لغةُ الهوِّية

 شاكر صبري*

نعرفُ جميعاً وبلا شكِّ  أن هناك  اختلاف وتنوُّعٌ في لغات كوكب الأرض، وحين نحصر اللغات التي يتحدث بها سكان العالم لوجدناها كثيرة، وهذا الاختلاف  آية من آيات الله تعالي كما قال في كتابه العزيز”ومن آياته خلق السماوات والارض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين”.

وكما نعلم جميعاً أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية لجميع الدول العربية، وهي لغة  التعامل بين جميع الشعوب العربية، واللغة الرسمية للتعلم مهما اختلفت اللهجات.

اللغة العربية هي لغة البيان ولغة الفصاحة و كفاها إنها لغة  القران لغة السيادة والخلود، وكفاها أنها لغة أهل الجنة اللغة الرسمية للنطق فيها، وإن اختلفت لغاتهم في الدنيا.

كما أن الله يعيد الجميع شباباً في سنٍ واحدٍ في الجنة فأيضا يجعل الله  لغتهم هي لغة القران لغة كلام الله  اللغة العربية الفصحي, حيث لا مجال لتنوع اللهجات ولا تنوع اللغات و لا الألوان والأشكال الكل في  نعيم الجنات  سواء  مع اختلاف درجات النعيم باختلاف أعمالهم في الدنيا .

 قال تعالي “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ”

أرسل الله رسوله الخاتم وخير رسله علي الإطلاق وأحبهم إليه إلي العرب، وخرج نبي الله ورسوله  من قبيلة  قريش أفصح  قبائل العرب على الإطلاق، و هي قبيلةٌ  تفد  عليها كل وفودٌ من جميع دول العالم  لتحج إلي بيت الله الحرام  فتلقُط لهجاتها وتتعرف علي الغريب والفصيح منها وتضمها إلي قاموسها العربي  البليغ، وكانت المعلقات العشر لأعظم شعراء العرب تعلق في الكعبة.

وكانت أسواق العرب الشعرية تعقد هناك فكان سوق عكاظ الشعري وغيره من المبارزات الشعرية بين قبائل العرب  مما جعل من  مكة وما حولها مهدا للفصاحة ومنبتا للبلاغة.

وأنزل الله كتابه العظيم باللغة العربية تشريفا لها وتقديسا لعظمتها وفصاحتها وبلاغتها، وتقديسا لنبيه  صلي الله عليه وسلم، ولعبقرية هذه اللغة في احتوائها علي معانٍ عميقة لا يمكن أن توجد في أي لغة أخري في العالم، فهي لغة الفصاحة والبلاغة.

ولهذا يجب أن نتباهى ونفتخر بهذه اللغة ويجب أن لا نستهتر بها حتي في كلامنا العادي وأقصد  لا نستنكف أن نضمها حتي بين ألفاظنا العامية  ونضيف إليها الكلمات الفصيحة التي تزيدها  رُقيا وتطورا.

يجب أن لا نستبدلها بكلمات أجنبية حين نحب أن نتباهي أمام الآخرين بأننا علي قدرٍ كبير من الثقافة والتنوع  فهو نوع من التشدق بالكلام وعدم احترامٍ للغتنا الأصيلة.

إن احترام أيَّ إنسان للغته هو احترام لهويته ولأصالته ولشيء مقدَّسٍ عندَهُ اللهم  إن كان الحديثُ حديثاً علمياً  فهنا تظهر قوة اللغة بقوة أهلها وتطورها، ومدي نجاحهم العلمي فهو يؤدي غلي نجاح لغتهم وسيادتها  كما نلاحظ ذلك في الكثير من اللغات الأجنبية وأكثرها انتشارا هي اللغة الإنجليزية التي تعتبر أكثر لغات العالم انتشاراً لتوفق شعوبها وابتكاراتها ومؤلفاتهم ومصطلحاتهم العلمية التي تجبر الدول الأخري علي تعلمها لحدوث تواصلٌ علمي وعملي بينها وبين هذه الدول وبين علمها وتطورها.

كل هذا لا يهين من لغة القرآن شيئا، ولا يضع من قدرها، بقدر ما يرسم صورةً  لعدم مواكبة شعوبنا العربية لموكب الحضارة العالمية، كل ذلك أيضاً لا يدفعنا أن نستهين بهذا المقدس النفيس الذي يدل علي امتلاكنا لقيمنا العربية الأصيلة ثم لقيم قرآننا المجيد.

فالعرب اشتهروا بالشهامة والكرم والشجاعة والنبل والعزة والكرامة، فحين نعتز بلغتنا فإنما نعتز بقيمنا التي ورثناها مع لغتنا، والعكس من يعتز بلغة غير لغته فكأنه يخلع رداء وطنه ويتخلَّي عن هويته.

من الصعب أن نقول أنه يخون وطنه، ولكن  حقاً من يستهين ويبيع لغته فهو مستعد بعد ذلك أن يبيع وطنه ما أتيحت له الفرصة فمن لا يغار علي لغته فلن يغار بعد ذلك علي وطنه.

إذا كان هناكَ ضعفٌ في مكانة اللغة العربية عالميا فهو من تقصير أهلها في الذيوع والانتشار، والتأثير بالتميز العلمي والتقني، ولهذا فلغتنا غير سائدة علي المستوي العالمي، وليس العيب فيها وإنما في أهلها.

ولتفوق بعض اللغات والشعوب الأجنبية  يفرحُ ويفخرُ الكثير من العربِ بأنهم يعلِّمونَ أولادهم اللغات الأجنبية  من سنٍ مبكرة، باعتبار أنها لغاتٌ منتشرة وأنها الأكثر رقياً.

ولهذا ينشأ أولادهم يعتزون بثقافة هذه الشعوب ويمتلكون قيمها ومبادئها ويتخلون كثيرا عن لغتهم وقيمهم وربما انتمائهم وحبهم لأوطانهم وشعوبهم العربية .

يمكن أن يكون ذلك ولكن بعد مرحلة سنية معينة بعد سنِّ العاشرة علي الأقل يمكن تعليم الطفل اللغات الأخري وبطريقة غير مكثفة، من أجل تعميق الثقافة والحاجة للتواصل بين الثقافات والعلم الحديث ولكن بالتدريج ولمن يحتاج لذلك بدرجة أكبر إن إدخال ألفاظ وأنماط أجنبية علي عقل الطفل قبل المدرسة وتحفيظه إياها هو تدمير كامل لهويته  فهو يمسح عن ذهنه حبه واعتزازه بأصوله، وبالتالي ينشأ خارجا عن قيم عروبته ولغته الأصلية التي تحمل قيمها وعاداتها الاجتماعية حين نريد أن نذكر لأولادنا بمثل هذه اللغات لتنشيط أذهانهم  فلا بأس  خاصة إن كانت في أغنية أو نموذج طريف غير مجهد لعقل الطفل، ولكن حين نجعلها دروسا  تحفظ وتعلم ويسأل عنها فاعتقد أننا بهذا نقضي تماما علي هوية أطفالنا وعلي لغتنا العربية لغة الكرامة والاعتزاز ولغة القوة والصمود  والعزة والكرامة.

إن أفضل كتابٍ ومنهجٍ يمكن أن نهديه للطفل في هذه المراحل وفي كل المراحل علي الإطلاق هو القرآن الكريم، فحتي ولو لم يستطع الطفل حفظَ القران لصغر سنه، فمجرد ترديده لبعض الآيات وتكرارها له هو حفظ للغته وبالتالي تعويد له وتدريب علي  الاعتزاز بأصوله.

ويأتي ذلك في المراحل المتأخرة من حياته وفي سلوكياته بعد ذلك وفي انتماءاته الفكرية، ولحفظ القران الكريم إيجابيات لا حصر لها علي الطفل خاصةً  في المراحل المبكرة.

فهو حماية له من أن تمسه أيدي الشياطين في صباه، فالشيطان ربما آذاه ولكن تعلُّقه بكتاب الله وترديده له حماية وحفظ له من الجن أيضاً تدريبٌ للسانه علي النطق السليم وحفظه من الاعوجاج وأيضاً تهذيب لسلوكه تهذيبا لا مثيل له، هذا من ناحية اللغة أما من ناحية الدين، فإن الله يُلْبس والدي حافظ القران  تاجاً من نور يومَ القيامة فما بالنا بحافظ القرآن ذاته إلي جانب  البركات التي تنال حامل القران والحماية الإلهية التي تحفظه من كثير من السقطات ليس شرطاً  أن نجعل كل أبنائنا حفَّاظا لكتاب الله، فهذا أمر عسير أو مستحيل، ولكن لمن يتيسر له ذلك  بأن نحفظهم شيئا منه وإن لم يتيسر فعلي الأقل يتعودون علي  تلاوته وحفظ ما تيسر منه وخاصة في مراحل السن الأولي فهو حفاظاً علي الهوية الدينية والوطنية واعتزازاً باللغة وضبط للسلوك.

*كاتب مصري

Shaker30003000@yahoo.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *