الفن التشكيلي السعودي المعاصر بين الحاضر والماضي

 

بسام الطعان*

كانت بدايات الفن التشكيلي السعودي بدايات متواضعة، وقد تأثر بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ولكن التغييرات التي شهدتها المملكة العربية السعودية، والدعم الحكومي الذي قدم للفنون التشكيلية، بدأت المحاولات لمحو الأمية التشكيلية، ولإبراز دور الفنون التشكيلية وأثرها على المجتمع السعودي، وقد ظهرت أثر هذه الجهود على أيدي الرواد الأوائل من فناني وفنانات التشكيل السعودي، منهم عبد الحليم رضوي، محمد سيام، صفية بن زقر، منيرة الموصلي، وأسماء أخرى لا يمكن أن تنسى، وتابع الجيل الجديد هذه الجهود حتى صار الفنان التشكيلي السعودي يمتلك قدرات فنية عالمية.

 دائما قوة الإبداع تتأتى من قوة حضوره، وجماله، وجديته، فمن خلال متابعتي للفن التشكيلي السعودي المعاصر، وبشكل خاص لأعمال وإبداعات بعض الفنانين التشكيليين السعوديين، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر “أحمد الأحمدي، وأحمد البار، ومحمد مظهر، وأسماء الدخيل، وتغريد البقشي، وحميدة السنان وعواطف المالكي، وغدير حافظ، وخلود البقمي وغيرهم” يمكن القول إن الفنان التشكيلي السعودي، حقق حضورًا بهيًا في المشهد الفني بين المبدعين العرب، وبعد أن تجاوز أشكال التعبير الوافدة إليه، وتوصل إلى لغة فنية قادرة على التعبير عن  كل موضوعاته، قدم نتاجًا فنيًا أصيلًا معبرًا عن الواقع.

 إن الفنان التشكيلي السعودي، الذي خاض تجارب عميقة، وقدم الحلول التشكيلية بالتنسيق مع تجارب الفنانين الآخرين، بات له مكانًا بارزًا في المشهد الفني العربي والعالمي، ولكنه تجاوز وتوصل وخاض وقدّم، بات الفن التشكيلي السعودي يتمتع بخصوصية وبملامح فنية راحت تتبلور شيئًا فشيئًا حتى أخذت أبعادها كاملة.

   وما حققه هذا الفنان من إبداع متجدد، يمكن أن ينظر إليه بعين الدهشة والإعجاب في هذه المرحلة، حيث بات  يتمتع بفاعلية الحضور الدائم في المعارض الفنية العربية والدولية، وكل هذا يعتبر ثمرة إبداع الفنان الذي تعب وطور  نفسه وقدم حلولاً ذات تكوينات معبرة ومتعددة المصادر، لتصبح لغة فنية معاصرة، وهذه اللغة الفنية المتميزة، بدأت تتبلور لغة فنية خاصة بكل فنان من الفنانين السعوديين، لها مفرداتها وخصوصيتها وملامحها العامة التي تقدم الرؤيا الجمالية والتعبير الصادق عبر التراث السعودي والتاريخ العربي.

   لقد أعطى الفنان التشكيلي السعودي عبر رؤيته الذاتية، وصياغتها لما هو مرحلي، وتجاوزه للوافد والموروث ضمن تشكيلات فنية خاصة، لها طابعها الفردي، ولها ترابطها مع المشترك، وهو لم يلجأ إلى الطرق السهلة للوصل إلى غاياته، ولم يأخذ بالأشكال الجاهزة، بل سار في الطرق الصعبة ليبدع إبداعا ليس مقلدا، واعتبر الوافد  والموروث من  الأشكال الفنية بداية ومنطلقا، تساعده على التعبير ولا تأسره بالموجود، وأراد أن يخوض غمار التجربة ليكتشف بنفسه ويقتحم الجديد الذي يقدم لنا الخصوصية.

   وكمال الشكل لدى الفنان السعودي لم يكن هو الغاية في حد ذاته، لأنه لم يكن يسعى إلى اتساق التكوينات والتشكيلات وحدها كغاية كما فعل الفنان الغربي المعاصر، بل أراد من الأصالة أن تكون إبداعا يتجاوز (اللعب التشكيلي) إلى تحقيق مضمون له صلته بالواقع وما فيه، ومع مرور الوقت بدأنا نرى أن الأصالة عنده هي الإبداع الذي يتفاعل الشكل فيه والمضمون، بل يستعين بالأشكال الحديثة والمفاهيم الفنية المعاصرة ليقدم الموضوعات الملحة على الساحة، لهذا فهو ربط الحداثة بالواقع، ويقدم موضوعاته عبر أسلوب خاص، وهذا الأسلوب الذي لجأ إليه، يفترض وجود لغة فنية حديثة، لها قدراتها على أن تكون متناسقة عبر سيرورتها، وتفاعلها مع الواقع والأحداث، ولها جذورها العريقة، وصبوتها إلى تقديم ما يتوافق مع طموحه لفن معاصر قادر على المنافسة والبقاء، ويتوافق فيه الخاص والعام، ويتناسق الوافد والموروث، ويتلاءم الشكل مع المضمون.

   وهذا الفنان الذي أمتعنا بلوحات أكثر من رائعة، لم يرض بكمال الشكل وحده، ولا بالمضمون المعبر وحده، أو بالتراث كما هو، وإنما أراد أن يكون لهم جميعًا حضورًا في إبداعه، في كل متناسق، قد يكون أحيانًا على حساب كمال الشكل أو الصورة التي هي غاية الفنان الذي يريد من اللوحة أن تكون كمالًا شكليًا أو متناسقًا بين علاقات لونية أو مساحات ضوئية.

   والفنان التشكيلي السعودي، لم يقف أمام أسلوب دون تجاوزه، ولا عن تيار دون احتوائه، ولا عند صياغة دون تبديلها لتأكيد الشخصية الفنية الخاصة وإعطاء الجديد الملائم الذي هو ثمرة الإبداع الأصيل.

   ونجده ينهل من عدة مصادر ويعيش على أكثر من منطلق، ويتفاعل مع أكثر من صياغة، ليحقق بناء شخصية فنية لها قدراتها المتعددة والجوانب، وحلولها التي ترضى بالسهل والقريب، وباتت لهذا الفنان نكهة خاصة تربطه بواقع معين وبظرف خاص، وبرؤية خاصة، وهكذا يقدم الفن التشكيلي المعاصر كمعملية تفاعل متجدد لا نهائي لقدراته.

   واستطاع أن يجعل الحركة الفنية التشكيلية السعودية، تقدم في كل مرحلة من المراحل وعبر كل ظرف من الظروف ما هو أصيل معبر عن الواقع، وذلك وفق تركيب خاص يجمع بين شروط متنوعة وبين أبعاد مختلفة، بحيث يتلاقى الوافد والواقع والموروث في كل عمل، مع إبراز الشخصي والعام  والمشترك في وحدة متناسقة، وهذه الوحدة تعكس لنا بوضوح رغبة الفنان السعودي لتحقيق أفضل تعبير عن الواقع بمعناه الشمولي كثمرة لتلاقي الماضي والحاضر والمستقبل في وحدة فنية خاصة.

 

 

 

 

 

 

*كاتب وصحفي سوري

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

One Response

  1. مقال رائع ثري الفكر والفهم للفن السعودي… كل فقرة منه أخذتنا بعيون شامية ساحرة إلى فضاء الفن السعودي المتسع… شكرا لهذا الجمال الذي نطمح دوما في قراءة حرفه… لك أصدق التحايا…

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: