الباحثة خديجة الصبَّان:اللغة العربية هوية الأمة الثقافية وغيابها هدم للذات

 

*اللغة العربية هوية الأمة الثقافية وغيابها هدم للذات.

*عشقت القراءة منذ نعومة أظفاري ووالدي ووالدتي وراء نجاحي.

*الفصحى في خطر شديد والسخرية منها أمر عجيب!!.

*تقديم اللغات الأجنبية على العربية خطر على الهوية.

*حضور الفصحى ضرورة في مقامات التعليم والتدريب.

*الإبداع موهبة ورعايته ضرورة.

 

حوار- نايف العجلاني

شخصية مميزة أكاديمية، ومستشارة، وباحثة لغوية في ثاني أصعب لغة في العالم “اللغة العربية”.

الدكتورة خديجة بنت عبدالله بن سرور الصبّان؛ التي ولدت، ونشأت في خير بقاع الأرض، في مكة المكرمة، وهي أيضًا شاعرة، وباحثة في الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، وقد حصلت ضيفتنا على لقب المرأة النموذج من حملة الأيادي البيضاء؛ لإسهامها في خدمة المجتمع، وقضايا المرأة بالمملكة العربية السعودية، وكذلك حصلت على وسام الإبداع من جمعية الثقافة، والفنون بجدة.

صدر لها ديوان شعري اسمه “نبض المرايا” وأيضا صدر لها كتاب اسمه “تخليص البدل من عطف البيان، دراسة دلالية من خلال القرآن الكريم”.

هي عضو، ومستشارة لعدة جهات.

فرقد: دكتورة خديجة، بدايةً حدثينا عن طفولتك، وكيف اكتشفت حب اللغة العربية بداخلك؟ ومتى كان ذلك؟

خديجة الصبّان:

عشقتُ القراءة منذ نعومة أظفاري؛ وكُتُبُ والدي أوجدتْ ذلك العشق. فأغلفة كتبه المرصوصة على طاولة في غرفته، كانت تبعث إليَّ بإشعاعاتها؛ فاقترب منها، وأحملها الواحد تلو الآخر بين يديَّ: أتأملها، أقرأ صفحات منها، وأجزم أنِّي لم اَلتقط ما وراء الكلمات؛ فقد كانت ذات أحجامٍ كبيرة، وموضوعات لا يتأتَّى فهمها للأطفال، تتنوَّع بين الرواية والسياسة والسِّيَر. ولازالتْ بعض عناوينها عالقة بذهني منذ العاشرة وحتى الآن: رواية “قصَّة مدينتين” لتشارلز دِكِنز، “مذكرات ونستون تشرشل”، “مذكرات أنتوني إيدن”، “رسائل نهرو إلى ابنته أنديرا غاندي”، وغيرها وغيرها. وكنتُ أيضًا أقلِّدُه في الاستماع إلى نشرات الأخبار والتعليقات عليها؛ فجادتْ لُغتي؛ إذِ الإعلام وقتها كان مصدرًا مُهِمًّا من مصادر تلقيِّ اللغة الفصيحة واكتسابها؛ فالإعلاميون كانوا على درجة عالية من الثقافة والإجادة، والفصاحة. ولعلَّ شيئًا من ذلك يعود، وهو ليس بصعب، إذا وُجِدَتْ الرغبة والإرادة لدى القائمين على أمر الإعلام، مع ملاحظة أنَّ الجمهور؛ الذي يقرأ القرآن، ويُعايشه، لن تكون لديه مشكلة في التلقيِّ بالفصحى، والتَّفاعل معها؛ وليس كما يُظنُّ به.

فرقد: واجهتك بعض المصاعب في استكمال دراستك، خصوصًا أنَّه في ذلك الوقت لم يكن هناك تمكين للمرأة مثل اليوم. حدثينا عن بعض المصاعب التي واجهتك؟

خديجة الصبّان:

الحقيقة، رحلتي الدراسيَّة كانت مُيسَّرة، ولم تُواجهني أيَّ مصاعب -ولله الحمد- فوالدي ـ رحمه الله ـ كانَ داعمًا لنا ـ نحن البنات ـ ولتعليمنا.

وقد أسَّسَ أحد رجالات مكة، ومربِّيها الفضلاء، وهو الأستاذ عمر عبد الجبار ـ رحمه الله ـ مدرسة للبنات بمكة، تضم جميع مراحل التعليم، من الروضة إلى المرحلة الثانوية، وهي “مدارس الزهراء الأهلية”. وكانت تضمُّ مباني جميعَ المراحل الدراسية، في فناء واحد كبير. وكانت مدرسة ذات تَمَيُّز من جميع النواحي: المعلمات، الأنشطة المنوَّعة، ومنها التمارين الرياضية الصباحية، وألعاب الأطفال، والحدائق، والساحات، بل وحتَّى سكن المعلمات كان مُلحقًا بها، لا يفصله عنها سوى باب. وقد درستُ بها حتَّى حصولي على شهادة المرحلة الثانوية، من القسم العلمي. وكان حلمي أنَّ اَلتحق بقسم الرياضيات. ولكنَّ ذلك الحلم قد تبدَّد بمجرد دخولي الجامعة، فلم يكن بها من الأقسام العلمية سوى قسمين، الأحياء والفيزياء، ولم تكن لي رغبة بأيٍّ منهما. فاضطررتُ لاختيار قسم اللغة العربية؛ لأجل علم النّحو؛ إذْ كنتُ أجدُ فيه شبهًا بالرياضيات من جهة ما يتطلبه من صور إعمال العقل. والصعوبة التي واجهتني بالقسم هي مادة التاريخ، فقد درسنا منها عدَّة مستويات، بدءًا بتاريخ العرب قبل الإسلام.

وفي السنة التالية تمَّ افتتاح قسم الرياضيات، لكنْ لم يُشجعني أحد من أهل أو أساتذتي على التحويل إليه؛ فقد اجتزتُ السنة الأولى بقسم اللغة العربية بتقدير ممتاز، وكان ترتيبي الثانية؛ فأكملتُ رحلتي بقسم اللغة العربية، حتَّى حصولي على درجة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها والتربية، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى. وبعد تخرجي، التحقت بقسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة القاهرة؛ للحصول على درجة الماجستير، وكان تخصصي الدقيق النحو والصرف. وقد طلب مني الأستاذ المشرف على رسالتي، وهو الأستاذ الدكتور محمود فهمي حجازي دراسة (نظرية النحو التحويلي لتشومسكي)، فالتحقتُ بجامعة جنوب كاليفورنيا، بلوس أنجلس، وأمضيتُ عامًا هناك.

فرقد: لابدَّ أنَّ هناك شخصًا كان لكِ داعمًا ومحفزًا في دراساتك، حتى وصلتِ للدكتوراه، لاسيما أنَّه خلال دراستك للماجستير ذهبتِ لجامعة جنوب كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية.

خديجة الصبّان:

الشخص الثاني، الذي كان داعمًا لتعليمي، وإكماله حتى مرحلة الدكتوراه، هي والدتي؛ فقد تُوفِّيَ والدي سنة حصولي على شهادة المرحلة الابتدائية؛ فأكملتْ هي معنا المسيرة، تشجيعًا ودعمًا. فجزاهما الله عنِّي، وإخوتي، وأخواتي خير الجزاء، وأسكنهما الفردوس الأعلى، وجعل كلَّ ما اكتسبناه، وما زلنا نكتسبه، وننشره من العلم في ميزان حسناتهما.

فرقد: نلاحظ طفرة في الكتابة بالعامية، في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك في بعض البرامج التلفزيونية في وقتنا الراهن. هل نستطيع القول أنَّ الفصحى في خطر؟

خديجة الصبّان:

أجل، هي في خطر شديد؛ فسيادة الكتابة بالعامية في كل تلك المواقع وغيرها، سيؤدي مع مرور السِّنين إلى أمور خطيرة، منها:

تغيير خصائص الفصحى تغييرًا كاملًا: الضمائر، الأسماء الموصولة، أدوات النفي، والاستفهام…الخ، مع ملاحظة أنَّ العامية ليستْ واحدة، إذْ لكلِّ منطقة عاميِّتها في البلد الواحد، وهي كذلك في كلِّ بلدٍ من البلاد العربية، فلنا أنْ نتخيّل الكم الهائل من التغييرات؛ التي ستنال اللغة العربية، فتمسَخُها مَسْخًا.

ونتيجة لتلك التغييرات وديمومة استخدامها في الكتابة، لن تكون الأجيال الشابة واليافعة قادرة على:

قراءة وفهم ما كُتب بالفصحى، أيْ أنَّها ستنفصم عن كل ذلك النِتاج الثقافي، الأدبي والعلمي الضخم، قديمه وحديثه، ولن تكون قادرة على التواصل معه. وبوادر ذلك قد ظهرت منذ الآن، وباستمرارها سنبلغ مرحلة عدم القدرة على التلاوة الصحيحة للكتاب العزيز، وفهم آياته. ولن تكون تلك الأجيال -أيضًا- قادرة على الكتابة السليمة، الخالية من الأخطاء؛ إذْ إنَّها ستفقد ما اكتسبته من مهارات الكتابة ـ وفي مقدمتها مهارة الإملاء ـ التي يتمُّ تعلّمُ قواعدها منذ المرحلة الابتدائية. وآثار ذلك أخذتْ تظهر، بل تتفشَّى منذ الآن، فلا تكاد تجدُ لأحدٍ ـ مهما كانت منزلته في العلم والثقافة ـ كتابات تخلو من الأخطاء الإملائية، وأخطاء الصياغة، وغيرها، إضافة إلى ركاكة الجمل والعِبارات. وكل ذلك ناتج من نواتج استمرار الكتابة بالعامية، وقراءة ما يُكتبُ بها في تلك المواقع. ويا للأسف! لم تعُدْ تلك الإشكالات مقتصرة على أجيالٍ بعينها، بل أصبحتْ عامّة وشاملة.

وإضافة إلى خطر سيادة اللهجات العامية في الكتابة، هناك خطر آخر، وهو الدراسة باللغات الأجنبية منذ مرحلة الروضة والتمهيدي، وإلى نهاية المراحل التعليمية، في المدارس (الإنترناشونال) حيث تتحوَّل اللغة الأم إلى لغة ثانية، بل إلى أدنى مستوًى منها؛ إذ معظم تلك المدارس لا تخصِّص لتدريس اللغة العربية أكثر من حصتين في الأسبوع. وتُكْمِلُ بعض الأسر دور المدرسة ذاك، فلا تتحدّث إلى أبنائها إلَّا باللغة التي يتعلمون بها في تلك المدارس. ولا بُدَّ من القول هنا أنَّ تعلُّم الإنجليزية أمر مطلوب وضروري، لكن الاهتمام بها ودراستها شيء، والتدريس بها شيء آخر، وبخاصة في المراحل الأولى من التعليم؛ ففي الأول انفتاح على الثقافة والعلوم، واطلاع على الحضارة الأجنبية، وفي الثاني قهر للغة الأمِّ، مِمَّا ينشأ عنه تأثير خطير على الهُويَّة.

فرقد: مِمّا يندى له الجبين ويفطر القلب أننا نجد شبابًا وشابات يتقنون اللغة الإنجليزية، ويتحدَّثون بها بطلاقة، في حين لا يستطيعون التحدث بالفصحى، بل البعض يخجل، ويخشى أنْ يكون محطَّ سخرية إذا تحدث بها.

بنظرك ـ وأنت باحثة ومستشارة لغوية ـ ما هو الحل، لغرس الفصحى في النشء وتكون متداولة في مجالسنا ومنازلنا؟

خديجة الصبّان:

أنْ يكون حديثنا بالعامية في مواقف الحياة اليومية، أمر طبيعي ومقبول، والحديث باللغة الفصيحة ينبغي أنْ يكون في مقامات التعليم والتدريب، والمواقف الثقافية، وعبر وسائل الإعلام مرئية ومسموعة ومقروءة. فالعامية، من اسمها، لا تليق بتلك المواقف. وأمرُ السخرية من الحديث بالفصحى غريب عجيب، وأخشى على الذين يفعلونه من أنْ يأثموا. وإذا بحثنا عن مصدر تلك السخرية والاستهانة بأمر الفصحى، نجده يرجع إلى رسائل مبثوثة في عددٍ من أفلام بعض الدول العربية القديمة، والحديثة أيضًا، وفي بعض المسرحيات أيضًا، وتلك الرسائل عبارات من الفصحى تُنطقُ بصورة ساخرة تثير الضحك، واعتاد الناس أنْ يضحكوا كلَّما سمعوها، ثمَّ سرتْ تلك السخرية، والضحك على كل مَنْ نطق بجملة من هذه اللغة الشريفة؛ التي اصطفاها ربُّنا؛ لتكون لغة كتابه. وهناك المشكلة الأخطر، وهي ظاهرة الكتابة بالعامية، وقد تحدثتُ عن نتائج وآثار استمرارها، في إجابتي على السؤال الرابع، وهناك ظاهرة اللغة الهجينة التي تُسمّى (الأَرَبيزي). وحلُّ كلِّ تلك الإشكالات يكون بالعمل على نشر الوعي بما ينبغي لهذه اللغة من التقدير والإجلال. ولِوسائل الإعلام وغيرها من المؤسسات الرسمية، ومنها مؤسسات التعليم، دور مهم في إنزال هذه اللغة منزلتها التي تستحقها، ثم يأتي دور الأسرة، ويتمثَّل في إدراك الوالدين وشعورهما بالمسؤولية تجاهها، ومِنْ ثمَّ يعملان على غرس ذلك الشعور في نفوس أولادهما.

فرقد: قمت بتأسيس مجموعتين عبر تطبيق “الواتس آب” أسميتِ إحداهما “لأجلك، سيدةَ اللغات” والأخرى “باللغة نرتقي” حدثينا عن منطلق فكرة تأسيسهما، وعن الهدف الذي تتطلعين إلى تحقيقه من وراء تأسيسهما.

خديجة الصبّان:

ملتقى “لأجلكِ، سيدة اللغات”، تم تأسيسه قبل ثلاثة أعوام، في ديسمبر (2017)، وجاء ذلك بعد محاضرة ألقيتها بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، فقد وجدتُّ أنَّ تأسيسه أكثر جدوى مِمَّا هو مُعتاد فِعله احتفاءً بتلك المناسبة، من إرسال لوحات الأبيات والشعرية، وفي مقدمتها بيت المتنبي المشهور، والذي أصبح نشره في المجموعات والمواقع رمزًا لذلك الاحتفال. وأعضاء ذلك الملتقى من السيدات فقط؛ ولذلك اقترح الأستاذ محمد آل صبيح (مدير جمعية الثقافة والفنون بجدة) أن يكون للرجال نصيب، فاتفقنا على تأسيس مجموعة تضم الجنسين، واختار هو اسمها، وهي في الواقع توأم لـ “ملتقى لأجلك”.

والملتقى يهدف إلى تنشيط العلاقة بين الفصحى، وتُراثها الأدبي من جهة، وأعضائه، والمحيطين بهم، من جهة أخرى؛ بتقديم كل ما يُساعد على الارتقاء بمستوى قراءتهم وكتابتهم، وبمستوى تذوقهم لتراث العربية الأدبي. والتلقِّي هو وسيلة تحقيق ذلك الهدف؛ إذْ أنّ اكتساب اللغة يتمَّ ـ كما هو معلوم ـ عن طريق الاستماع والقراءة. ولغة الكتابة السائدة في مجموعات (الواتس أب) وغيرها من مواقع التواصل، هي العاميَّة؛ وسيادتها تؤدِّي مع مرور الوقت إلى تَغيُّر خصائص الفصحى، وإلى افتقاد القدرة على الكتابة بها، وعلى قراءة ما كُتبَ بها. وحرصًا على التخفيف من الإشكالات الناتجة عن انتشار الكتابة بالعامية، وعلى تنمية مهارتيْ القراءة والكتابة بالفصحى لدى الأعضاء، يقوم الملتقى بما يلي:

  1. تزويد الأعضاء، يوميًّا ـ من صباح الأحد إلى مساء الأربعاء ــ، بنصوص مختارة (نثرية وشعرية) تُرَاثيَّة، في الغالب، أو معاصِرة، مُرفقةٍ بتسجيل صوتي لقراءة المشرفة على الملتقى لها، ثم إقامة حوار، ونقاش حول تلك النصوص داخل المجموعة، وطرح أسئلة، وتلقِّي إجابات، وتعليقات أعضاء الملتقى، مكتوبة بلغة فصيحة، وكل ذلك يعتمد على تفاعل أو عدم تفاعل الأعضاء.
  2. من حين إلى آخر، تُرسل فيديوهات إلقاء قصائد لكبار الشعراء، قُدامى ومُحدثين.
  3. يتمَّ أيضًا من حين إلى آخر، إرسال لوحات تتناول قواعد نحو أو إملاء، وتتولَّى المشرفة على الملتقى شرحها، والإجابة على أسئلة الأعضاء حولها، إن وُجِدَتْ.
  4. يُخصِّص الملتقى ثلاثة أيام في الأسبوع ـ من صباح الخميس إلى مغرب السبت ـ لمشاركات أعضائه، بإنتاجهم الأدبي، أو بمختاراتهم المتعلقة بالفصحى وتراثها الأدبي، لا غير.

فرقد: دعينا نتكلم عن موهبتك الشعرية متى اكتشفت داخلك هذه الموهبة؟

خديجة الصبّان:

منذ الطفولة، وكانت البداية بكتابة الأناشيد. وأذكر أنَّ أول نشيد كان بمناسبة إطلالة عيد الفطر المبارك، وقمتُ بتلحينه وغنائه، وإخوتي بالبيت.

فرقد: لديك ديوان شعري اسمه “نَبْض المرايا”، وهو ديوان يتيم، فهل سنرى في قادم الأيام ديوانًا شعريًّا آخر للدكتورة خديجة؟

خديجة الصبّان:

أجل، إن شاء الله. وعنوانه ” وتَغْلُو الهدايا قصائد”، وقصائده موجودة منذ أمَد، ومشكلتي قد تكون قِلَّة الاهتمام بذلك الجانب. و”نبض المرايا” ما كانَ ليرى النور، لولا وقفةُ مُطالَبة لحوحة وصامدة من أخي د. محمد، وأختي د. إلهام.

 

 

فرقد: هل تذكرين أول قصيدة منشورة لكِ؟ وهل تستطيعين اطلاع قرّاء فرقد على بعض من أبياتها؟

خديجة الصبّان:

أوَّل ما نُشرَ لي كان مقتطفات من بعض القصائد ـ ومنها قصيدة ” أَصِلُ القرار” ـ التي ألقيتها في الأمسية الشعرية؛ التي أقامتها الجمعية الفيصلية الخيرية بجدة منذ سنوات بعيدة، وكانتْ أول أمسية شعرية أشارك فيها، وقد ضمَّتْ القامتين الشعريتين الكبيرتين، الشاعرة سلطانة السديري، والشاعرة ثريا قابل.

فرقد:عام (2012) تقريبًا كنت أول امرأة ينطلق صوتها عبر أثير نداء الإسلام، وكان ذلك من خلال برنامج ” من أسرار لغة القرآن” الذي استمر مدة عام. حدثينا عن الصعوبات التي واجهتك ليرى برنامجك النور من خلال تلك الإذاعة.

خديجة الصبّان:

بحمد الله، لم تُواجهني أيَّ صعوبات في ذلك؛ فتقديمي للبرنامج، ـ وقبله بعام كان تقديمي للقاء أسبوعي بعنوان “حديث اليوم” ـ جاء بناءً على طلب من مدير الإذاعة وَقْـتَئِذٍ، وهو سعادة الأستاذ عدنان صعيدي. وقد جاء طلبه ذاك بعد إذاعة أحد برامج “نداء الإسلام” لمقتطفات من محاضرتي ” دور المرأة في نشر ثقافة الاعتدال”، وقد ألقيتها بجامعة الملك عبد العزيز بجدة ضمن فعاليات “كرسي الأمير خالد الفيصل لنشر ثقافة الاعتدال”.

فرقد: ما هي نصيحتك للمبدعين، والمبدعات لكي يحققوا الاستمرارية في إبداعهم، بل تطوير هذا الإبداع؟

خديجة الصبّان:

الإبداع في أساسه موهبة ـ كما هو معلوم ـ، ولكي تنمو تلك الموهبة لا بُدَّ من رعايتها، وريِّها الدّائم، والمستمر بما يضمن نُمُوَّها وتَرَعْرُعَها، بالقراءة وبالالتحاق بالدورات للمميَّزين من المدربين، وبحضور الفعاليات المتصلة بمجال الموهبة. والموهوب أدبيًّا لا بُدَّ له من مداومة الاتصال بالتُّراث الأدبي للغة العربية، شعره ونثره، إلى جانب اطِّلاعه على إنتاج كبار شعراء وأدباء العصر الحديث. وأمْرُ التواصل والتراث الأدبي للعربية، أصبح ـ وللهِ الحمد ـ مُيسَّرًا؛ فقنواتُ (اليوتيوب) حافلة بفيديوهات إلقاء قصائد الشعر العربي القديم بمختلف عصوره، وهناك فيديوهات لشرح عدد من تلك القصائد شرحًا جيّدًا.

والجميل المُثْلِج للصدور، وجود ثُلّة من الشباب المُبدع الذين يُعلنُ إنِتاجهم الأدبي الفاخر، نثرًا كان أو شِعرًا عن مدى اشتغالهم على تنمية مواهبهم، ومهاراتهم الكتابية، كما يُعلن ذلك الإنتاج عن عُمق صِلَتِهم بالموروث الأدبي، وبما تخطّه يراعات الفطاحل من المبدعين المعاصرين.

فرقد: بحكم أنَّك عضوة في مجلس إدارة “منتدى نخبة الإبداع” وكنتِ مشرفة على “ملتقى المبدعات” بجمعية الثقافة والفنون بجدة، ما الذي يحتاجه المبدع لكي يُبرز إبداعه؟

خديجة الصبّان:

إبرازُ الإبداع ـ وأظنُّك تعني تقديمه للناس ـ أصبح أمرُه ميسورًا، بل في غاية اليُسر والسهولة للجميع، ويَستوي في ذلك إبداع المبدع، ومَنْ يُوهَمُ أنّه مبدع. ففضاءاتُ مواقع التواصل، ومجموعات (الواتس) مُشْرَعَةٌ أبوابها، وعبارات التهليل والإعجاب والتمجيد، تنهال وتنثال دون تَفْرقة، فالكلُّ إبداع، والكلُّ رائع، والجميع بتلك الأوصاف يتيهون. بل حتَّى وسائل الإعلام، مرئية ومسموعة ومقروءة، صارتْ مفتوحة أبوابها للجميع، من منطلق تشجيع الشباب. ودور النشر كذلك، لا تَرُدُّ مكتوبًا مهما تدنَّى مستواه، بل وإنْ كُتِبَ بالعامية.

فرقد: ختامًا نريد منك دكتورة نصيحة لأفراد المجتمع، الذين لا يهتمون باللغة العربية الفصحى.

خديجة الصبّان:

أنقل إليهم ما قاله أحد علماء السلف حول اللغات ودورها: “اللغات من أعظم شعائر الأمم، بها يتميزون، وعليها يجتمعون، وبها يتَّحدون، وعلى أساسها يكون رمز وجودهم”. وعلى ذلك فالعربية ركن من أركان الهُويَّة الثقافية لهذه الأمّة العربية، تُسهم بتراثها في بناء الذات، وفي هدمها هدمٌ للذات. وقال آخر: ” … إنَّ نفس اللغة العربية من الدّين، ومعرفتها فرض واجب؛ فإنَّ فهم الكتاب والسُّنَّة فرض، ولا يُفهم إلَّا بفهم اللغة العربية، وما لا يتمُّ الواجب إلّا به فهو واجب”.

ولِعددٍ من المستشرقين أقوال تكشف عن مدى تأثّرِهم بِما للعربية من سِمات فائقة. ونجتزئ منها بأقوال عدد منهم. قال المستشرق الإيطالي كارلو نلينو: ” اللغة العربية تَفُوقُ سائر اللغات رونقًا وغِنًى، ويعجز اللسان عن وصف محاسنها”. وقالت المستشرقة الألمانية زيفر هونكة: ” كيف يستطيع الإنسان أنْ يُقاوم جمال هذه اللغة، ومنطقها السليم، وسحرها الفريد؛ فجيران العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها، سقطوا صرعى سحر تلك اللغة”. وقال المستشرق الفرنسي ريجي بلاشير: ” إنَّ من أهم خصائص العربية قدرتها على التعبير عن معانٍ ثانوية لا تعرف الشعوب الغربية كيف تُعبِّرُ عنها”.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *