ماذا نكتب للأطفال؟

 

 

جمال بركات

ماذا نكتب للأطفال ؟ ووفق أي منهج ؟(3)

سؤال طرحته على نفسي وعلى آخرين ممن يعنيهم بحق ويشغلهم عالم الطفولة، وليس هؤلاء الذين يجمعون كلمة من هنا وعبارة من هناك ليصنعوا لأنفسهم رصيدا سطحيا كاذبا في عالم الكتابة للأطفال، وهناك من الكتاب الجادين من ينتظرون منذ سنين طويلة تبلور الفكرة في رؤوسهم لإيصال هدفهم السامي، ولو كانوا قد ساروا على منهج السطحية السائد والمنتشر لكان لهم عشرات الكتب منذ سنين بعيدة

نعود إلى الشق الأول من سؤالنا ماذا نكتب للأطفال؟

سأعود وأقول نكتب لهم ما يرسخ في  أذهانهم القيم والمبادئ والمثل العليا، ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء

هذا ما نحاول أن نرسخه في أذهانهم لينعكس على السلوك الخاص والعام داخل مجتمعهم الصغير ومجتمعهم الكبير وعالمهم الواسع، فإذا ما ساد هذا السلوك أصبح العالم جميلا سوي الأفعال و نبيل المقاصد

والقيم والمبادئ والمثل العليا لا خلاف عليها في العالم من أقصاه إلى أقصاه ومنذ بدء الخليقة مهما تعددت  الأديان أو العادات والتقاليد والأعراف، ولو طبقت كما يجب أن تكون لسادت المحبة والسلام كل أرجاء الأرض.

نكتب للأطفال أيضا ما يوسع أفقهم ومداركهم  ويحرك مكنون الذكاء داخل عقولهم ليجعلهم يشاركون  الكاتب في البحث عن حل لمأزق ما أحاط ببعض الأشخاص، أو البحث عن سبيل ما لوقف عدوان قوة ماكرة تهاجم الطيبين الآمنين، فتسلبهم الأمن، وتسلبهم أيضا ما يملكون وتؤثر على حياتهم الحاضرة والمستقبلية.

‏تنمية قدرات الطفل عبر قصص الأطفال من الأمور الهامة  جدًا والتي تنشئ لنا أطفالا من ذوي القدرات المتميزة  في كل المجالات، وتجعل  كل طفل  يضع لنفسه هدفًا منذ صغره يحاول الوصول إليه بحب وعزيمة وإرادة قوية

وسنقر بأهمية الأمر عندما نلقي نظرة بسيطة على المستقبل لنرى هؤلاء الأطفال وهم في مواقع أطباء المستشفيات وعلماء المعامل ورؤساء الشركات،  بل والوزراء ورؤساء الوزارات وقادة الجيوش  ورؤساء الدول وملوكها.

إذن نحن نريد زرع القيم والمبادئ والمثل العليا إضافة إلى تنمية المهارات النافعة

لكن كيف نقدم لهم ذلك ونجعلهم يقبلون عليه؟

لابد لمن يقدم ذلك أن يكون موهوبًا بالفعل وليس كاتبًا فاشلًا في فرع من فروع الأدب هرب منه للكتابة للأطفال، ولابد أن يكون مؤهلا ثقافيا وليس شخصًا سطحي المعلومات، فيجب عليه أن يكون ملما بكل مفردات الموضوع  الذي يكتب عنه ليختار ما سيكتبه للطفل وما سيتركه،  أما إذا كان لديه القدر الضئيل من المعلومات فإنه سيضخه داخل ما سيكتبه للطفل بغض النظر عما إذا كان سيفيد الطفل أم لن يفيده .

‏يجب أن يكون كاتب الأطفال ملما باللغة، لا أقصد القواعد اللغوية مع أهميتها بالطبع، ولكن  أقصد  الإلمام الذي يمكن  الكاتب من أن يختار المفردة السهلة التي تناسب عمر الطفل الذي يكتب له، والعبارة السلسة التي تقود إلى ما بعدها.

بقي أمر آخر بدونه يكون كل ما سبق أضعف من أن يتواصل مع الطفل وعالمه،  هذا الأمر متعلق بعنصر التشويق، وهو العنصر الذي يجعل أي قارئ يتابع قراءة الصفحة الثانية والثالثة والخمسين والمئة، أو ينصرف عن العمل الأدبي بعد قراءة بضعة أسطر من الصفحة الأولى، ووجود عنصر التشويق من عدمه يرتبط بمدى قدرة الكاتب  وحجم موهبته  واندماجه في عالم الطفولة.

وكل ما سبق هو رؤية مبدع طرحتها عبر عشرات السنين وآلاف الندوات والمحاضرات بعيدا عن أحاديث بعض الأكاديميين الذين يحفظون عبارات عن ظهر قلب يرددونها في كل محاضرة وندوة ومقال وحوار، وإذا سألهم كاتب مبتدئ كيف يصلح عمله أصابهم الارتباك والتوتر.

أدب الأطفال هو بحق أدب المستقبل، ومن المفرح والمبهج  وجود موجات رائعة منه بدأ عبيرها يفوح وينطلق من بستان السعودية والخليج العربي متفوقة على أماكن أخرى سبقتها بسنين طويلة،  وهذا موضوع آخر قد نتناوله  في مرة قادمة.

 

*كاتب وروائي  للأطفال _ مصر

@writer702

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

16 Responses

  1. أستاذنا الأديب الكبير المعلم جمال بركات
    كلام درر اعتدنا عليه في زمن الإبداع الجميل
    ونشكر مجلة فرقد على هذه العودة الحميدة

  2. أستاذنا الكاتب الكبير الرمز جمال بركات
    نحن بالفعل نحتاج إلى غربلة كتاب الأطفال وسط هذه الفوضى الضارة
    جزء كبير كبير من كتاب الأطفال غير مؤهل لكتابة أي شيء فما بالنا بالكتابة لأخطر فئة وهي فئة الأطفال الذين في مرحلة التكوين والبناء
    كل التحية والتقدير

  3. كاتبنا الكبير الرمز ووالدنا الروحي العزيز جمال بركات
    أحسنت وأفصحت وأوضحت
    ألف ألف تحية

  4. معلمنا الكبير الأديب الرمز والوالد الروحي للمبدعين جمال بركات
    على مدى عشرات السنين كنت تعلم المبدعين في الندوات والأمسيات والملتقيات كيف يكون الإبداع
    لكن مع مرور الوقت وطوفان المتغيرات سيطر أهل الزيف على المشهد وسادت التفاهة وخاصة في أدب الأطفال
    وما زال لدينا الأمل أن يأتي الإصلاح على يد أمثالك

  5. الكاتب والأديب الكبير والمعلم والأب الروحي للمثقفين جمال بركات
    هذا الكلام بحق درر ولآلي لمن يدرك قيمته ومعناه
    بناء الطفل من الناحية الثقافية أمر من أخطر الأمور لمن يفقه معنى بناء الطفولة
    ويجب على ولاة الأمور أن لايتركوا الحبل على الغارب لمن يكتب للأطفال دون فحص وتدقيق
    والجاهل الذي نتركه يكتب للأطفال كل ما يفعله هو أن يسقيهم جهله ويسطح أفكارهم فيعيدهم خطوات إلى الوراء
    وأنا هنا ربما أقتبس بعض عباراتك التي لم تغادر أذني منذ أن سمعتها منك منذ أكثر من عشرين عاما
    كل التحية والتقدير لمعاليك وللمجلة الجميلة

  6. أستاذنا الأديب الكبير جمال بركات
    أنت الوالد المربي الذي اعتدنا التعلم منه حتى وهو في سن الشباب
    اللهم اعطك الصحة والعافية واجعلك زخرا للثقافة السوية النافعة للناس
    كل التحية والتقدير

  7. الأستاذ الكبير الأديب المعلم جمال بركات منارة الأدب والثقافة
    هذا هو الكلام المفيد لمن أراد أن يعلم ويتعلم
    أحييك من قلبي

  8. أستاذنا الأديب الكبير المعلم للأطفال والكبار..
    صدقت أدب الأطفال هو المستقبل ..
    أستفدت شخصياً من مقالك هذا ..
    وهذا ما أبحث عنه اسلوب خبير في مجال الكتابة للأطفال ، واضح ومفهوم وكأني حضرت دورات تدريبية عن الكتابة للأطفال لأنها تهمني ..
    اتمنى أن اشارك في ورشة للكتابة للأطفال بقيادتك لأن لك باع طويل وهو مجالك من سنوات وسنوات
    وأنتظر مقالاتك عن الروايات التي فاح عبيرها في السعودية والخليج والوطن العربي الكبير ..
    اشكرك وجزاك الله عنا خيراً..

  9. الأديب الكبير والأستاذ المعلم جمال بركات
    هذا الكلام بحق عين الصواب من أديب حقيقي يعرف قيمة الكلمة وتأثيرها
    ومع كامل الأسف بالفعل امتلأت الساحة الثقافية ببعض من دخلوا مجال الكتابة للأطفال وهم غير مؤهلين لاعلميا ولا ثقافيا ومن ثم فالأضرار الناتجة عن كتاباتهم ستكون كبيرة
    ولذلك فأنا ممن يطالبون بأن يفرض على كاتب الأطفال أن يوضح مؤهلاته وخبراته قبل إجازته ككاتب أطفال حماية لأطفالنا
    كل التحية والتقدير

  10. شكرا لهذا التنبيه والالتفات المهم ولا شك استاذنا الفاضل ان للطفل قاعدة ومساحة ذهنية جاهزة للالتقاط والتخزين ..وباختلاف الوسائل لاشك يختلف الاسلوب في التقديم، ومن طبيعة الطفل يتعلم بالحركة لا بالتلقين وهنا في زمن التقنية والسرعة صار على الكاتب أن يعي اختزال العبارة وحركتها مع العنصر الثابت في كل كتابة “التشويق” والانسب للطفل “الكوميدي” وهنا اصبح لزاما ان يكون كاتب قادر وذكي يحمل تخصص علمي في شان الطفل ومن بعد نحتاج لمؤدي الحركة التي يبغي لها نقل وغرس الفكرة

  11. أستاذنا ومعلمنا الأديب الكبير جمال بركات
    بالرغم من أسلوبك البناء الذي يهدف إلى صالح الإبداع وصالح الأجيال بل وصالح البشرية إلا أن هذا الإسلوب بطرحه الواضح خلق لك العديد من الأعداء الذين وضعوك في خانة الخصم الهادف إلى هدمهم…ذلك لأن كلماتك تفضحهم وتكشف قدراتهم الحقيقية التي يزينوها وأعوانهم ممن أسميتهم دائما بالعصابات الثقافية للمحيط البشري على أنها الإبداع الحقيقي ويرون أنك تشكل أكبر خطر عليهم
    وأنا شخصيا حزنت وأنا أستعرض لجان المجلس الأعلى للثقافة وأجد الأسماء الهامشية تحتل المتن…نعم وضع ثقافي زائف أستاذنا
    كل التحية والتقدير

  12. مقال رائع لأستاذ كبير رائع
    كل من عاصر ندوات المبدع الكبير جمال بركات وقرأ بعض أعماله عرف طريق الإبداع الجيد وعالم الصدق
    جمال بركات النموذج السوي لللإبداع وللصدق الإيداعي
    ولقد قالها الأديب الكبير عبد العال الحمامصي في ندوة عامة وعلى صفحات جريدة المساء
    قال: جمال بركات هو الأديب كما يجب أن يكون إبداعيا وإنسانيا
    أي أنه الأديب النموذج لمن أراد أن يتعلم
    تحية لك أيها الكبير

  13. فتح الله عليك وزادك من علمه وكرمه أستاذنا الكبير وأديبنا الرمز جمال بركات
    أنت تقوم بدور ثقافي كبير منذ عشرات السنين
    توجه وتنبه وتحذر والأمر بعد ذلك لله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *