شعراء اشتكوا من طول العمر

سعد عبدالله الغريبي*

أدرك العرب أن العمر محدود بسنوات معدودة، وأنه ينقضي ولمَّا تنقضِ حاجاتهم، ولم يحققوا أمانيهم. ولم نقرأ لهم تمنيهم أن يُخَلَّدوا، فالعرب في هذا يختلفون عن الأمم القديمة التي تمنت الخلود، وسعت جاهدة للحصول على دواء سحري يحققه لهم.

وحينما نقرأ لشاعر يفكر في البحث عن طريقة للخلود، أو لتمديد عمره سنوات إضافية فما ذلك إلا من باب التخيل ليس أكثر. ومن هذا التخيل ما ورد على ذهن الشاعر السوري شفيق جبري، فحين ابتدأ اكتشاف الفضاء وأخذت الرحلات المكوكية تغزو الكواكب وجَّه تساؤلا لهؤلاء الذين يحاولون غزو الفضاء: هل سيجدون كوكبا تتاح الحياة فيه مدة أطول؟

تغزو السماء فهل وراء قبابها      أمــل يميل بنا لغــزو قباب

من كل جوَّاب يجوب نجومها      يا ويــح أنجمـها من الجوّاب

أتظن أن العيش في أفلاكها       عيش يقـر العيــن بالإعجــاب

أترى الحياة طويلة في ظلها      طولا يزيد على مدى الأحقاب

لكن كثيرا من الناس – ومنهم الشعراء – تمنوا أن يعمروا، أو يمتد عمرهم لسنوات إضافية، لكنهم حين يتحقق لهم ما أرادوا ويبلغون من الكبر عتيا يسأمون الحياة بسبب ما يعتريهم من أمراض، وما يشعرون به من غربة بعد أن يفقدوا رفاق دربهم. وما أصدق قول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ يس: (68).

إن الشيخوخة في أحيان كثيرة تكون مؤذية لأن طول العمر يعني زيادة الألم ومراكمة الضجر. وقد أُلهم زهير بن أبي سلمى حقيقة أن مآل من يُعمَّر الهرم فقال:

رأيت المنايا خبط عشواء من تصب  تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم

ولا يرى عبيد بن الأبرص في طول العمر غير العذاب:

ترى المرء يصبو للحياة وطولها     وفي طول عيش المرء أبرح تعذيب

ويعجب حكيم المعرة من الذين يتمنون طول العمر مع ما يمر عليهم من تعب طول الحياة:

تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد

واستلهم كثير من الشعراء هذا المعنى وعبروا عنه في أبيات ضمنوها قصائدهم، ومنهم أبو العتاهية الذي يرى أن طول العمر مُضِرٌّ بعد الشباب فيقول:

أيا من يؤمل طول الحياة   وطول الحياة عليه ضرر

إذا ما كبرت وبان الشباب فلا خير في العيش بعد الكبر

واختتم النمر بن تولب قصيدة طويلة له – بعد أن عدد ما حل به من عجز وسقم ومهانة – بقوله:

يود الفتــى بعــد اعتدال وصــحة        ينــوء إذا رام القيــام ويُحمــل

يحب الفتى طول السلامة والغنى        فكيف يرى طول السلامة يفعل

وأنهى عمرو بن قميئة قصيدته التي كتبها بعد أن بلغ التسعين، وذكر فيها ما أصابه من وهن جراء طول العمر، فقال:

وأهلكني تأميل يوم وليلة   وتأميل عام بعد ذاك وعام

وهو الذي دعا ربه جاهدا أن يطيل عمره:

كانــت قناتــي لا تلين لغامــز         فألانها الإصباح والإمساء

ودعوت ربي بالسلامة جاهدا         ليصحني فإذا السلامة داء

ويرى حميد بن ثور الهلالي أن المرء لو عاش سالما معافى فإنه لن يسلم من الهرم فيقول:

لو لم يوكل بالفتى    إلا السلامة والنعــم

وتناوباه لأوشــكا    أن يسلماه إلى الهرم

ويحدثنا محمود الوراق عن تأثير طول العمر:

ألا رُبَّ ذي أمل كاذب  بعيد الرجاء قوي الطمع

تمنى البقاء تمادی به   أجاب القضاءُ فماذا صنع؟

تجــرد أكثــر جثمانـــــه       وفــرق ما كان منه جمـع

ودل المشيب على رأسه      وأعقب من بعد شیب صلع

وقوَّس متنيه بعد اعتدال      وأثبت في الرجل منه الظلع

فمن ذا يسر بطول البقاء     إذا كــان يبدع هــذي البدع؟

وإن صح البيت التالي المنسوب له فهذا يعني أن الهرم قد أصابه بما لا يحتمل:

إحدى وسبعون لو مرت على حجر    لكان من كبره أن يفلق الحجر

واختتم الفارس الكاتب أسامة بن منقذ قصيدة له عدد فيها ما أصابه بسبب الكبر بقوله:

فقل لمن يتمنى طول مدته    هذي عواقب طول العمر والمُدَدِ

بارك الله لكم في أعماركم..

*كاتب سعودي

samghsa11@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *