الإنتاج الأدبي ودور النشر إبداع مفروض …. وخداع مرفوض

الإنتاج الأدبي ودور النشر

إبداع مفروض …. وخداع مرفوض

 

إعداد- هيا العتيبي

يتطلع كل مؤلف وناشر لأي إنتاج أدبي إلى احترام حقوقه الفكرية وتقدير إبداعاته المعرفية من خلال دور النشر وجهات التسويق، الأمر الذي يربطه بالإبداع ويشجعه على التميز في دروب الثقافة والأدب، ولكنه يواجه بتضييع حقوقه من خلال دور النشر التي تخل بعقود الاتفاق سواء الشفهية أم المكتوبة في ظل تداعيات عدة، وتعرض بعض المؤلفين إلى خداع من قبل الجهة الناشرة، أو من خلال تضييع جهده، سواء من دار النشر التي تخالف العقد المبرم معها، في العقود أو من خلال تجاهل المنصات الثقافية لإبداع المؤلف وعدم تقييمها له،  أو تأجيل تحقيق المطالب المفروضة عليهم والتنصل من دعم المؤلف ونتاجاته.

وذلك عن طريق المحاور التالية:

  • ما هي ابرز الحقوق التي يجب أن يحصل عليها المؤلف كمسلمات معترف به في موازين التأليف؟
  • ما هي أوجه ضياع حقوق المؤلف ومن المدان في ذلك؟
  • هل محاسبة المتورطين في الاحتيال وتضييع حقوق المؤلف كافية أم أن تطويل وتعقيد الاجراءات كان سببا في ارتفاع حالات الخداع؟
  • كيف تتم حماية حقوق المؤلف ..وما هي مطالبكم نحو المدانين في  ضياعها؟

*الشبكة العنكبوتية ساهمت في ضياع الحقوق

والبداية مع الكاتب: أسامة المحوري. من اليمن. الذي تحدث مفتتحا تحقيقنا عن حقوق المؤلف بقوله: المؤلف الذي يطبخ حرفه على نار هادئة، وبجهد سنوات من التجربة والمحاولة الجادة، لا يليق به بعد كل هذا النضوج الإبداعي والمعرفي إلا أن يضع حرفه في إناء يتناسب مع الجهد المبذول فنياً  ليكتمل  الإبداع مادة وشكلاً،  ومن هنا فإن الخطوة الأولى من خطوات المؤلف هي أن يخرج كتابه بالشكل اللائق  رونقاً وتصميماً وطباعة وتوزيعاً، وذلك من خلال اختيار دار نشر ذات مصداقية وتجربة في طباعة الكتاب، أما عن الحق المادي فلعل الأولى بالمؤلف الشاب أن يؤجل التفكير فيه قليلاً، وأن لا يجعله مقصداً أولياً في بداية مشروعه الكتابي،  فكل هذه الأمور ستأتي تلقائياً بعد أن ينحت المؤلف اسمه في جدار الإبداع كتابة ونشراً وانتشاراً.

 

وعن ضياع حقوق المؤلف؛ أردف المحوري بقوله: هناك عوامل عدة ساهمت في ضياع حقوق المؤلف، ولعل الشبكة العنكبوتية من أهم تلك العوامل، إذ عزف كثير من القراء عن الكتاب الورقي، ومال كثير منهم للكتاب الإلكتروني في نسخ مجانية لا تكلف القارئ مساحة ولا مالاً، بالإضافة إلى انتشار النسخ العشوائية الرديئة بأسعار تتناسب مع  قدرات القارئ العربي المادية، ومن خلالها تضيع حقوق الدار الأم وتضيع حقوق المؤلف معها.

 

أما عن كيف نحفظ حق المؤلف: فالأمر بحاجة إلى جهود كبيرة تقوم على عاتق المؤلف من جهة ودور النشر والجهات الرقابية المختصة من جهة أخرى، وذلك من خلال تعامل المؤلف مع دار تحترم حقوقه الفكرية والمادية، وعلى دور النشر أن توفر الكتاب ورقياً بالشكل الذي يحفظ جهد المؤلف ويوصل كتابه للمهتمين من جمهور القراء،  كما أن عليها أيضا أن توفر نسخاً إلكترونية تحفظ من خلالها حق المؤلف وتوفر الكتاب للقارئ حيثما كان، فحين تتأخر الدار الأم عن هذه الخطوة المهمة تتيح بذلك للنسخ المسروقة الانتشار في العالم الافتراضي، أما عن دور وزارات الثقافة وهيئات الكتاب بالوطن العربي فهو الدور الأهم. وذلك من خلال تكاتف الجهود بين كل تلك الجهات لإيجاد رقابة إلكترونية شاملة تقضي على النسخ الاحتيالية وتشجع المؤلفين على النشر وتحافظ على حقوق المؤلف والناشر والقارئ في آن واحد.

 

*النشر باعتباره عملا تجاريا

ويتبع الكاتب السعودي: محمد ربيع الغامدي بقوله: في البداية يجب علينا أن نتعامل مع النشر باعتباره عملا تجاريا في الأصل، وأن للناشر الحق في تحصيل أرباحه استيفاء من المؤلف نقدا أو من إيرادات الكتاب. وعلينا أن نتعامل مع المؤلف كمحتاج للخدمة مقابل أجر يدفعه نقدا أو يأذن للناشر باستخلاصه من إيرادات الكتاب. لا الناشر مسخر لخدمة المؤلف دون مقابل، ولا المؤلف مسخر لدفع المال دون خدمة. ومن حقوق المؤلف أن تتم طباعة كتابه وفق معايير يتضمنها عقد مكتوب، وأن يتم نشر كتابه عبر منصات نشر محددة يتضمنها العقد نفسه، وأن يتولى الناشر خدمات التجهيز من تصميم وتنسيق ورسميات ما لم يذكر خلاف ذلك، ومن حقوق الناشر أن يفي المؤلف بما التزم به من حقوق ماليه.

هناك إذن عقد واضح بين الطرفين، على المؤلف أن يقرأه جيدا، وأن يقترح التعديلات التي يراها شريطة أن يقبل بها الناشر، وعند حدوث أي خلاف فإن العقد هو مرجع الفصل. فلو تمت الطباعة على ورق رديء أو بأحبار سيئة أو بتنسيق رديء أو بكميات غير مطابقة للعقد أو أخل الناشر بمنصات التوزيع المتفق عليها، أو تجاهل حقوق المؤلف عند إعادة الطبع، فإن مرجعيات الاحتكام هو العقد، لذلك فإن على المؤلف أن يقرأ العقد جيدا قبل أن يقيد نفسه به، كما يستحسن أن يتفاهم مع الناشر حول كل التفاصيل والمواصفات والشروط التي يراها. وعلى المؤلف أن يكون على علم مؤكد بالقيمة العلمية والتجارية لكتابه فيحدد حتى سعر البيع فلا يُظْلَم ولا يَظلِم. وعموما فالمدان هو من يتحاوز شيئا من بنود العقد إن كان الناشر وإن كان المؤلف.

والمحاسبة تتم على ضوء العقد، كما أن للجهات المعنية نظرتها العميقة في تلك الخلافات، وللحق فإن ضياع حقوق المؤلف يأتي من تساهله في قراءة العقد والتسرع في التوقيع دون مراجعة بنوده كاملة، كما يأتي من ضبابية المبيعات التي قد تخضع في نهاية المطاف لأمانة الناشر.

وفي جميع الأحوال فإن الكساد القائم حاليا في سوق الكتاب الورقي قد يغيّر الكثير من تلك المعادلات.

 

*ميثاق شرف لحقوق المؤلف

ويكمل الحديث حول حق المؤلف والناشر؛ الكاتب محمد علي الشيخ. من السعودية بقوله: في مقاربة -ليست من قبيل إجبار الأضداد على التشابه– بين حقوق الملكية الفكرية وحقوق الإنسان، نجد أن كليهما مراوغ ويستعصي على التأطير والتبويب، ولعل أدنى حقوق الملكية الفكرية إلى التداول الحقوق المترتبة على دور النشر. وهي في نطاقها الضيق والمباشر والمتكرر، زيادة عدد المطبوع … وإعادة التدوير إذا ما (ضرب) المنشور على أكتاف الشهرة في غفلة من المؤلف، وإدراك  المؤلف لمثل هذه العمليات التي تمارس باحترافية يظل تحت مستوى اليقين. وأعقدها (السطو) على القصائد والمقال … وبعض الاقتباسات. ذلك أنه مع تعدد منصات النشر، يصعب الوقوف على (المختلس) الأول من بين المشاركين في التداول وعصائب أهل النصب.

لكنه –ورغم ما يرد علينا من قضايا- إلا أن صحيحها ليس بالمفزع، وهي تتم غالبا في دور النشر خارج المحليات … ومع أصحاب الأسماء والواجهات الأدبية الكبيرة. لذا نعتقد جازمين بضرورة تفعيل ميثاق شرف كما في الإعلام للحد من انتهاكات النتاج الفكري، وليس الجامع المانع. ذلك أنه في مثل هذه السهولة والسيولة في النشر تصعب المقاضاة التي وإن أعادت لك حقوقك، فقد انتزعت راحتك ووقتك … وبقية مال يلوذ بجيبك فزعا من النفاذ.

 

*الكتاب الأول وهاجس الجهل بحق المؤلف

ويرى الكاتب اليمني: إبراهيم مشلاء. أن النشر: يمثل هاجسا للكاتب منذ لحظة سكون اليراع بين أصابعه، ويستمر مصاحبا له مع مسيرته الإبداعية، وحين تحين اللحظة المناسبة للنشر يبدأ هذا الهاجس ليأخذ سياقاً أخر لدى الكاتب أو المبدع عن نوعية دار النشر المناسبة، وطريقة الطباعة، شكل المصنف، وهنا تبدأ رحلة البحث عن الدار المناسبة. ونظراً لجهل الكاتب بحقوقه في هذا المجال تبرز على السطح هذه القضية، ويكثر الحديث عنها مع تعرض بعض الكتاب لضياع حقوقهم مع بعض دور النشر. ولعل الحديث عن حقوق المؤلف يتطلب الحديث أولاً عن الحقوق الفكرية والأدبية والتي تأتي في مقدمة هذه الحقوق وتعد حقاً لصيقاً بالكاتب فمن حقه أن ينسب مصنفه لنفسه، وكذلك عملية التعديل والحذف أو حتى عملية سحب الكتاب والرجوع عنه، وهي حقوق لا يقبل القانون التنازل عنها مهما كانت الأسباب. ثم يأتي بعد ذلك الحق المادي أو المالي والذي تحكمه عقود التعاقد بين المؤلف وجهات النشر.

في اعتقادي أن العامل الأول في ضياع حقوق المؤلف هو عامل جهل الكاتب بهذه الحقوق، وأيضا حرص الكاتب على النشر خصوصا حين تكون للمرة الأولى، مما يدفعه إلى التعاقد دون استشارة  أي مختص قانوني، مما يجعله فريسة سهلة لبعض الدخلاء على المشهد الثقافي من خلال دور النشر الوهمية والتي تضيع معها حقوق الملكية للمؤلف.

ومن أوجه ضياع الحقوق هو عدم إيفاء هذه الدور ببنود التعاقد والإخلال بها، مثلا قضية التوزيع للمكاتب، والمشاركة في معارض الكتاب، أو حتى عملية التسويق الناجح للمصنف، وأيضا الالتزامات المالية وغيرها وهنا نجد المؤلف بعد طباعته للكتاب يقف عاجزاً حيال هذه القضايا مما دفع البعض منهم للعزوف عن الطباعة والنشر الورقي،  والاعتماد على النشر الإلكتروني الذي يتولى عملية النشر بسهولة ويسر رغم حجم المخاطر وضعف الحماية الفكرية في هذا النشر.

وحين نتحدث عن كيفية حماية هذه الحقوق يأتي في المرتبة الأولى عملية البحث والتأكد من قبل المؤلف عن هذه الدار ممن سبقه من الكتاب في التعامل معها، وأيضا استشارة القانونين في بنود عقود التعاقد ، ماله وما عليه، ولابد أن تتولد الثقة بينهما من خلال مبدأ الشفافية الذي يجب أن يحكم هذه العلاقة ومتى ما تم الإخلال بهذا الاتفاق يكون من السهل الرجوع للجهات المختصة وعندها لا تضيع الحقوق وهنا لابد أن نشيد بدور النشر المعتبرة سواءً تلك التي أوجدت لها مكانة في الساحة الثقافية أو حتى دور النشر الحديثة والتي وضعت مبدأ الشفافية والوضوح سبيلا ً للتعامل مع المؤلف.

 

*حقوق المؤلفين في ميزان السيد تنفيعة إخوان

ويشاركنا تحقيقنا الدكتور: موسى الحالول. من السعودية؛ بقوله: “قفا نحك!”  أود بدايةً أن أشير إلى أنني لا أميز بين المترجم والمؤلف، فالمترجم أيضًا كاتبٌ ثانٍ لنصوص غيره. كما أن علاقةَ المترجم بالناشر العربي يشوبها ما يشوب علاقة المؤلف بالناشر، مع أني أرى أن المترجم يتعرض إلى الحَيْف أحيانًا لا من الناشر فحسب بل من المؤلف الذي يترجم عمله أيضًا (كما يمكن أن يتعرض أيضًا عمل المؤلف إلى الإجحاف من المترجم إذا لم يتقن هذا صنعته). وبما أن إنتاجي في مجال تأليف الكتب – وليس المقالات أو الدراسات القصيرة – لا يشكل إلا حوالي خُمس إنتاجي من الترجمة، فإن جُلَّ حديثي أدناه سيكون عن هذا الحقل الأخير. وسأروي فيما يلي بعض الحكايات التي فيها، على ما أظن وآمُل، من الأمثولات والعِبَر ما يُغني عن التنظير. فهذه الحكايات تدل على انعدام المهنية لدى بعض دور النشر العربية، وغياب الشفافية والعلاقة التعاقدية القائمة على الاحترام المتبادل التي تحفظ حقوق الطرفين، وأن هضم الناشر لحقوق المؤلف لا يقتصر على الجانب المادي فحسب، بل يتعدى إلى حقوقه المعنوية، وسأجري أيضًا مقارنةً سريعةً مع بعض دور النشر الغربية التي تعاملت معها.

في شهر ديسمبر 2000، أرسلت مقالةً ساخرةً بعنوان “العربية المعذَّبة” إلى الملحق الثقافي في جريدة عربية. كنت حينها ما زلت أحبو في عالم النشر. تحدثتُ في تلك المقالة عن ظاهرة “السيد تنفيعة،” أي راقن الجريدة أو المجلة الذي حاز وظيفته، لا بكفاءةٍ مشهودةٍ له بل وفق نظام المحسوبيات الأشْيَع في عالمنا العربي. السيد تنفيعة شخص جاهل يعيث في مقالتك إفسادًا، فيعبث بهمزات الوصل والقطع فيها على هواه، ويمسخ تاءاتها المربوطة إلى هاءات، وهاءاتها في نهاية الكلمة إلى تاءات مربوطة، يرفع المجرور، ويجر المرفوع، رغمًا عن أنف الإعراب وما تواضع عليه الأعراب. أما علامات الترقيم التي أزعم – لكونها بضاعةً غربيةً استوردناها فأفسدناها – أن نسبةً قليلةً من الكتاب والناشرين العرب يدركون دلالاتها، فيمارس عليها السيد تنفيعة هواياته في التفحيط الكتابي، ويضرب صفحًا عما وضعتَ بين يديه. باختصار، ظهرت مقالتي، بعد طول انتظار، مشوهةً: فقد أعمل فيها السيد تنفيعة مبضعه، وأنالَ مقالتي من “بركاته” ما تناله مقالات كثيرة من “بركات” أمثاله المتربصين بنا في كل منفذ للنشر في دنيانا العربية البائسة. كانت تلك مأساةً مضحكةً!

وبعد عشر سنوات من ذلك نشرت في دمشق كتابًا بعنوان «العربية المعذَّبة» وكان عنوان الفصل الأول فيه، “عفوًا، سيدي الناشر!” وكانت جعبتي قد امتلأت منذ نشر مقالتي الآنفة الذكر بطرائف كثيرة مماثلة. تحدثت في هذا الفصل عما يتعرض له المؤلف من حيف وإجحاف بسبب تدخلات الناشر أو أي موظف آخر حاكم بأمره. وبما أنني لم أتوقف عن التأليف أو الترجمة، فقد امتلأت جعبتي مرة أخرى بأمثلة أدهى وأمَرّ مما عانيت من تعديات الناشرين في عِقْدي الأول. فبعد صدور «العربية المعذبة» بسنتين، نشر أحد المراكز الثقافية العربية ترجمتي لسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم التي كتبها الصديق الراحل دِنِس جونسن ديڤِس، رحمه الله، للناشئة الإنجليز. فوجئت أن أحدهم أضاف عبارة من ثلاث أو أربع كلمات من عنده لم تكن في النص الإنجليزي الأصلي ولا في ترجمتي العربية. المصيبة أن الناشر لم يرسل لي تجارب الطباعة قبل النشر، لذلك لم أكتشف الخطأ الإملائي المضحك/ المبكي الذي ارتكبه السيد تنفيعة في إضافته لتلك العبارة إلا بعد أن نُشِر الكتاب. والأمثلة المماثلة مع الناشرين الآخرين كثيرة لكني سأكتفي بواحدٍ فقط لئلا أطيل عليكم.

قبل أشهر، أعادت لي إحدى دور النشر ترجمة من حوالي 550 صفحة للاطلاع والموافقة على التعديلات المقترحة من قبل أحد المراجعين. تمثلت المشكلة الأولى في كون ترجمتي أُعيدت إليَّ بصيغة PDF، ولذلك لم يكن من اليسير اكتشاف تعديلات السيد تنفيعة إلا إذا اكتشفتُ خطأً إملائيًا أو نحويًا فاقعًا. وهنا كنت أضطر إلى العودة إلى ملف الترجمة الأصلي (ملف وورد) المحفوظ لدي لأقارن بين النسختين وأعرف إن كان الخطأ مني أم من المراجع. على أية حال، أهدرت ثلاثة أسابيع من وقتي لأضع قائمةً بالأخطاء التي ارتكبها غريمي، فملأتُ بها إحدى عشرة صفحة فقط! كتبتُ للناشر ردًّا غاضبًا قلت فيه ما معناه، “أنا أفهم أن مهمة المراجع هي تنقية النص من الشوائب لا أن يكون هو سببًا في زيادة هذه الشوائب.” وفي تعليقاتي على أخطاء المُراجع الإملائية الكثيرة، قلت أيضًا، “يبدو أن مراجعكم قد أقسم يمينًا مغلظًا ألا يكتب كلمة صحيحة واحدة.” المُفرح في الأمر أن الناشر ألغى جميع تعديلات المراجع وأخذ بملاحظاتي، وهذا سلوك مهني نادر بين بني يعرب. والمفرح أكثر أن الناشر ذاته قد طلب مني بعد هذه المناوشة ترجمة ثلاثة كتب، فأحسست منه أنه يُقدِّر عملي ومهنيتي.

الشاربان بديلاً عن العقد؟

في عام 2002 نشرت إحدى المؤسسات الرسمية الثقافية الوازنة في الوطن العربي ترجمتي العربية لكتاب عن أساطير أحد الشعوب شبه المنقرضة اليوم. راقت ترجمتي لتلك المؤسسة فارتأت تكليفي ترجمة عمل آخر، واتفقنا مبدئيًا على أن يدفعوا لي مكافأتين بدلاً من المكافأة المالية المقطوعة عن كل عمل مترجَم، وذلك بسبب ضخامة الكتاب وصعوبته. وبعد أن أنجزت الترجمة بعد سنتين ونصف، أرسلتُها للناشر. وهنا بدأ يتكشف لي وجه آخر لم أره من قبل، ولم أكن قد وقعت عقدًا مع تلك المؤسسة، وذلك لقلة خبرتي وظنًّا مني أن كلمة رئيس تلك المؤسسة هي العقد. راح القائمون على تلك المؤسسة يماطلونني خمس سنوات إلى أن تقاعد رئيس المؤسسة الذي كلفني الترجمة عام 2002. وهنا بكل بساطة قالوا لي: “إن من كلفك تقاعد، ونحن لسنا ملزمين بنشر الترجمة أو دفع أتعابك.” ولما قلت لهم إن الرجل كلفني بصفته الاعتبارية وليس بصفته الشخصية، وإنني ما زلت أحتفظ بالفاكس الذي أتاني منه، وهددت بفضحهم في الصحف تراجعوا عن موقفهم السابق. اتصل بي حينها مدير إدارة النشر واعتذر عن المماطلة، ووعد بنشر الترجمة ودفع أتعابي. وبعد مدة أرسلوا لي العقد. كان البند المتعلق بالمكافأة المالية غامضًا، فاتصلت بمدير إدارة النشر لأستبين منه إن كانوا سيدفعون لي مكافأة واحدة (كما يوحي ظاهر العقد) أم مكافأتين (كما اتفقنا). قال سيدفعون لي مكافأتين حسب المتفق عليه. طلبت منه أن يذكروا ذلك في العقد بعبارة صريحة لا لبس فيها، فقال لي، “لَهْ، يا دكتور، خذها من شارب …” وذكر لي اسم قبيلته. وهكذا قبلتُ، بسذاجةٍ أو براءةٍ، أن يكون شاربه القَبَلي هو الضامن القانوني لحقوقي. وحين نُشِر الكتاب بعد حوالي عام، أنكر صاحبنا أنه تعهد لي بذلك. باختصار، لم يدفعوا لي مستحقاتي المالية كاملةً أو يرسلوا لي نسخي من الكتاب إلا بعد أن هددت من جديد بفضحهم أو مقاضاتهم.

عُرْب وعَجم

بالمقابل، اتفقت عام 2001 مع دار نشر دانمركية على ترجمة أمثال الڤايكنغ مقابل مبلغ معين، على أن تُدفع لي مستحقاتي على دفعات، في أثناء الترجمة وبعدها. لم يتأخر الناشر إلا في دفع القسط الأخير. وحين أرسلت إليه رسالةً أذكره فيها بالاتفاق، أرسل إلي رسالة اعتذار، ثم أضاف إلى المبلغ الذي لي بذمته مبلغ 300 دولار، تعويضًا لي عن تقصيره في تسديد مستحقاتي في الوقت المعلوم.

وقبل أسابيع أيضًا أرسل لي ناشر أمريكي تجارب مجموعتي القصصية  The Dusk Visitor(زائرُ الغَسَق) التي ستصدر بالإنجليزية قريبًا إن شاء الله، فاكتشفت أنه تصرف في المقدمة التي كتبتها للمجموعة. لم يعجبني ذلك، وقلت له، “إن المقدمة الآن تعكس أسلوبك أنت لا أسلوبي أنا. إن كنت مستعدًا للتراجع عما فعلتَه بمقدمتي، فبها ونِعْمَت، وإلا نَئِدُ المشروعَ برمته في مهده.” توقعتُ، استنادًا إلى تجاربي مع الأشقاء من بني يعرب، أن يقول لي: “من أنت، أيها الأعرابي، لتملي علي شروطك وأنا ابن الإنجليزية وأعرفها خيرًا منك؟” لكنه لم يفعل، بل قال، “أنا آسف، لقد تجاوزت حدودي.” ثم تراجع عن كل ما أضافه أو غيَّره.

بالمقابل، خاطبتُ قبل عدة أشهر مؤسسة عربية ثقافية – لم يسبق لي التعامل معها – بشأن رغبتي في ترجمة كتابٍ ضخمٍ لمؤرخ برتغالي يتحدث فيه عن العنصرية الغربية من الحروب الصليبية حتى القرن العشرين. انتظرت ثلاثة أشهر ولم يردوا على رسالتي. عززتُ بخطابٍ ثانٍ حين علمتُ من الناشر الأمريكي، صاحب حقوق الكتاب، أن تلك المؤسسة العربية بالفعل اشترت حقوق الترجمة العربية. وإلى يومنا هذا لم يردوا على خطابيَّ. إذن، سرقت تلك المؤسسة مقترحي – وهذا من الحقوق الفكرية الممتهنة في عالمنا العربي الموبوء بشتى العاهات الثقافية – لترجمة الكتاب وأسندت العمل لغيري!

وهناك أمثلة كثيرة قد أُفرد لها كتابًا في يوم من الأيام، على شاكلة كتاب الروائي والمترجم الفرنسي ميشيل أورسيلLes Larmes du traducteur (دموع المترجم).

 

*تعقيد الإجراءات زاد من السطو

ويختم هذا التحقيق الكاتب: عبد العزيز بن سليمان الدغفوش. بقوله الآن جميع ابتكارات العقل من أعمال أدبية وفنية وعلمية محمية بموجب حقوق المؤلف المتعارف عليها والتي نص عليها ميثاق الوحدة الثقافية العربية الصادر عام 1964م، ولكن بعض المصابين بالخمول العقلي يتسلط ويسطو على تلك الأعمال وينسبها لنفسه مستغلا بعض الثغرات في القانون وتعقيد الإجراءات وطول مدد التقاضي، وكذلك دور بعض المتنفذين للتعتيم على بعض حالات السطو على أعمال الغير وللحيلولة دون محاسبة المتورطين في الاحتيال، ولحماية حق المؤلف يجدر كشف كل محتال والتشهير به في كثير من وسائل ونوافذ الإعلام، وفرض العقوبات التي تلائم العمل المدان فيه المحتال.

 

“يا أهل الأدب والعلم وأنواع الإبداع

يا كم يســـرق دون وازع مواضيــع

يــا كم نتاج أفكار من صاحبه ضاع

وحتى بحوث الجامعة والمشاريع”

One thought on “الإنتاج الأدبي ودور النشر إبداع مفروض …. وخداع مرفوض

  1. اولا – أرجو تعديل التالي :
    1- السطر الرابع : بقله = بقوله .
    2 – السطر 23 : العلميات = العمليات .
    3 – السطر 40 : والواجبات الأدبية = والواجهات الأدبية .
    ثانيا
    ثانيا : مداخلة استاذنا الدكتور موسى الحالول تجربة ثرية جديدة بحيز حكرا عليها لأنها متجاوزة كونها رأيا إلى مقال مفرد .
    سعيد بمشاركتي معكم ، وأثمن كثيرا جهود القائمين على قضايا كبرى تثري الوعي الأدبي وعلاقته بصناعة المنجز .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *