إضاءة في قصة (وصفة قلب) للقاص ساعد الخميسي

 

 

إضاءة في قصة ( وصفة قلب ) للقاص ساعد الخميسي

قراءة: أحمد العليو*

 

خلود عبد العزيز

أولاً: القصة.

تحت سماء غائمة جزئياً، كنتُ أجيد التفريق بين قرن لعنزةٍ نافقة، و قرن لوعلٍ أبقاه الصياد الغريب بعد أن غادر برارينا على سيارته ذات الدفع الرباعي حينما غارت الأنواء.

أشد ما ألقاه من العنت هو ما يحدث لغربتي داخل فصل المدرسة، يوم دراسي طويل يحيطني فيه أطفال تتشابك أحاديثهم بشكل يجعل لساني أكثر انزواء عنهم، لمرة واحدة دفعني ظني لأن أكون شبيهاً لهم، لكن عاصفة ضحكاتهم أبقتني “كومة” رملٍ تلتصق بالمكان أكثر.

و لا أنكل مما يعتريني في مادة “الأناشيد” إذ كان المعلم يجلد طاولتي الصغيرة عندما اقرأ بصوت مهموس دون لحن، و لأن صوتي يخرج جافاً من قمعه المستمر ظل يوجهني بشرر عينيه:

لا أريدك أن تقرأ هكذا !

حكيت له على انفراد بأني لا أعرف معنى اللحن، كنتُ أراه يمر بفناء المدرسة حاملاً كأس الشاي، يرتشف من برودته رشفة كبيرة، أتخلى عن إفطاري ذاهباً إليه، وشاكياً، ولكن..!

نأتي من الصحاري البعيدة، تُقلنا سيارة جارنا ذات الأجزاء المفككة من عُسر الحال عصر كل يوم جُمعة، تلك السويعات الخانقة على حناجرنا الصغيرة، من خلف بابها الصدئ أرقب مجيء أُمي للوداع، تلحق بنا مغالبةً الوقت و الدمع، تحمل في يديها وعاءَ فيه ما تيسر من العبق الحاني، ألتقطه قُبيل استدارة العجلة على بطون الطرق المتعرجة، أضمه إلى صدري، و “الإذخر” في الشعاب يركض عكس وجهتنا بلا رائحة.

أعود ملتحفاً بالشجن هذا الأسبوع لحصة “الأناشيد”، شيء ما تطويه أناملي الصغيرة، تعمدت إحضاره، شممته حال موعد استماع المعلم لي.

أقرأ النصوص وحيداً..

يغمرني شعورٌ باستعارة لحنٍ شجي، كدت أن أبكي لغناء أمي ساعة الضحى جالسة تُحيك بيت الشَعَر إلى أن يقصر عنها ظل البيت فتتوقف.

المعلم هذه المرة يرفع العصا جالداً انسياب الثوب بين قدميه:

راااائع، أحسنت.. أحسنت! 

تعرقت قليلًا من هول المكان، انفكت أصابع يدي عن كيس فيه من استطبابات البدو المضمخة بالحُب. وضعتها أمي في الكيس خوفاً علي من روائح الزحام، و سموم الحواضر.

ثانياً: القراءة. 

(وصفة قلب) للقاص ساعد الخميسي؛ هي القصة الأولى التي ابتدأت بها مجموعته القصصية “صفحا عن السواحل”.

النص جميلٌ جدًا؛ وقد جعلني أتوقف عن متابعة قراءة بقية المجموعة ؛ لأكتب عنه هذه الإضاءة القصيرة.

أظن أن جمالية بعض النصوص تكمن أحيانًا في تلمسها لشيء من حياة المتلقي، فتجعل عواطفه وأحاسيسه تستجيب للحدث، فالأدب ركيزته العاطفة وتحريك المشاعر في القارئ، وهذا ما حدث أثناء القراءة.

القصة تنجح بسبب عدة عوامل؛ من أهمها: اختيار زاوية السرد؛ فبعض القصص القصيرة لا تؤثر في المتلقي بسبب سوء الاختيار، فالسارد في قصة “وصفة قلب” هو الطفل/ التلميذ الذي يترك البادية يوم الجمعة، ويلتحق بالحاضرة ليتلقى التعليم في المدرسة، والسرد بالأنا جعل النص ممتزجًا بالشاعرية والأحاسيس التي نتلقاها من دون وسيط وبعفوية كبيرة. هذا الطفل الذي تعتريه وتهيمن الغربة عليه، وتجعله مبتعدًا عن زملائه في المدرسة، ثمَّ يحاول أنْ يقترب منهم ذات يوم، لكن ضحكاتهم تفشله (تقمعه)، فينزوي عنهم ويزداد هذا الابتعاد مع صلافة معلم الأناشيد؛ الذي يمثل القسوة، ويزيد من ألم الغربة؛ ليضيق المكان بالطفل.

البادية (البيت) و الحاضرة (المدرسة) يمثلان النقيضين في القصة؛ فالمدرسة مكان منفّر قاسٍ، يقابله البادية ذات الفضاء المنفتح ومكان الأم، لذلك حينما يضيق المكان بالطفل يقوم بالعودة إلى المكان الدافئ، والحاضن والاسترجاع الذي يعطيه صمودًا وعزمًا يستمد منه قوته؛ ليجابه به المكان المنغلق والقاسي بين الزملاء الساخرين. هذا الاسترجاع الزمني مصبوغ بالشاعرية، وتفاصيل المكان، ورائحة الأم الحنون، ولحظات التوديع، مما يُعطي النص دفقة حنونة تجعل المتلقي يتعاطف مع الشخصية الرئيسة، ويذوب في حدث القصة. والطفل الذكيّ الذي يتضح لنا في بداية النص، وتفريقه بين قرن عنزة نافقة وعنز وعل ، يقوم باستمداد القوة من خلال الوعاء الذي أعطته أمه، وجعله يستمد اللحن الجميل من خلال استرجاعه للحن أمه، فتغيّر موقف الأستاذ عن المرة الأولى حينما قرأ النشيد بلا لحن. فكان الاسترجاع في الزمن هو المحرك الذي ألهم البطل، وجعل الطفل ينشد بشكل إيجابي. لذلك تبقى زاوية السرد، والثنائيات في القصة، من خلال المكانين البادية والمدرسة، وكذلك الشخصيتان الثانويتان المتضادتان؛ الأم ومعلم الأناشيد هما العناصر الفعالة في جمالية القصة، بالإضافة إلى روح وذكاء الطفل؛ الذي استطاع بما يحمله من مكون مكاني؛ من لحن وذكاء واستلهام روح البادية من كسر حاجز الخوف وتغيير موقف المعلم نحوه.

 

* كاتب و مثقف من السعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *