنتاج علاقة وجدانية لا شعورية مع المكان

ويفيد الروائي والناقد صالح الديواني من اليمن بأن: المبدع الحقيقي ينجح عادة في استغلال أكبر قدر من تفاصيل المكان وعلاقاته بالزمن، لتتشكل لديه (زمكانية)على نحوما، وهما بعدان لا فكاك من التعامل معهما بقدر كبير من الفهم لماهيتهما، لأن الإثنين متلازمان علىالرغم من أن لكل منهما بعده الخاص، فالمكان يمتلك خاصية الثبات بعكس الزمن المتغير، وفي الرواية مثلًا لا ينجح البعض في صناعة تصور خاص (للزمكانية) سوى في الرواية الأولى، لأنها في الغالب (سيرة ذاتية) أومذكرات شخصية أكثر منها عمل إبداعي خالص وذلك لالتصاق الذكريات المكانية والزمانية بشكل وثيق جدًا فيالذاكرة وروحانية تضاريس المكان، إلا أن كثيرين يتخلصون من هذا المأزق وينجحون في ابتكار صور مكانية لم يشاهدوها أصلًا، لأنها تتحول إلى فضاء مُتخيل واسع في أذهانهم يستطيعون أن يبنوا فيه تصورهم بيئيًا، وهذا أيضا ما يحدث لدى الشاعر، وتبرز هنا قدرات الكاتب السردية وإمكانية ترتيبه للعنصر الأول في السرد (المكان وتفاصيله). والأمر يتطلب قراءات نوعية واعية جدًا، وإلا فإن الكتابة ستتحول إلى مجرد كلمات مرتبكة.

ولاشك أن التضاريس تضغط بشدة على المؤلف روائيًا وقاصًا وشاعرًا، ويظهر ذلك في القاموس اللغوي له ودلالة مفرداته، ويتضح ذلك في الصور التي يبنيها شاعر الجبل أو شاعر السهل والصحراء، ويذكر التاريخ الأدبي قصة الشاعر علي ابن الجهم والخليفة العباسي المتوكل الشهيرة، التي امتدحه فيها بالكلب والتيس التي تمثل جزءاً من أهم عناصر البيئة الصحراوية الجافة، لينعكس الأمر بعدها تمامًا نتيجة تغيير بيئة المكان، ولتظهر مفردات جديدة كالمها والجسر وغيرهما، وهو ما يؤكد أن توظيف المكان في المنتج الأدبي ليس أمرًا هينًا، إذ أن الإبداع ينتج غالبًا عن العلاقة الوجدانية واللاشعور مع الأشياء والمحيط، ومن الأشياء الأكثر جاذبية في الكتابة الإبداعية هو ذكر الأماكن وتسميتها، والزمن المقترن.

*التضاريس  محرض قوي لعاطفة  الشاعر

ويؤكد الشاعر علي الدهيني من لبنان أن: الأديب أو الشاعر لا يستطيع الانعتاق من بيئته ومن تراثه والإطار المكاني الذي يعيش فيه، لذا نحن نلحظ أن الكثير من قصائدهم أو أدبهم يوظفون فيها الدلالات والمفردات التي تتعلق بهذا الإرث وهذا المحيط المكاني، حيث تكتب القصائد في وصف الأماكن والهدف لا يكون المكان بحد ذاته بقدر ما يكون إيصال شعور معين يمرّ به الشاعر مستعينًا بهذا الظرف المكاني بجميع حواسه، فيأتي المنتج  بقالبٍ متين وصلب وقويّ شعوريًّا لأنه يحاكي البيئة والإطار الزماني والمكاني الذي نشأت فيه فكرة الشاعر أو أحاسيسه التي دفعته للكتابة، وللتضاريس دوركبير في شحن عاطفة الشاعر، فأحيانًا نجد أن مكانًا ما يثير في نفوسنا أحاسيسًا معينة تدفعنا للكتابة، كما فيالشعر الجاهلي حيث كان الشاعر المحب يزور سكن حبيبته فيترك ذلك فيه أثرًا كبيرًا يحرضه على الكتابة، لذا فإن الإنتاج الثقافي هنا يأتي من تجربة خاصة وجدانية والتضاريس تسهم في ذلك من خلال حثّه على الاستعانة بها ليعبر من خلال مفردات وأبيات وقصائد.

*الوسط البيئي بعد من أبعاد العمل الإبداعي 

وتشاركنا الحوار الفنانة التشكيلية سلوى حجر مؤكدة  تأثيرالتضاريس في تشكيل الذائقة والموهبة الإبداعية بقولهاحتى تتشكل الذائقة، فإنها تتربى تربية الإنسان، وتصقل كما تصقل الموهبة، وهو ما يتحقق عبر أربع دوائر أساسية تبدأ من الأوسع للأضيق، وتتشكل ذائقة الطفل من الصغر إلى الكبر عبر هذه الدوائر، وهي: الوسط الاجتماعي، وتلعب فيه وسائل الإعلام دورها الأهم. فالطفل الذي تأخذه وسائل الإعلام (التلفزيون خاصة) تفرض عليه نوعاً من الذائقة البصرية، تتلوها الذائقة المتشكلة عبر السمع تربية للأذن وتشكيلاً للوعي السمعي، وهو ما يكون له تأثيره الأكبر على تشكيل ذائقة الطفل. ثم المدرسة، وتعمل على تشكيل جينات الذائقة، وترسيخ الجمال الذي من شأنه تعليم الذائقة، وتسهم في الوقت ذاته (مع التلفزيون) على تنمية الذائقة المتدرجة من الصغر إلى الكبر. ثم يأتي بعد ذلك الأسرة، عبر توجيه النشء إلى مواطن الجمال، وتربية الذوق، والعمل على إبعادهم عن مواطن القبح، أو إبعاد مواطن القبح عنهم، وهو ما يعمل على تدشين الذائقة المتطورة من الطفولة إلى الشباب، مرسخة أسسها وقواعدها، وضامنة عدم إصابتها بالخلل مستقبلاً. وتشكل الذات الحلقة الرابعة في هذه الدوائر، عبر مكاشفتها النصوص الممتلكة قدرًا أكبر من الجمال، فكلما حرصت الذات على اكتشاف ما ينمي ذائقتها، اكتسبت من الخبرات الجمالية ما يشكل هذه الذائقة بشكل أقوى. ونتيجة لما تشكل من ذائقة في الدوائر الثلاث السابقة، تعمل الأرضية الجمالية للمتلقي بشكل كبير في اكتشاف جماليات النص.
الذي يصنع الذائقة الفنية: النص أم المتلقي فهناك جدل في العلاقة بين الإبداع والمتلقي بشكل عام. ولكن حتى تكون الفكرة أكثر شمولًا، لا بد من أن نضع في الاعتبار بعدًا ثالثًا، وهو الوسط البيئي والثقافي والاجتماعي والتاريخي الذي في ظله يولد العمل الإبداعي.

*التضاريس حاضرة في اللاشعور ومحفزة للإبداع 

ويرى الشاعر جبران محمد قحل أنالإنسان عموماً هو ابن بيئته، والمبدع بصفة خاصة شاعراً كان أو كاتباً أو رساماً أو غير ذلك، ربما يكون أكثرمن غيره ارتباطاً وتأثيراً وتأثراً بمحيطه المكاني والزماني، لا يستطيع أن ينفصم عنه بأي حال من الأحوال، ولابد أن تظهر ملامح هذا المحيط أو هذه البيئة على ما ينتجه من إبداع قصد ذلك أو لم يقصد، ونحن نعلم أن الأماكن والأحداث والسمات الاجتماعية والكثير من تفاصيل الحياة اليومية، كانت حاضرة وبقوة في ثقافتنا العربية وموروثنا المتنوع منذ العصور الأولى، ولا أدل على ذلك من المعلقات التي بث فيها شعراؤها كماً هائلاً من سمات بيئتهم، وعلى ذلك دأب المبدع العربي حتى عصرنا الحاضر ممتزجاً بالمكان والزمان الذي يعيش فيه بكل ما تكتنفه من ظروف ومتغيرات، ولعلنا نلتقط هنا موقف المبدع العربي من الحدث الذي يعيشه العالم منذ مطلع العام المتمثل في جائحة كورونا، وكيف سارع إلى توثيق حيثياته والتعبير عن تفاصيله ومجريات تطوراته شعراً وقصة ورسماً وموسيقي ودراما وسينما، وهذا  يدل على حضور المكان والحدث في المنتج الإبداعي بشكل واضح، فالتضاريس المكانية والزمانية إذا جاز التعبير هي عامل مؤثر بقوة في شخصية الإنسان بعامة والمبدع بخاصة، فهو ممتزج بها منذ طفولته، منها وفيها تتشكل موهبته وتنمو ذائقته وكلما ارتبطت هذه التضاريس بمراحل معينة من حياة المبدع كانت جزءاً لا يتجزأ من مفاتيح خارطة ذكرياته، أشبه بمعالم شاهدة تستلقي في اللاشعورالخاص بالمبدع وتحفز ذائقته الأدبية.

وبالتالي فإن إنتاجه الثقافي المرتبط بهذه التضاريس قد يكون حالة شعورية وقد يكون نتيجة تجربة عايشها وقديكون ارتباطاً وجدانياً بهذه التضاريس، وخاصة إذا دفعته ظروفه للابتعاد عنها كالسفر للعمل أو للدراسة أو لأي سبب كان، وكلنا نعرف وصف العربي لوطنه واعتداده به وحنينه إليه إذا ابتعد عنه لسبب ما، وقد يكون هذا الإنتاج الثقافي ناتجاً عن تداخل هذه العوامل الثلاثة مع بعضها في روح المبدع ليعبر عنه في أحد الأشكال الإبداعية المختلفة.

*الأدب راصد لعمليات التفاعل المعقدة بين الإنسان والمكان

وتعلق الدكتورة عُلا سعد من مصر عضو هيئة التدريس في جامعة جازان على طرح فرقد بقولها: تبقى العلاقة بين الإنسان والمكان علاقة لا يمكن فيها تحديد المؤثر والمتأثر فبينما يتجه النقاد والأدباء لبحث حيثيات أثر المكان على الشاعر أو الروائي أو القاصّ ومدى تأثره بالطبيعة المكانية وأبعاد وصفه لها في سياق التجنيس الأدبي أو البحث عن سيموطيقا المكان في لون أدبي دون الآخر وبيئة أدبية ذات سياج مكاني محدد، أقول أنه في ظل هذا الخضم البحثي لم يكن الالتفات قويًا لما يضفيه الأديب على المكان، أو التأثير في المكان بدلا من التأثر به، فلابد من إدراك العلاقة المتبادلة في العطاء المكاني فقد يعيش الإنسان عبقرية المكان ثم يفقده بسبب سوء سلوكه، كما حدث مع إبليس عندما عصى أمر ربه ولم يمتثل لمعايير المقام المكاني الذي تواجد فيه وسمح له أن يكون في مخاطبة مباشرة مع الله عز وجل فكانت النتيجة هي فقد المكان “قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ” (سورة ص77) بل وتحددت العقوبة أيضًا بالمآل إلى مكان :”لأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ” (سورة ص85) فجهنم “مكان” يسلب الشخص فيها إرادته وقدرته ويكون “المكان” هو المتحكم فيه فكما أن الجنة مكان له خصائصه وسماته فإن النار أيضا مكان له خصائصه وسماته، ولم تكن العقوبة التي حلت بآدم عليه السلام عندما أغواه الشيطان بمعطيات الطبيعة والمكان وأثر عليه بتصور بعض إمكانيات المكان وقال أن هذه “الشجرة” – وهي جزء من التضاريس البارزة في المكان – لها تأثير خارق “فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ” (سورة طه120) وعندما أثر الإنسان على الطبيعة المكانية وتجاوز حدود التأثير المسموح، وأكل آدم عليه السلام وزوجه من الشجرة انعكس سلوكهما وبالًا عليهما “فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ” (سورة طه121) وأيضا تمت العقوبة بالتحول المكاني من الأعلى للأدنى” قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” (سورة البقرة 38) ومن يضل عن هذا الهدى فإن العقوبة أيضا مكانية وهي النار، جهنم، الجحيم، السعير، وغيرها من مسميات النار؛ ولم تكن هذه الثنائية المكانية المؤكد عليها في القرآن الكريم بهذا القدر من القيمة التأثيرية على الإنسان عموماً في حياته وسلوكه أقل منها تأثيراً في انطباعات السلوك الإبداعي فتحولت لرمزية مكانية عظمى لدى الأدباء باختلاف تصنيفاتهم التجنيسية فكل مكان له فضاءات إيجابية أو جمالية مكانية هو جانب من انطباع الجنة وكل فضاءات المكان السلبية سواء كان على المستوى التراجيدي أو مستوى العنف الدرامي أو مستوى العنف المادي المحض يبقى له رمزية النار.
ويبقى الأدب في حالة رصد دائم لعمليات التفاعل المعقدة بين الإنسان والمكان فقد يكتشف الإنسان بمواهبه ما يعطي للمكان مميزات لم تكن ظاهرة فيه وقد يدمر الإنسان ببطشه وتهوره أكثر الأماكن عبقرية وفي النهاية يجتمع الإنسان مع المكان الذي يناسبه فيتحكم هو في عبقرية المكان المسخر له في جنات الله أو يتحكم فيه المكان ويصبح هو مرغماً على تحمل كل ألوان العذاب من النار نسأل الله الأولى ونعوذ به من الثانية، ويبقى الأدب مرآة تعرض تلك اللوحات السريالية المتداخلة بمذاقاتها المتباينة ويبقى النقاد في جدال سرمدي حول إدراك تفاصيل هذه اللوحات.

 *ميزة الأدب التشويق للمتلقي 

 ويوضح الروائي حسين الغامدي هيمنة التضاريس على الإبداع الأدبي بقوله الأديب ودون أن يتعمد قدم المكان للقراء بطريقته الشيقة، اختزلها المتلقي في ذاكرته، وكثير من الشعب العربي تعرّف على أحياء القاهرة والمدن المصرية من خلال المسلسلات والأفلام.

آخر مرة زرت مصر أرسلت موقعي عبر الواتساب لعدد من أقاربي، أحدهم بدأ يتأمل في الموقع والأماكن حوله: الزمالك، المهندسين، المعادي.. الخ أرسل لي: عندما يتحول الخيال إلى واقع، أماكن رسخت في ذاكرته منذ الطفوله، لم تصل إلى ذهنه بشكل جاف مثلما يدرسها على مقاعد الفصول الدراسية.. بل وصلت عن طريق الأدب والأدباء..وأحد ميزة الأدب هو التشويق، الأديب يقدم منتجه للمتلقي بشكل ممتع، وفعل ذلك بعض الكتاب السعوديين، عبدالله بن بخيت في شارع العطايف كان يتنقل بالقاريء بين حواري الرياضالقديمة، والمحيميد يوسف في روايته الحمام لا يطير في بريدة تجول بنا في شوارع الرياض، وهكذا فعلت بدرية البشر بل وأغلب كتاب الرواية.. الأماكن تحضر بشكل عفوي فهي جزء من هذه الحياة.

الأدب الغربي يعج بالتضاريس ويتحدث عن الأماكن بطريقة محببة للقاريء.. باولو كويلو في رائعته الخمييائي؛ وصف الصحراء بطريقة مدهشة، بل أنسنها وقال: أنها تسمح للقافلة بأن تعبرها، وهي لا تكف عن الإحساس بكل خطوة من خطواتها، لكي تتحقق من أنها على تناغم معها، ثم تحدث على لسان أحد أبطاله عن سحر الإشارات التي تبعثه الصحراء للقافلة ولقادتها أو الأدلة الذين يعرفون الصحراء ويفهمونها جيداً، وبشكل غير مباشر تحدثت تشارولت برونتي في روايتها جين آير عن السبخات العظيمة الواسعة التي عبرتها البطلة في طريقها إلى التلال، وتحدثت جين أوستن في روايتها عقل وعاطفة عن الريف الرومانسي والحدائق والغابات الواسعة.

ميزة كاتب الأدب أنه يقدم لك الأماكن لتتخيلها بناظريك تراها وتشعر بها، فالقاريء يتخيل السبخات والصحراء والتلال وكأنه يراها بعينيه ويشعر بها بإحساسه، يشعر بجمالها أو خطرها لو كانت ذات خطر، بل أن بعض الروايات جعلت من الأماكن والتضاريس عناوين لرواياتها ومثال على ذلك: مرتفعات وذرينغ لـ إميليبرونتي، والشيخ والبحر لـ ارنست همنغواي، وكذلك الأرض الطيبة لـ بيرل باك والتي رأيت من خلال حروف الرواية المزرعة الصغيرة التي تنمو وتكبر وتتوسع وتتعدد وتصبح مصدر رزق و سعادة لأصحابها

 

*المكان يخلق عالم القصة ويحدده 

ويشرح لنا د.عبدالله الطيب القاص والروائي عن ماهية المكان ودوره المتجذر في النص بقوله : المكان هوالجانب المادّي للبيئة، من خلاله توصف البيئة التي يجري فيها تناول قضايا الكتابة والمهارات الأخرى المتعلّقة باللّغة، ويعدّ بمثابة نقطة انطلاق للمؤلفين في أعمالهم، يستخدمونه لإظهار علاقته بموضوعات نصوصهم، حيث يوفّر لهم الخلفية الثقافية للعمل. في الأدب، عادة ما يجتمع المكان والزمان والأحداث لتشكيل السياق الاجتماعي للعمل الأدبي.

فالمكان عنصر رئيس في الأدب؛ يقول الكاتب والناقد الأمريكي (ويليام زينسر)أنّ كلّ حدث بشري يحدث في مكان ما، والقارئ يريد أن يعرف كيف يبدو ذلك المكان وماذا يشبه“. المكان يضع القارئ، ذهنياً، حيث يريده الكاتب أن يكون، ممّا يعطي القارئ نظرة ثاقبة عن الماضي، التضاريس، الناس، عادات المجتمع، إلخ. يعمل المكان على تنشيط حواس القرّاء وإثارة ردة فعل واستجابة عاطفية لديهم. ويعتمد المكان في الأدب بشكل كبيرعلى الأنماط الوصفية البلاغية. ومع ذلك، فإن ما يثير اهتمام الكاتب قد لا يكون بالضرورة موضع اهتمام القارئ، لذا تقع على عاتق الكاتب مسؤولية جعل المعلومات حية، وتفاصيل المكان هي ما تجعل الكتابة مثيرة لاهتمام القارىء وتحمله على القراءة؛ عليه، يجب أن تكون التفاصيل مهمة بشكل أو بآخر، في البدء، تأثّر الشاعر العربي بكل ما حوله من ظروف و أحداث وأماكن؛ والنصوص الشعرية القديمة احتوت على أماكن مختلفة كالأماكن الطبيعية والتاريخية، مبرزة ارتباط الشاعر بالمكان. فتأثير البيئة العربية على حياة العربي ومشاعره جليّ في إنتاجه الأدبي؛ ولقد فرضت الطبيعة على العربي نظام معيشة خاص ونظام اجتماعي تبلورت منه الأخلاق والطبائع، وتغذّى به الخيال والذوق، هذا التأثير ظهر جليّاً في ظاهرة الوقوف على الأطلال في الشعرالقديم، والمكان له دلالات عميقة في الشعر العربي الذي جمع بين المكان والمرأة، حيث يرمز المكان إلى الفناء والمرأة إلى الحياة، وفي انتقال الشاعر العربي من حياة البادية إلى حياة المدن، انعكس ذلك على شعره، فاحتوى على رموز منها مثل القصور والحدائق، ونشأت مراثي المدن مع انتشار الحروب. لكنه في ذات الوقت لم ينقطع عنالصحراء في الأصل والمرجع. كذلك، احتوى السرد العربي القديم على أمكنة متنوعة مثل الأسواق والمساجد والقصور والمجالسفالمكان يخلق عالم القصة ويحدّده؛ وكلّ مكان يوفّر مجموعة القواعد الخاصة به والتي يتعيّن على الشخصيات اتخاذ القرارات فيها، كما يحدّد المكان الحالة المزاجية للنص الأدبي، مما يساعد في تشكيل المشاعر التي يشعربها القراء. تقول (جوان هاريس)، مؤلفة رواية (شوكولا):في معظم كتبي، يكون المكان بنفس أهمية بعض الشخصيات على الأقل، لأنني أهتم بالطريقة التي يتعامل بها الناس مع بيئتهم، والطريقة التي يظهر بها الناس جوانب مختلفة من شخصياتهم في بيئات مختلفة. المكان ليس مجرد ديكور، ولكنّه بمثابة المحرك في الرواية.” يتأسس المكان الروائي في خيال القارىء؛ ويرتبط ببنية الرواية، ويشارك في تشكيل أبعادها الدلالية، من حيث تعلّقه بالهوية والذات والتاريخ والوطن والقيم. يحاكي المكان الروائي في بعض جوانبه الأماكن الطبيعية، غير أنه لا يتطابق معها تماماً، فهو خاضع للخيال ومتطلباته، المكان عنصر محوري في بنية السرد، بحيث لا يمكن تصور وجود حكاية بدون مكان، ولا وجود لأحداث خارج المكان. والمكان الروائي مبني على اللغة الأدبية، بألفاظها الحاملة لدلالات جمالية وفنية. ويمكن تشبيه المكان في السرد الروائي بالعمود الفقري الذي يربط السرد ويجعله متماسكاً، وليس من الضروري أن يعيش الكاتب في العالم الذي يصوّره، ولا يتعيّن أن تكون هذه العوالم متجذرة في الواقع. مثلاً، مدرسة (هوغوورتس) للسحر للكاتبة البريطانية . ك. رولينغ) و(يوتوبيا) الكاتب المصري (أحمد خالدتوفيق)، مع أنهما موجودتان فقط في خيال المؤلفين، تبدو للقارىء كأماكن يمكن تصديق وجودها، في الوقت الراهن، حلّت أدوات البحث عبر الإنترنت وخرائط قوقل إشكالية حاجة المؤلفين إلى أن تكون لديهم خبرة أولية حول المدن ومواقع الحياة الواقعية قبل الكتابة عنها. في بعض الأحيان، يمكن أن تكون الحياة الداخلية المتخيّلة أكثر وضوحاً من الحياة اليومية المعاشة. وإذا كان من الصعب الكتابة عن مكان بينما الكاتب يعيش في مكان آخر، فالمخيّلة والشوق إلى المكان الهدف خير معين للكاتب على تصويره بطريقة مشوّقة للكاتب ذاته وللقارىءعلى حدٍ سواء. الروائي الفرنسي (مارسيل بروست)، كان يعاني من الربو، عاش في غرفة مبطّنة بستائر ثقيلة لمنع الضوء الطبيعي والهواءهذا الكاتب، مؤلف روايةالبحث عن الزمن المفقود، وهو عمل غارق في التجربة الحسية، يقول إنّهمن الضروري تعطيل الحواس من أجل الكتابة عنها“.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *