الراعي والبحر

 

محمد عبدالرءوف وفا*

الراعي والبحر

سقطت أشعة الشمس الذهبية على ماء البحر فسكته نضره فوق نضرته وبدى الماء شفاف رقراق وظهرت الأسماك وهي تسبح في القاع بألوانه المختلفة مضيفا جمال إلى جمال البحر. بدا البحر هادئا وكأنه لوحة من لوحات الحياة، هدوء عجيب أشبه بصمت القبور. وقف راع يشاهد هذا المنظر الساحر الذي خلب فؤاده. يال روعة البحر وهدوئه. لم يكن يدري أن هذا السحر والجمال يخبئان في طياتهما الموت والأخطار. كان الراعي كآلاف من البشر لا يرون إلى المظهر الخارجي ولا يدركون بواطن الأمور. كان هذا الراعي يمتلك العديد من الأغنام ويعيش حياة مثالية مع زوجته المحبة وأطفاله الرائعين. قرر بيع الأغنام والعمل في التجارة والإبحار.
باع كل ما لديه من أغنام واشترى سفينة وبضاعة واستأجر بحارة. لم يستغرق الأمر أكثر من بضعه شهور لتجهيز أول رحلة ملاحية.
بدأت أول رحلاته وانطلقوا في عرض البحر. شقت السفينة عباب الماء وبدا البحر هادئا والسماء صافية. استمر الأمر على هذا المنوال. أحب الراعي البحر وبدت له حياته مثالية. وندم على الأعوام التي قضاها في رعي الأغنام وفكر في أن يدعو كل أصحابه أن يفعلوا مثله. لما أضاع عمره سدى ولم يتمتع بذلك الهدوء والجمال. بدأت الأمور كلها وكأنها تسير في صالحه ولكن في اليوم الثالث هاج البحر وماج وارتفعت الأمواج وكأنها جبال. راعه ما رأى هل حقا هذا الجمال يكمن في طيه الخطر والموت. حاول البحارة السيطرة على زمام الأمور ولكن كانت العاصفة شديدة والمركب بها حمولة ثقيلة. اقترح عليهم القبطان بالتخلص من كل البضاعة التي على ظهر المركب حتى يخف ثقلها. صرخ الراعي لا مالي فهذا كل ما جمعت في حياتي. ولكن أخبره القبطان أنه لا يوجد بديل أخر. قام البحارة بإلقاء كل البضاعة في البحر وشعر بأن قلبه يلقى معها. أحس بالندم الشديد على أنه لم يقنع بما أعطي من حرفة وأنه انخدع بجمال البحر وهدوئه وبالمظهر الخداع فكان كمن ترك الماء الذي يبع من بين أصابعه وانطلق يلهث وراء السراب. حقا ليس كل ما يلمع ذهبا. هدأت الأمواج وسكنت الرياح. سارت السفينة عائدة إلى بلاده وعاد يجر أذيال الخيبة. بدأ يلوم نفسه لوما شديدا ويحدث نفسه أن الانخداع بالمظهر الخارجي هو شيمة الحمقى. وصلت السفينة أخيرا إلى بلاده. نزل من السفينة واتجه إلى بيته وهو متعب جدا تكاد تقتله الآلام. وصل إلى بيته وقابلته زوجته فحكى لها ما حدث فصارت تبكي وتندب حظهم العثر.
في اليوم التالي استيقظ مبكرا وهو يشعر بالضيق يجثم على صدره واتجه إلى البحر. جلس فوق صخره كبيرة وطفق يناجيها بما يجيش في نفسه. نظر إلى البحر فوجده هادئا كمان كان طبعا الهدوء الذي يسبق العاصفة. وبينما هو جالس يراقب الماء مر عليه بائع تمور الق ببضاعته جانبا وبدأ ينظر إلى البحر وقد خلب فؤاده التفت إليه بائع التمور قائلا يالها من لوحة يتدفق منها الجمال. ما أجمل البحر ومأ أهدئه. التفت إليه الراعي مبتسما وقال له حقا؟
رد عليه بائع التمور نعم نعم أنا أفكر , قاطعة الراعي قائلا أعرف بما تفكر؟ تعجب بائع التمور فاغرًا فاه فاستطرد الرعي قائلا: تفكر أن تبيع التمور وتشتري مركبًا وتسافر للتجارة والإبحار. رد عليه بائع التمور مندهشا بالفعل هذا ما دار في خلدي. لقد جذبني جدا منظر البحر وأحببت حياة الهدوء. ابتسم الراعي ابتسامة ماكرة ورد على بائع التمور نعم نعم يمكنك الاستمتاع بالبحر وبهدوئه ثم تارك تاجر التمور متجها إلى بيته وهو يناجي نفسه قائلا: يبدوا أن البحر يحب تناول التمور!

*aboukhadijah@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *