الشتاء.. فصل المشاعر ومحفل الشعر

الشتاء..فصل المشاعر ومحفل الشعر

فيتشر

إعداد – سلوى الأنصاري

ما بين أصول الطقوس وفصول الطبيعة يأتي الشتاء حاملًا معه الأنين والحنين وكل الذكريات في قالب البِشر، موشحاً بنهارات قصيرة تحمل أمنيات “الدفء” ومساءات مستديرة تمتلئ بساعات “المكوث” في قلب الزمن، ووسط تناغم متوائم بين كيميائية الشعور وسيمفونية الشعر، تتهادى الأحاديث والعبارات والمواقف والذكريات  منطلقة من منصات “المشاعر” مرغمة ساعات الزمن على التقيد بحركة “الأدب” وملزمة مسارات “الوقت” أن تلتزم بمواعيد “الثقافة” لتشكل مشاهد الاحتفال ما بين مناسبات “الإبداع ” ومنطلقات “التعبير. 

ووسط الشتاء ترتدي الأرض ثوبًا جميلًا أبيض؛ فتبدو كعروس فاتنة تبهر كل من نظر، وتأسر كل من حضر، وبحلوله نرى الطيور المهاجرة تهاجر أعشاشها وأوطانها باحثة عن أحضان الدفء.

حيث يأتي الشتاء ليقف بين الأرض وحرارة الكون، ودفء السماء، حاملًا معه المطر والضباب والسحاب، مسدلًا وشاحًا أبيض على البسيطة، ويجتمع الأصحاب والأحباب في مساءاته العامرة بالامتداد بلا انتهاء..

يحل الشتاء قويًا آسرًا (كجلمود صخرٍ حطه السيل من علِ) فيفتق الزهر الندي بين أصابع الشعراء والأدباء.

ليهيموا في لياليه الطويلة بين أحرف الكلم وأنغام القلم..

وفي زمن الشعراء القدماء..تغنى منهم من تغنى بفصل الشتاء فورث لنا قصائد غناء.

فها هو امرؤ القيس يقول: ” قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ، بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ”

أصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيْكَ وَمِيْضَـهُ كَلَمْـعِ اليَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّـلِ

يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيْحُ رَاهِـبٍ أَمَالَ السَّلِيْـطَ بِالذُّبَالِ المُفَتَّـلِ

‏ويقول أبو تمام أيضا:

لولا الذي غرس الشتاء بكفه

لاقى المصيف هشائما لا تثمر

مطر يذوب الصحو منه وبعده

صحو يكاد من الغضارة يمطر

‏وقد امتد زمن الشعراء وتغنيهم بالشتاء إلى عصرنا الحديث فهام به الأدباء، وخلدوا  لنا قصائد عصماء..جميله بلا استثناء.

‏فنجد شاعر العصر الحديث نزار قباني وقد وصف  نفسه بفصل الشتاء وكأن  لأجواء الشتاء تأثيرًا كبيرًا على قصيدته ((لا وسيلة للتدفئة سوى حبك))

فأنشد عاليًا و ترنم قائلاً :وأنا أيضاً أريدُ أنْ أكونَ في عِشقي شتائياً، وانقلابياً، وعاصفاً

لا يقلقني الثلجُ، ولا يُزعجني حِصارُ الصقيعِ

فأنا أقاومُه؛ حيناً بالشِعر، وحيناً بالحبِّ

فليسَ عندي وسيلةٌ أخرى للتدفئة، سوى أنْ أحبّك..

وخوفاً من عزلة الشتاء حلق الشاعر صلاح عبد الصبور في الكون الوسيع قائلا:

ينبئني شتاءُ هذا العامِ أنَّ داخلي مرتجفٌ بردا

وأنَّ قلبي ميتٌ منذ الخريف، قد ذوى حين ذوتْ، أولُ أوراقِ الشجر

ثم هوى حين هوتْ، أولُ قطرةٍ مِن المطر

و أنَّ كلَّ ليلةٍ باردةٍ تزيدهُ بُعدا، في باطن الحجر

وكذلك أخذتنا نازك الملائكة بعيدًا في وصف فريد للمطر في  قصيدة عنوانها «على وقع المطر» قائلة:

أمطري لا ترحمي طيفي في عمق الظلام

أمطري صبي علي السيل يا روح الغمام

لا تبالي أن تعيديني على الأرض حطام

وأحيليني إذا شئت جليداً أو رخام

تضل للشتاء مكانته الخاصة  إذ أنه مصدر الإلهام، ومشاعرنا عند حلوله ترنو نحو الغمام، وأوراقنا تعانق الأقلام ولوحاتنا تدعوا إلى السلام، فلا انهزام ولا انتقام ولا استسلام..

واستمر حديث الشعراء.. وتغنت بالشتاء قصائدهم.. وكلٌ يرى الشتاء من زاويته الخاصة…كما هو الحال عند شاعر تونس الخضراء أبو القاسم الشابي – رحمه الله:

سَأَلْتُ الدُّجَى: هَلْ تُعِيدُ الْحَيَاةُ لِمَا أَذْبَلَتْهُ رَبِيعَ العُمُر؟

فَلَمْ تَتَكَلَّمْ شِفَاهُ الظَّلامِ وَلَمْ تَتَرَنَّمْ عَذَارَى السَّحَر

وَقَالَ لِيَ الْغَابُ في رِقَّةٍ مُحَبَّبَةٍ مِثْلَ خَفْقِ الْوَتَر

يَجِيءُ الشِّتَاءُ، شِتَاءُ الضَّبَابِ شِتَاءُ الثُّلُوجِ، شِتَاءُ الْمَطَر

فَيَنْطَفِئ السِّحْرُ، سِحْرُ الغُصُونِ وَسِحْرُ الزُّهُورِ وَسِحْرُ الثَّمَر

وَسِحْرُ الْمَسَاءِ الشَّجِيِّ الوَدِيعِ وَسِحْرُ الْمُرُوجِ الشَّهِيّ العَطِر.

 وحينما يأتي الشتاء  يزورنا أنين البرد، وحنين الشوق، وتطفو الذكريات على سطح  من الجليد؛ إنه الشتاء فصل المشاعر ومحفل الشعر..وموسم الانبثاق الجلي لمراسم الكلمات والأبيات والعبارات، والانعتاق من جمود الأزمنة، إلى وعود الإمتاع التي تلوح في الآفاق بمعاني الفنون الأدبية والمتون الثقافية.

نعم إنه الشتاء.

 

 

الفنان التشكيلي ماهر العولقي

 

التشكيلية سلوى الأنصاري

 

 

3 thoughts on “الشتاء.. فصل المشاعر ومحفل الشعر

  1. سلمت الأنامل وفيض المشاعر .. عشت بمشاعري قبل عيني مع كل كلمة منها .. كعادتك دومًا مبدعة تبارك الرحمن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *