جماليات المكان في رواية (الأديرع) لـ صالح العديلي

جماليات المكان في رواية الأديرع لـ صالح العديلي

رشيد بن سلمان الصقري*

تحرير- ساعد الخميسي

تعتبر الرواية من أهم الأجناس الأدبية الحديثة، كونها تعالج مختلف الإشكاليات الاجتماعية والفكرية والثقافية المتشعبة من جهة، ولكونها أيضا وعاءً فنيا لمختلف الأجناس الأدبية المختلفة من جهة أخرى، ويعد المكان بوصفه تقنية فنية لازمة في الرواية وعنصرًا حيويًا في تشكيل البناء الروائي لها فهو من أهم العناصر التي تشكل جمال النص، إذ أن المكان الجغرافي يؤسس لغة تشكل النص عبر الجمالية المكانية. فالروائي يرتبط ارتباطا كبيرا بالمكان الذي ولد فيه وعاش عليه، فشده إليه، وتغنى به في نثره. حتى وإن كان بعيدًا عنه جغرافيًا، فهو قريب منه نفسيًا وروحيًا، وهذا ما سنحاول الكشف عنه في رواية الأديرع للروائي صالح العديلي.

أولًا: المعجم السردي.

تتطور المصطلحات السردية باستمرار في الإنجازات الأدبية، وصارت تظهر بين الفينة والأخرى معاجم ودراسات خاصة تعنى بالمصطلح السردي. و مرد ذلك إلى الاهتمام المتزايد بالسرد وبمختلف تجلياته في الأبحاث المتعددة الاختصاصات وباختلاف اللغات.

1: الألفاظ.

تتميز لغة الكاتب بالبساطة والسهولة والدقة، كما تتميز بخلوها من الغرابة والصعوبة، وكثيرًا ما يستمد معجمها من فضاء الرواية، كفضاء الأديرع والبر والقرية و المزرعة، فيختار لكل فضاء ما يناسبه: الألفاظ الخشنة الدالة على قسوة الطبيعة وعنفها في الأول.

فعند حديث الراوي عن موضوع يدور في القرية أو في البادية يميل لاستخدام لغة سهلة وبسيطة من ذلك ما نجده في الحديث الذي دار بين سائق الوانيت و ابو مشعان حيث يقول:

“اشتغلت بكل ديرة، لكن أنا أكثر ما اشتغلت في المدينة وصرت تالي الوقت أحرص أن أصلي الأخير بالحرم النبوي، ولو أنه بعيد، وعقب الصلاة بيوم من الأيام لقيت ابن حلال عزمني معه على ربعه وجماعته، ودخلت عندهم وتعشيت من نعمة ما شفته بحياتي، وصرت أخلي اخوياي أهل العصيدة لكن هذولاء فساقي، ما يقدرون النعمة، عقب ما يغسلون يديهم يبدون بغنا ودق ورقص إلى الصبح.

عند النظر في النص السابق نلاحظ ميل الكاتب للألفاظ التي تحمل عبق الحياة البسيطة والتي تبتعد عن التكلف في التعبير، وكلما ابتعدت الرواية عن التكلف اقتربت من الواقع وقلب القارئ فحملته إلى تلك الحقبة الزمنية.

كما أن الكاتب ينوع بين مستويات الألفاظ المستخدمة في الرواية ويعود ذلك إلى طبيعة المشهد السردي، وإلى الشخصية المتحدثة فنجد ذلك في الرواية حيث يقول:

“حدق في وجهها الوديع تتناثر كلماتها البريئة بين شفتيها كطفلة صغيرة فقدت عروستها، لم يستطع النظر إليها غاضبة، لم تغضبه صراحتها ولم تثره كلماتها القاسية، أحس فقط بمزيد من الألم يسري قي عروقه.

هل أنا حقًا مثلما قالت ؟

ما الذي فعلته لتسمعني كل هذا الكلام ؟

ما الذي حدث ؟

هل أستحق كل ما سمعت من تعنيف ؟

لماذا تغتاظ من أصدقائي ؟ “

بعد قراءة النص السابق والتأمل به وبمقارنته بالنص الذي سبقه نلاحظ أن مستوى اللغة الألفاظ المستخدمة فيه قد تغير وتحول إلى مستوى آخر وذلك لاختلاف الشخصية والمشهد السردي الذي ينطق به شخصية مختلفة الثقافة والبيئة.

وغالبا ما يتكئ الكاتب على الجمل الفعلية القصيرة، في نصوص رواياته، لتجسيد أفعال شخصياته وأفعالهم، وقد تطول جملة أحيانا، بطغيان السرد على الحوار. ولعل ما يلفت النظر أكثر في هذه الرواية أنها تعتمد على الألفاظ الوسطى المعتدلة، فهي لا ترتفع إلى حد الإفراط، أو التقعر اللغوي، ولا تسف أو تنزل إلى الركاكة.

وبهذا اسند الكاتب لكل شخصية لغتها الوظيفية التي اكتسبتها من واقعها وثقافتها. من ذلك ما نجده في الرواية حيث يقول الكاتب في وصف أحد الشخصيات ( ما يستحي طايره حمامة وجهه، نمرود أفعى يحول ولا يحال عليه ) وعلى العموم فإن لغة الرواية ( إن في بنيتها السردية أو الحوارية) تميزت بأسلوبها السهل النقي، وقد يحدث أن يستخدم بعض العبارات العامية، أو بعض الأمثال الشعبية (طايره حمامة وجهه، مليان لشوشته) أو بعض المقاطع من الشعر، لكن ذلك لا يخل بجزالة اللغة ولا بنقاوتها؛ لأن الكاتب في هذه الحالة، يلجأ إما إلى تفصيح الظواهر السابقة، أو إلى توظيفها توظيفًا فنيًا بارعًا، لا يعكر صفاء الفصحى ولا يخدش جمالها.

يحدث كل ذلك دون أن يشعر القارئ به فيجوب الصحراء ويتسامر مع سكانها وينتقل للمدينة ويخالط مجتمعها من خلال ألفاظ شكلت قدرة تعبيرية متميزة.

2: التركيب اللغوي.

عند النظر في الرواية نلاحظ أن التركيب اللغوي فيها ذات مستويات متعددة، يعود ذلك للمستوى الثقافي والاجتماعي والبيئي لشخصياتها؛ إذ لا يمكن مثلًا أن يجعل لغة رجل من العامة، ذا مستوى ثقافي بسيط، هي نفسها لغة مثقف ذا منصب أو علم أو حتى ذا طبيعة بيئية مختلفة.

من ذلك ما نجده في الرواية حيث يعقد الراوي مقارنة بين طبقتي الصيادين فمنهم من يسعى وراء الترف ببندقية جديدة مخصصة لذلك أو بسيارة والبعض الآخر يعتمد على الصيد كوسيلة لكسب الرزق الحلال وشتان بينهما. مستخدمًا ضمير الغائب هو و هم ومعتمدًا على الجمل الفعلية القصيرة حيث يقول:

“بعض الناس يتخذ من الصيد هواية يقضي بها وقت فراغه، ويوفر ما يحتاج لها من أدوات صيد، وبنادق خاصة ن وقوية ن وبعضهم يطارد الطيور بسيارته في اشجار الطلح والأثل في الأودية المجاورة، أما البعض الآخر فهي مصدر رزق لهم، ورزق أولادهم، فهم يجندون أنفسهم وأولادهم، مستخدمين بنادق قديمة أو ما يعرف عند سكان حارة الوادي ب”النبابيل”وينثرونهم في الحقول لجلب هذا الرزق الحلال الذي لا يتوفر إلا في هذه الأيام من السنة”

كما لا يعقل أن يساوي في الحوار بين ما ينطق البدوي ابن البادية و التاجر أو ابن المدينة بمستوى لغوي واحد. ومن هذا المنطلق، فإن لغة الرواية تتعالق فيها عدة مستويات لغوية وتتقاطع، لتؤلف نسيجًا نصيًا منسجمًا ومتناغمًا، يمزج فيه الروائي القدير ببراعة فنية، بين لغات شخصياته على المستوى الأفقي (الانتماء الجغرافي للشخصيات) أو العمودي (انتماء الشخصيات لسلم اجتماعي طبقي..أو تاريخي ).

والخلاصة هي أن ما يميز كاتب رواية عن آخر، هو هذه القدرة العجيبة على نسج نصي تتألف وتتناغم فيه أصوات مختلفة قد تكون متنافرة فتكون سنفونية رائعة. أو لوحة فنية خالدة وقد برع صالح العديلي في ذلك حيث يتضح هذا من خلال روايته الأديرع.

3: الأساليب الجمالية.

لا خلاف أن سر الفاعلية في التلقي هو القارئ الذي سيجد في لغة الرواية سحرين: سحر اللغة وجمالية رسوخها وعبق التراكم التراثي فيها، وسحر اللهجة العامية ببساطة تلقيها ومعتادية تداولها وهي تمتزج بواقعية مع اللغة الفصيحة، فتغدو معتادة طيعة ويومية. الأمر الذي يعمق الإيهام السردي ويحقق التشويق الذي فيه يتأثر القارئ بعالم الرواية الافتراضي.

من ذلك ما نجده في الرواية حيث يقول:

“رائحة روث البهائم، ورائحة الأرض التي حرثت لتوها، وأسقيت ورويت بالماء بعد ظمأ سنوات تعاقبت عليها ورائحة ثمار النخيل بعد تقطيع”كافرتها”وتأبيرها تمتزج لتشكل خليطًا منعشًا لا يوجد إلا في الوادي، ولا يستمتع به إلا سكانه فهو بالنسبة لهم رمز للنماء ووفرة للإنتاج وبشرى سارة بمواسم غنية بالثمار والحبوب والتمر تزفها لهم الرياح التي تتخلل أشجار ونخيل الوادي وتتسرب إلى أنوفهم مع بداية السهر والسمر وموعدهم مع القمر”)

من خلال النص السابق نلاحظ أن الكاتب ربط الشخصيات بواقعها البيئي ونقل لنا هذه المشاهد بطريقة جمالية احترافية جذبت القارئ بهذا يكون قد نجح في توصيل رسالته التثقيفية إلى جانب رسالته الفنية، مزاوجاً بين متانة الألفاظ ويُسرها، ولا سيما إذا رافقت هذه المزاوجة مرونة في التصوير وبراعة في التخييل.

حيث نجد أن صالح العديلي قد مزج بين هذين المستوىين التعبيرين من مستويات اللغة والثقافة”الفصحى و العامة و الشعبية والمدنية”وقد برع بهذا المزج و قدم لنا مشاهد تعبيرية فريدة شكلت جزء من تفرد الرواية وتميزها.

ثانيًا: مظاهر التشكيل اللغوي.

تتناول هذه الجزئية قراءة في جماليات التشكيل اللغوي لرواية الأديرع التي جاءت محلّاة بلغة شعرية رامزة فيها الكثير من فائض المعنى.

وهو ما أضفى على الرواية وسردها حضورًا مكثّفا قوامه اللغة الشعرية التي استطاع أن يعبّر من خلالها عن ثنائية الماضي والحاضر واللذة والألم وعن الموت والحياة.

1: التضاد.

تزخر رواية الأديرع بكثيرٍ من هذه المفردات التي تحمل هذا الأسلوب اللغوي حيث

تضجّ الرواية بالأحداث وتسافر بالقارئ بين الحاضر والماضي والقرية والمزرعة لتصل إلى المدينة وغيرها فهي حكاية تضاد: الحياة والموت، الانتصار والفشل، الأمل واليأس.

يقول الكاتب:

“ليلة مخيفة قضاها سكان الوادي في سفوح الجبال المجاورة، امتزج فيها الحب والخوف والمتعة والقلق والذكرى، والتفكير وإعادة التفكير، فهي للشباب مغامرة جيدة لم يعهدوها من قبل، ولبعض صغار الحارة نقش حفر في الذاكرة ومن المستحيل ازالته أو نسيانه وهي للمطالبين بترع الأملاك وتوسعة الوادي برهان عملي يذكرون به من لم يقتنع بهذا الخطر الذي يداهمهم كل حين”

كما أننا نجد توظيفًا لنوع آخر من التضاد وهو تضاد الشخصيات حيث نجد أن شخصيّة عتيق مثلًا قد أخذت بُعدَيْن، بُعدَ الرقّةِ والقوّة، بُعدَ الهدوء، فخرجتِ الشخصيّة من نمطيّتِها، وأصبحت تصرّفاتها غير متوقّعة.

من خلال النص السابق نجد أن الراوي قد اعتمد في بنائه على الكثير من الثنائيات الضدية التي تقدم بدورها بعدًا صوريًا يحمل المتلقي لعالم الادارع وكأنه يعيش لحظاته دون انقطاع حيث أننا نجد الراوي يجمع بين:

الأمل واليأس، الحب والكراهية، الطمأنينة والخوف، الشباب والشيخوخة، الرضى وعدمه، الماضي والحاضر والمستقبل.

وكل هذه تحمل في طياتها الخير ولتفاؤل بحياة جديدة قادمة حيث الموسم ونزول الأمطار التي تحمل دلالة الانبعاث من جديد والانتصار على الضعف والهزل والمرض والفقر.

2: التناص.

تتواشج النصوص وتتجاور فتتعالق وتتنوّع وتتعدّد ضمن النص الواحد مستوعبة إياه في تناصية جامعة. كما تتنوّع الإحالات المرجعية فيه متفاعلة فيما بينها مشكّلة أهمّ مكوّنات الخطاب في العمل الأدبي، سيّما جنس الرواية لما تنطوي عليه من إيحاءات دلالية ووظيفية ولما ترشح به من أبعاد فنية ومرجعية. فالنص الروائي هو نسق لغوي قابل للإنجاز والتأويل، والقراءة النموذجية التي يمكنها أن تفّعل النص في علاقات بنصوص أخرى، فالنص يتمثل ويفهم على نحو علائقي موصول بنصوص أخرى تتفاعل فيما بينها. وينهض التفاعل النصي على استدعاء النصوص السابقة في نص لاحق للتفاعل معها وإعادة إنتاجها من جديد.

من ذلك ما نجده في الرواية حيث يقول:

“فتحتم في كل زاوية من زوايا وطنكم فرعًا لسوق عكاظ زينتم منابركم، وفرشتموه بالسجاد الفاخر، وتوافد عليه الشعراء والخطباء من كل حدب وصوب، وصاروا يتغنون فيه ببطولاتهم المزعومة، وبأبطالهم الوهميين والخرافيين الذين لا يقدمون ولا يؤخرون في مسيرتكم وفي مناحي حياتكم “

وهذا تناص تاريخي مع سوق عكاظ وهو أحد الأسواق الثلاثة الكبرى في الجاهلية.

حيث وظف صالح العديلي هذا الجانب في روايته وخدم بذلك المشهد الروائي فنجده يشير إلى السوق وما كان يحمله من دلالات ثقافية فالشاعر والخطيب وغيرهم كلٌ يتنافس مع غيره أمام ناقد بارع فنجد الشاعر يتغنى ببطولات وهميه ويمتلك قوى خارقة في مواجهة الشدائد وهذا ما نجده في مواجهة عدو ما في وقتنا الحاضر من وجهة نظر الكاتب حيث أننا نتغنى بقوى وهمية وأننا سنفعل ما لم يفعله غيرنا وللأسف تبقى هذه الأفعال في الخيال فقط ولا تتعداه.

كما أن الراوي يوظف القصص التاريخية والحروب في الرواية ويشير إليها حيث أنه يشير إلى الحياة الاجتماعية السابقة وآلياتها لينتقل للجانب الديني والدعاء والتضرع للمولى لسد حاجة دنيوية وذكر الصلوات وخاصة الفجر والعشاء منها.

3: الترادف.

هو ما اختلف لفظه واتفق معناه أو هو إطلاق عدة كلمات على مدلول فهو عبارة عن الاتحاد في المفهوم فمن نظر إلى الأول فرق بينهما ومن نظر إلى الثاني لم يفرق بينهما.

يقول الراوي”مع احتماء حرارة الشمس وبداية اصفرار العشب نهاية الربيع تبدأ جموع البدو في البراري القريبة من الوادي في الاستعداد للعودة إلى أطراف الحارة، يحضرون في بداية الصيف وينصبون بيوتهم في الوادي أمام مزارع اصحابهم، ويشاركوهم في جني محاصيل القمح والتمر، حقهم من القمح معروف في كل عام وحقهم من النخيل والتمر والبرسيم ولا يختلف عليه أحد، ومياه الآبار مصادر لشرب بهائمهم”

وهذا ما نجده في رواية الأديرع حيث نجد مجموعة من الألفاظ المستخدمة في النص السابق تدور حول الأديرع وهو المكان الأشمل فنجد الوادي والمزرعة والمسكن والآبار وغيرها تدل على مكان وترتبط ارتباطًا مباشرًا بعنوان الرواية”الأديرع”وتشير إليه حتى تبلغ الحس اليقيني به، ويتحول المكان من التصور الافتراضي الى حقيقة صامدة، وهذا يحسب للرواية ولصالحها، ويدعم علاقة المتلقي بها ايضًا، ويسعى المتلقي هنا الى ملامسة ذلك المكان، وليس تصوره فقط.

ثالثًا: جمالية صورة المكان:

إن صورة المكان تقوم على تصوير لغوي وعقلي وذهني وخيالي وحسي، قد تنقل العالم الواقعي أو قد تتجاوزه إلى عوالم خيالية وافتراضية أخرى. لكن أهم ما فيها هو طبيعتها اللغوية والفنية والجمالية الخاصة، وارتباطها بمتخيلات غنية وثرية حيث تنقسم إلى:

1: الصورة الجزئية.

تتسم الصورة الكلية بالحضور الفعلي داخل النص كصورة المزرعة والمنزل والبيشة وغيرها من ذلك ما نجده في الرواية حيث يقول الكاتب واصفًا الباب الخشبي المتهالك:

“لم أعد أحتمل هيئتي بين هذا الركام المتطاير بابنا الخشبي القديم شكلت فيه جحافل النمل خرائط لأزمنة مضت لم يعد قادرًا على حماية نفسه منها تداعى وسقط على قفاه مغيبًا كل ما وراءه، خزان الماء الاسطواني تناهشته يد السنون وأنهكته حتى لم يعد قادرًا على الاحتفاظ بنفسه قائمًا”

بالنظر إلى النص السابق من الرواية نلاحظ أن الكاتب عبر عن تهالك الحياة وهزلها حيث أن الباب لم يعد يقوى على الصمود واقفًا فمن أكبر تحديات الباب الضخم هو الصمود أما نمل يخترقه.

أو خزان ماءٍ ضخم يكاد أن يتلاشى أمام الزمن دون أي مفسد أو عدو غير الوقت.

وهذه صورة لجزء من كل وهو الأديرع وما حمله من تفاصيل بادت وكأن الكاتب يستسلم للزمن ومتطلباته فمن كان قوي يهابه الجميع يتكفل به الزمن ليرديه ضعيفًا لا يقاوم أبسط مخلوقات الله، فهي سنة الحياة ومدار الكون.

2: الصورة الكلية.

أما هذا النوع من الصور لا يمكن إدراكه إلا بعد الانتهاء من الإطلاع الكلي على المتن فهو لا يتحقق إلا في الإطار الكامل كصورة الأديرع وهو وادٍ كبير يجري في منطقة الثنية التي تقع في حائل. يبلغ طول الوادي 130 كم ومتوسط انحداره. ينبع من قرية العقلة، ويصب في الخاصرة التي تقع جنوب غرب بقعاء الواقعة شمال شرقي حائل

فجل الأماكن الواردة في الرواية تصب في صورة الوادي كما أنه يتخذ من هذا الوادي العظيم وتفاصيله نظرة كونية عامه حيث انعدام الاستمرارية لمخلوق في هذا الكون فالقوي اليوم هو ضعيف في الغد القريب.

شعرية المكان.

يمكن القول بأن المكان كعنصر سردي لا يكون منعزلًا عن باقي العناصر السردية الأخرى، بل يدخل في علاقات متعددة مع المكونات الحكائية للسرد: كالشخصيات والأحداث والرؤى السردية، وعبر هذه العلاقات المركبة يُقدم المكان دوره النصي داخل السرد.

وقد استطاعت الشعرية الجديدة ان تجعل من المكان عنصرا حكائيًا بامتياز، إذ أصبح مكونا أساسيا في الآلة الحكائية، ورفعت بذلك اللبس الحاصل في علاقة الفضاء النصي والفضاء المكاني والفضاء الواقعي.

1: التجسيد والتشخيص.

هو أنَّ تحول الشيء المعنوي إلى شيء مادي ملموس وقد وظف صالح العديلي هذا الاسلوب التعبيري في روايته وربطه بالمكان ليتضح مدى تداخل المكان”الأديرع”في حيات ساكنيه حيث يقول:

“لم أعد أحتمل هيئتي بين هذا الركام المتطاير بابنا الخشبي القديم شكلت فيه جحافل النمل خرائط لأزمنة مضت لم يعد قادرًا على حماية نفسه منها تداعى وسقط على قفاه مغيبًا كل ما وراءه، خزان الماء الاسطواني تناهشته يد السنون وأنهكته حتى لم يعد قادرًا على الاحتفاظ بنفسه قائمًا”.

لقد رسم لنا الكاتب لوحة فنية من خلال التشخيص حيث أن الباب الذي يتصف بالضخامة والهيبة يستسلم أمام نمل يتخذ من أطرافه مسكنًا له ويضعفه في كل يوم.

فالباب وهو جماد يأخذ صفة الانسان وهي القوة والدفاع عن النفس ومع مرور الزمن تتحول هذه الصفات إلى الضعف والهوان حتى تصل إلى الاستسلام.

هذا ونجد أن الزمن يتحول إلى صورة الوحش ويتخذ من صفة النهش صفة له حيث أنه ينهج خزان الماء ويشتت أجزاءه ولا يقوى هذا الضخم على حماية نفسه.

لقد برع الكاتب في نقل المُسلَّمات الكونية من خلال هذا التشخيص حيث أن الزمان يتكفل بإضعاف كل قوي ونحته ليصل إلى مرحلة الاستسلام والعودة إلى أحضان الطبيعة من حيث نقطة الانطلاق.

يربط الراوي بين المكان وساكنيه ويعود للتأكيد على طبيعة العلاقة بينهما فالمزرعة مكان جزئي من المكان الكلي وهو وادي الأيرع فإذا كان الكل يحتضن ساكنيه فن الجزء يكرمه ولا يدع له حاجه.

كذلك ما ورد في الرواية حيث يشبه الراوي الوادي بالانسان الذي يشيب والأمراض كذلك حيث تفسد الارض حيث يقول:

“ترهل الوادي وشاخ، وعاثت وعبثت فيه الأمراض من كل جانب “.

هذا المكان صاحب العلاقة المختلفة وكأنه يشيب بفعل الزمن وهموم أهله فأصبح كالكهل الذي لا يقوى على الأمراض وآلامها ولكن سكانه يرفضون الإستسلام ويتمسكون به ويحافظون عليه كنوع من أنواع رد الجميل.

كذلك ما نجده في الرواية حيث يقول الكاتب:

“الأيام تجري مسرعة لتقودها إلى فراق مبكر يولد مع ولادة حبهما، والقدر يخبئ لهما معاناة أخرى لم تكن بالحسبان”

حيث يمنح الراوي صفة الجري والحركة للأيام رغم أنها من صفات المخلوقات الحية كما أن القدر يخبئ لهما معاناه أخرى.

فمن خلال هذا التشخيص يطح الراوي فكرة الايمان بالله والاستسلام للأقدار فهي تقدم لنا كل ما بجعبتها مع مرور الزمن الذي يتصف بالسرعة والجري.

من خلال ما سبق ندرك أن الكاتب قد أجاد استخدام هذا الأسلوب التعبيري – التشخيص – في روايته وتمكن من خلاله أن ينقل للمتلقي العديد من آرائه ومدركاته الشخصية ويقدم عليها الحجة والبرهان بطريقة متميزة.

2: الترميز.

التّرميز هو أن يقوم الرّوائيّ بِمَحوَرةِ قضيّة من القضايا أو شخصيّة من الشخصيّات، أو موضوع من الموضوعات؛ فهناك ترميز القضيّة أو ترميز الموضوع أو ترميز الشخصيّة كرمزيّة المكان في الرّواية وهو ترميز مهمّ اهتمّ به الرّوائيون العرب وغيرهم فظهرت أنواع كثيرة من الرّموز ومن الدّلالات التّرميزيّة للمكان، شكل المكان فيها رمزاً إيجابيّاً في كثير من الأحيان كما وجدناه في رواية الأديرع حيث يطالعنا المؤلف بمسمى الأديرع وهو اسم مكان مشهور في المملكة بشكل عام وفي حائل بشكل خاص لأنه جزء منها، فيجعل منه رمزًا ايجابيًا يحمل في طياته شتى أنواع الثقافة وأشكال الحياة المتباينة بعلاقة مختلفة قد نشأت بينه وبين من سكنه.

من ذلك أيضًا ما نجده في الرواية حيث يقول:

“لو أنا تركتها، لو هي استرسلت، فلن تتردد في تقديم مستقبلي لي على طبق من الدولارات. تطوعت بعد فراغها وبدأت بسؤالي عن اخوتي واحدًا تلو الآخر وصفتهم لي واحدًا واحدا. “

وهذا التعبير يحمل رمز الحياة المترفة، الذي وظفه الكاتب في الرواية حيث استغل الراوي ثقافة القارئ من خلال ذكر عبارة طبق من الدولارات فيربط المتلقي بين المفهوم العام للسياق والمفهوم الخاص الذي يحمله الدولار.

كما ونجد الراوي يشير الى مكان مشهور لدى الجميع وهو هرم خوفو* حيث يقول:

“أنا متحامل عليك أنت الذي جعلت منه هرمًا من أهرامات خوفو، وبدأت في اقناعي بهذا الجعل الذي جعلته لكني يا صديقي، لا أريد أن أفسد عليك ذوقك، وأحرمك من المتعة وتذكر خرابيط من أصبح صديقًا الخاص “

نلاحظ من خلال النظر في النص السابق أن الكاتب قد وظف هرم خوفو ودلالته الرمزية الموجودة في ثقافة المتلقي ليخدم الصورة التعبيرية، فدلل على تعظيم الشخصيات ومنحها أكبر من حقها في المجالات الدنيوية من خلال تشبيهها بهرم خوفو الذي يتصف بكبر الحجم والضخامة. كأن الكاتب يميل لذكر الأماكن العامة المشهورة بين الناس ليربط بينها وبين الأديرع فهو لا يقل مكانة عنها أو شهره حيث أن الرواية وكل جزئياتها ترتبط بهذا الوادي.

3: الألوان.

غالبًا ما يرتبط اللون بالإحساس بالسرور أو بنقيضه، ويفضل معظم الناس بعض الألوان أكثر من غيرها، حيث تثير انفعالات متعددة ايجابية لديهم وتظهر توافقًا بين تركيبتها وأمزجة الناس، فيميل الإنسان إلى السكينة والتأمل إذا كان في محيط يعكس الألوان الباردة كالأزرق مثلا، كما يتجه نحو الحركة والتوتّر إذا كان في محيط يعكس الألوان الساخنة كالأحمر مثلا.

وقد مال الراوي لتوظيف اللون في الرواية بشكل عام وفي البعد التعبيرية بشكل خاص حيث ذكر اللون الأبيض – ومن أهم خصائصه الامتداد والسعة، والحياة والموت- و يرتبط بالجوانب الإيجابية في أغلب الأحيان، كالوضوح والنقاء والطهر، إلى غير ذلك من الاستعمالات.

كما نجد العديلي يشير إلى اللون الأخضر في روايته حيث البرسيم والقمح وغيره حيث يعد هذا اللون من الألوان الباردة، كما يعتبر دليلا على النماء، فهو لون الخصب والرزق في اللغة العربية، وقد ربط الراوي بينه وبين المزرعة فهي مكان الكرم وتلبية حاجات ساكني الوادي.

وغيرها من الألوان التي تحمل دلالات مختلفة تخدم النص السردي والبعد الرؤي مثل اللون الأصفر حيث يقول:

“صفرا الحجارة تقول لأم علي ليلة زواجها من ابو علي: إنك تزوجت سيد الرجال، واترد أم علي بأنها تعرف ذلك مسبقًا”

لقد ألصق الكاتب صفة اللون الأصفر للحجارة والتي عادة ما تكون ذات لون بني أو أسود قاتم وخصوصًا في تلك المنطقة”وادي الأديرع”ولكن الكاتب وظف هذا اللون ليربط بينه وبين السعة ورحابة المكان لأن الصفار من صفات الصحراء التي تتميز بصفة السعة وكأن الراوي يريد التأكيد على أن الأديرع لم يضيق يومًا بساكنيه وكان بمثابة الأب الحاني والأم المعطاءة، فهو يولي المكان أهمية خاصة حيث يربطه بكل جزئيات الرواية.

ثانيًا: جماليات الإيقاع.

لقد ارتبط الإيقاع أول ظهوره في الشعر فأصبح من خصائصه الملازمة له تفرقه عن باقي الأجناس الإبداعية الأخرى، وقد توسع مفهوم الإيقاع وشاع حتى أصبح من الصعب الاحاطة بمفهوم خاص به وذلك يعود إلى تعدد وتنوع استعمالاته ولكن ما يهمنا من الإيقاع أنه امتد إلى النصوص النثرية فوصل إلى الخطاب الروائي من مظاهر ذلك:

1: التكرار.

تمكنت الرواية الحديثة من أن تفرض وجودها، وتؤسس كيانها الخاص والذي يتمثل في معارضة الرواية الكلاسيكية، من ذلك شغفها وولعها بمزايا الشعر، وحرصها على حضوره داخل بنيتها، ومن منطلق رفضها لواقعية الرواية الكلاسيكية راحت تلون لغتها بنفحات الشعر، وتقترض منه خصائصه الفنية، وتقنياته الأسلوبية والبلاغية وكان من بين هذه الخصائص هو التكرار.

يقول الكاتب:

“أراك توغلت في أمور أنا أقف معك ضدها، إن كنت تخاطبني أنا فأنا برئ من كل ما تقول براءة الذئب من دم ابن يعقوب، أرجوك حاسبني على ما فعلت أنا كل ما ذكرت هي فعلًا تصرفات خاطئة ولكن لا أقوم بها أنا ولا أمارسها أنا ولست بمسؤول عنها كما أنني مثلك لا استطيع ولا أملك تغييرها أنا لا أسمح لك أن تخصني بهذه التصرفات وتوجه أصابع الاتهام لي أنا”

إن القارئ لرواية (الأديرع) يلاحظ أن الكاتب قد جعل من الرواية فضاءًا لتكثيف ممكناتها التعبيرية، حتى أنتج لنا نصًا سرديا يحاكي الواقع، ويرسم معالمه، موظفًا البنى التكرارية فيما يخدم النص السردي والصورة الفنية والجمال التعبيري. فنجده يكرر حرفًا واسمًا وفعلًا وجملة ليؤكد الحدث ويرسخ معالمه عند المتلقي ويتعدى ذلك لتكرار أسلوب معين كما نجده في الرواية يمل للتعبير عن حدث باستخدام صيغة السؤال والجواب ويكررها في مواطن مختلفة من الرواية.

وقد ورد هذا الاسلوب التعبيري في الرواية في النص السابق حيث عمد الكاتب إلى تكرار ضمير المتكلم (أنا) وهذا التكرار يحمل العديد المعاني منها التركيز على المتحدث بدفع تهمة الخيانة عنه وإبعاد أي شبه من هذا القبيل فنلاحظ أن الكاتب أورد الضمير بكل جمله. وهذا التكرار أضفى على الرواية بعد جمالي أكبر.

2: التدوير.

إن التدوير الذي تعارف عليه العروضيون والنحويون والشعراء هو انتقال جزء من الكلمة الاخيرة في الصدر البيت الشعري كنهاية تفعيلة للحفاظ على الوزن والابتداء بالجزء الباقي من الكلمة لنبتدئ به العجز لنفس البيت لكي يستقيم الوزن ويستكمل المعنى، وقد أجازه بعض النقاد ولم يروا فيه عيبًا، وهناك من يعتبره عيبًا ولكل رأي مستقل يستند به على ما يراه مقنعًا.

هناك اراء تنحى منحى اكثر دقة وابعد من هذا وهو التدوير المعنوي الذي يكون بين بيت وآخر في الشعر وبين فقرة وأخرى في النثر، والذي نجده في عالم الرواية الحديثة حيث يوظف الكاتب خصائص الشعر فيها فنجده يتحدث عن الأديرع وعلاقة ساكنيه به فهو جزء منهم لا يمكن أن يتجزأ ويجب المحافظة عليه بشتى السبل، وتتكرر هذه الفكرة في معظم مراحل الرواية وكأنه يدورها ويكررها.

3: الجناس.

ورد الجناس في مواضع متفرقة من رواية الأديرع، وهو لا يقلُّ شأناً عن غيره من فنون البديع، متأتٍ من الطبع السليم الذي يستجيب لمقتضى الحال، فالكلمات طوع إرادته، تجري على لسانه منقادة للمعنى الذي يريده، من غير قصد أو تكلّفٍ، فهو لا يتقصد لفظة للفظة أو معنًى لمعنى، وإنما يتقصد فصاحة الكلام وجزالته، وبسط المعنى وإبرازه، وتلاحم الكلام بعضه ببعض، بما ينمُّ عن ذوق صحيح، وذهن ثاقب، وقريحة مطاوعة.

من ذلك ما نجده في الرواية حيث يجانس الكاتب بين لفظي السهر والسمر و القمر فيقول:

“رائحة روث البهائم، ورائحة الأرض التي حرثت لتوها، وأسقيت ورويت بالماء بعد ظمأ سنوات تعاقبت عليها ورائحة ثمار النخيل بعد تقطيع”كافرتها”وتأبيرها تمتزج لتشكل خليطًا منعشًا لا يوجد إلا في الوادي، ولا يستمتع به إلا سكانه فهو بالنسبة لهم رمز للنماء ووفرة للإنتاج وبشرى سارة بمواسم غنية بالثمار والحبوب والتمر تزفها لهم الرياح التي تتخلل أشجار ونخيل الوادي وتتسرب إلى أنوفهم مع بداية السهر والسمر وموعدهم مع القمر”)

فنجد أن الكاتب استخدم المحسن البديعي الجناس عندما أورد الألفاظ (السهر والسمر و القمر) جناسًا ناقصًا ذا دلاله وبعد صوري مرتبط بالمكان حيث أن من أهم صفات الأديرع هو الأمان والطمأنينة لذلك يسهر سكانه بلا خوف فالأديرع يحميهم ويحنو عليهم فالعلاقة بينهم وبين هذا الوادي مختلفة، كما أن الجناس يجعل النص أحسن وقعاً في السمع، وأكثر تأثيراً في النفس.

4: الطباق.

هو أحد المحسنات البديعية المعنوية، أي التي تركز على المعنى، حيث يقوم على الجمع بين معنيين متضادين في العبارة.

وقد ورد في الرواية في قول الكاتب:

“ليلة مخيفة قضاها سكان الوادي في سفوح الجبال المجاورة، امتزج فيها الحب والخوف والمتعة والقلق والذكرى، والتفكير وإعادة التفكير، فهي للشباب مغامرة جيدة لم يعهدوها من قبل، ولبعض صغار الحارة نقش حفر في الذاكرة ومن المستحيل ازالته أو نسيانه وهي للمطالبين بترع الأملاك وتوسعة الوادي برهان عملي يذكرون به من لم يقتنع بهذا الخطر الذي يداهمهم كل حين”

هذا الوصف إذْ يؤكد حضور الثنائية الطباقيّة فيه بوصفها فكرة لها القدرة على الربط بين الظواهر التي تبدو متناقضة ولكنها في الحقيقة مجتمعة عند لحظة ما، فإنّه يشير إلى التعارض الحياتي الذي يجمع بين القوة والضعف، أي بين أن يكون الانسانُ قويًا في مرحلة عمرية معينه وغالبًا ما ترتبط بمرحلة الشباب و الضعف الجسدي الذي يشير إلى نهايات العمر، ففكرة الراوي تقوم على تمثيل المشهد السردي لقانون الحياة الذي لا يمكن إبطال مفهومه، أو مفعوله، فالأقدار هي المتحكم الوحيد في حياة البشرية مستعينة بالزمان لتحقيق ذلك .

وقد مالت الرواية الحديثة من بينها رواية الأديرع لتوظيفه في بناء اللغة السردية فيما يخدم النص ويرفع من قدرته التعبيرية.

ثالثًا: التشكيل البصري:

لقد احتلت الصورة مكانة مهمة حتى أصبحت من الضروريات التي لا يمكن التخلي عنها جراء التطورات الحاصله في مختلف المجالات، مما أثر بشكل كبير على الأدب بشكل عام و على الرواية بشكل خاص.

فقد أضحى الجانب البصري من الأعمال الروائية مطلبًا أساسيًا يتوجب الإهتمام به وهذا لمساهمته الفعالية في إنتاج مدلولات النصوص، فعصرنا هو عصر الصورة بامتياز، بل يمكن القول أن عنصر الصورة صار أبلغ حتى من الكلمة في تقريب المفاهيم إلى ذهن المتلقي، وقد أدى الاهتمام بالجانب المرئي من الأعمال الروائية إلى تغيرات جذرية وصلت إلى طرق الكتابة في فضاء الصفحة كما أدت إلى اهتمام بالغ بالعتبات التي تمثل أبوابا و مفاتيح لدخول عالم النص الروائي، حيث تخلصت من تلك القواعد التقليدية التي عرفت بها من قبل وانفتحت على أفاق جديدة تلعب فيها الصورة دورا أساسيا مع المضمون، فهي تتماشى في دورها هذا مع ما تفرضه طبيعة المتن و المواضيع التي تتناولها الرواية.

1: الصورة الجزئية.

إن الصورة الروائية لا تتحقق إلا داخل النص. وبما أننا أمام نص سردي، فإن مكونات هذا النص السردي من فقرة، ومشهد، ومقطوعة، وحوار، وأحداث، وفضاء وشخصية، وموضوع، وانطباع ذهني ونفسي اللذين يثيرهما ذلك المجموع في المتلقي يساهم في ذلك التحقق.

فالصورة الجزئية تتسم بالحضور الفعلي داخل النص فهي جزء من الصورة الكلية وفي رواية الأديرع يمكن اعتبار القرية أو المزرعة أو الوادي صورة جزئية للأديرع الذي يمثل الصورة الكلية.

2: الصورة الكلية.

أما الصورة الكلية فهي لا يمكن أن تكتمل إلا بعد الانتهاء من الإطلاع الكلي على المتن، حيث أن كيان الصورة لا يتحقق إلا في إطار الكلية فصورة الأديرع وأبعاده النفسية تحمل أبعادًا غير التي نعرفها فالوادي يمثل الفضاء المفتوح ومن جزئياته الأماكن المحصورة كالمزرعة والمنزل والسهل التي تشكل بمجملها هذا المكان المختلف بكل صفاته أما من الناحية النفسية فهو الحامي الحاني الذي شيبه الدهر وهموم ساكنيه.

ختاما:

بعد هذا العرض للمكانَ في رواية الأديرع لصالح العديلي بشكل خاص يمكننا القول:

– أن الرواية السعودية قد حققت تطوراً ملحوظاً سواء في مستوى تصاعد وتيرة الإنتاج، أو في مستوى تنوع آلياتها الفنية، ومغايرة خطابها في طبيعة موضوعاته، وطرائق تشكيله للواقع قياساً بما سبقها من تجارب روائية في المراحل المبكرة.

– تحركت الرواية السعودية في مسارات زمنية متعددة، فحاولت استثمار علاقات المكان بغيره من العناصر الروائية، فتنوعت دلالاتها المكانية نتيجة لتفاعل معه.

– تفاوت الروائيون السعوديون في توظيف المكان فنيًّا وتشكيله روائيًّا، فبعض روايات مرحلة التجديد لم تخرج كثيراً عن المنحى التسجيلي الذي يتعامل مع المكان وفق رؤية ساكنه بوصفه مجرد خلفية تقع فيها الأحداث وتتحرك خلالها الشخصيات، بينما نجد بعض روايات مرحلة التحديث كانت أكثر وعياً بمفهوم المكان الروائي فحاولت أن تتخطى التعامل السطحي معه، فراحت تمنحه مزيداً من العمق عن طريق استثمار طاقاته وتفعيل علاقته بالعناصر الأخرى ؛ بحيث يصبح المكان بمظاهره المختلفة وامتداده وطبيعته مؤثراً في إيقاع السرد كله.

– مالت الرواية الحديثة للمحسنات البديعية للشعر ووظفتها في السرد الروائي فيما يخدم صورتها وبعدها الجمالي وقد نجحت في ذلك.

هكذا كان المكان في الرواية السعودية من وجهة نظر هذه الدراسة في مظاهره المتعددة، وجمالياته الفنية، ومعطياته الإنسانية كما تجلت في تفاعل شخصياته، وتنوع قضاياه الاجتماعية.

المصادر والمراجع

أ- القديمة:

– ابن منظور جمال الدين: لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط3 1414هـ. ج 2.

– أبو علي المرزوقي: الأزمنة والأمكنة، تحقيق: محمد الديلمي، عالم الكتب، بيروت، ط1- 2000م.

– إسماعيل الجوهري: الصحاح، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، ط3 – 1404هـ.

ب- الحديثة:

– آمنة يوسف: تقنيات السرد في النظرية والتطبيق، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، ط1- 1997م.

– إبراهيم الفوزان: الأدب الحجازي الحديث بين التقليد والتجديد، مكتبة الخانجي للطباعة والنشر، القاهرة، ط1- 1410هـ.

– أحمد السعدني، نظرية الأدب، مكتبة الطليعة، أسيوط 1979م .

– أودين موير: بناء الرواية، ترجمة: إبراهيم الصيرفي، الدار المصرية، القاهرة 1965م.

– الآن روب جريبه: نحو رواية جديدة، ترجمة: مصطفى إبراهيم، دار المعارف، القاهرة.

– حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي، المركز الثقافي العربي، الـدار البيضاء، ط1- 1990م.

– حسن نجمي: شعرية الفضاء السردي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1 – 2000م.

حميد لحميداني: بنية النص السردي، المركز الثـقافي العربي، الـدار البيضاء، ط1 – 1991م.

– دوران جيلبير: الأنثروبولوجيا ( رموزها، أساطيرها، أنساقها )، ترجمة: مصباح الصمد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت 1993م.

– رينه ويليك، وآوستن وآن: نظرية الأدب، ترجمة: عادل سلامة، دار المريخ، الرياض 1412هـ.

– سيزا قاسم: بناء الرواية، دار التنوير، بيروت، ط1- 1985م.

– شجاع العاني: البناء الفني في الرواية العربية العراقية، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1- 2000م.

– صالح الشامي:الظاهرة الجمالية في الإسلام، المكتب الإسلامي، بيروت ط1-1407هـ.

– صلاح فاضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، د. ت.

– عبد الحميد المحادين: جدلية المكان والزمان والإنسان في الرواية الخليجية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1 – 2001م.

– عبد الصمد زايد: المكان في الرواية العربية، دار محمد علي للنشر، تونس، ط1-2003م.

– عز الدين إسماعيل: الأسس الجمالية في النقد العربي، دار الفكر العربي، بيروت 1421هـ.

– غاستون باشلار: جماليات المكان، ترجمة: غالبا هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت ط3-1470هـ.

– محمد أبو ريان: فلسفة الجمال ونشأة الفنون الجميلة، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، ط5-1998م.

– محمد السيد ديب: فن الرواية في المملكة العربية السعودية، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، ط2-1415هـ.

– محمد الشامخ: النثر في المملكة العربية السعودية، دار العلوم، الرياض، ط3-1981م.

محمد الشنطي: فن الرواية في الأدب العربي السعودي المعاصر، نادي جيزان الأدبي، ط1- 1411هـ.

محمد الماكري: الشكل والخطاب، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1- 1991م.

ميشال بوتور: بحوث في الرواية الجديدة، ترجمة: فريد أنطونيوس، دار عويدات، بيروت 1971م.

ثالثاً: الرسائل الجامعية:

– أسامة محمد الملا: أثر المكان في تشكيل الروايـة السعودية لـدى جيل الرواد ( رسالة ماجستير )، جامعة الملك فيصل، شوال 1419هـ.

– حسن حجاب الحازمي: البناء الفني في الرواية السعودية ( رسالة دكتوراه )، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض 1424هـ.

رابعاً: المجلات والدوريات:

– آداب جامعة الملك سعود (2)، مج (15)، الرياض 1423هـ.

آداب جامعة الملك سعود (2)، مج (5)، الرياض 1413هـ.

الرواية بوصفها الأكثر حضوراً ( ملف نادي القصيم الأدبي)، بريدة 1424هـ.

 

 

*باحث و ناقد من السعودية

 

لقراءة الدراسة كاملةً من هنا:

 

* القراءة والتحميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *