الأطلال والشعر .. أحداث الذكريات وأحاديث الأبيات

 

فيتشر:

الأطلال والشعر ..أحداث الذكريات وأحاديث الأبيات

 

إعداد – مباركة الزبيدي

بين الأطلال والشعر ..ترابط في الذوق الشعري وارتباط في الشوق البشري وفق كيميائية بين الأبيات الشعرية والذكريات الإنسانية حيث تشكلت المشاهد الأدبية من أرض الأماكن لتطلق شداها في أفق الأدب ومداها في روح الإبداع ليتردد صداها ذكرى تجازوت صورة المكان والزمان لتقبع في محيط الإنسان ..شاهدة على لحظات المشاعر وصامدة أمام الشعور لتبقى نصوصاً شعرية تتناقلها منصات المعرفة وتدرسها طاولات الدراسة وتستقرئها ذائقة البشر ..

الأطلال هي الأماكن، التي هجرها، أو انتقل منها أصحابها، وأصبحت ذكريات لما كانت تضمه تلك الأماكن من شخصيات محبوبة تواجدت فيها في فترة مضت، أو أحداث انتهت وولت.

وقد ارتبط هذا المصطلح واستخدامه بالشعراء تحديداً، إنطلاقاً من العصر الجاهلي، ومروراً بالعصور الوسطى، ثم عصرنا الحديث.

ففي العصر الجاهلي أبدع كثيرٌ من الشعراء في وصف الأطلال ومنهم شعراء المعلقات العشر، وربما ساعدهم على الإبداع جزالة اللغة التي كان يتميز بها العرب في ذلك الوقت، والذي تبعه بذات سمة التميز عصر صدر الإسلام، وتأتِ جزالة اللغة لسلامتها من الأخطاء لعدم احتكاك العرب بغيرهم من غير الناطقين بالعربية.

ومن أمثلة مناداة الديار وذكرها قول زهير بن أبي سلمى:

لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحُجْرِ أقويْنَ مِنْ حُجَجٍ ومِنْ دَهْرِ

وعن ذكر اسم المحبوبة؛ وقد ربط ذلك بالوفاء، قال زهير بن أبي سلمى أيضاً:

أمِنْ أُمِّ أوفَى دِمْنةٌ لَمْ تَكلَّمِ

بِحومانةِ الدرَّاجِ فالمتثلَّمِ

وقول عنترة بن شداد في مطلع معلقته الشهيرة:

“هل غادر الشعراء من متردم” عن ابنة عمه عبلة، التي لم يتمكن من الارتباط بها نظراً لأنه كان عبداً أسود:

هل غادر الشعراء من متردمِ

أم هل عرفت الدار بعد توهمِ

يادار عبلة بالجواءِ تكلمي

وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي

أما في ذكر الريح، والمطر، والزمان، والدهر؛ قول امرؤ القيس:

حَيِّ الدِّيارَ التِي أبلَى معالِمَها

عواصفُ الصَّيْفِ بِالْخَرْجاءِ والْحقَبِ

كما أن من أمثلة ذلك أبيات الخنساء رضي الله عنها في رثاء أخيها صخر وربطه بالزمان عندما ربطت ذكرى أخيها بطلوع الشمس وغروبها، حيث قالت في أحد أبياتها:

يذكرني طلوع الشمس صخراً

وأذكره لكلِ غروب شمس

ويبدو أنه في عالم الشعر وخاصة عند الحديث عن المشاعر والاستهلال بالمقدمة الغزلية لم يتغير عنه في العصر الحديث سوى بنوع القصيدة الشعرية فهذا نزار قباني يقول:

علمني حبك ..أن أحزن

و أنا محتاج منذ عصور

لامرأة تجعلني أحزن

لامرأة أبكي بين ذراعيها

مثل العصفور..

وهناك أيضا الشاعر الفلسطيني محمود درويش والذي يسمى أدبيا شاعر القضية الفلسطينية، والذي ساهم في تطوير الشعر العربي، خاصة الرمزية ومن قصائده التي ذكرت الأطلال وقوفه على أطلال قريته البروة، وهي إحدى قرى الخليل، التي أصبحت أثرا مع كم من القرى طالتها يد الاحتلال الصهيوني قال فيها:

أمشي خفيفاً كالطيور على أديم الأرض

كي لا أُوقظ الموتى

وأقفل باب عاطفتي لأُصبح أخرى”.

ولا تزال الأطلال حاضرة بكافة ماتشير له إلى يومنا هذا، لكن ارتباطها بالإبداع يكمن في كيفية توظيفها باحترافية وشاعرية جزلة ضمن مفردات الشاعر الذي قام بترشيحها، وقوة مفرداته وتمكنها.

إنها أحداث الذكريات التي دفعت أحاديث الأبيات لتنطق شعراً، وتتوارث شجوناً، وتتباهى شؤونا تضيء الجانب المشرق من الثقافة، في إرث شعري تحول من حدود الذاكرة، إلى متون التذكر المستديم، ووجهاً جميلاً لأناقة الأدب المفعم ببهجة المفردة وابتهاج النصوص.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *