حكاية “هايدي الجميلة” واستنبات الطفولة

 

بقلم: الدكتورة هياء السمهري*

قبل سنوات كان جل من في البيوت المحلية من الأطفال يسمرون أمام الشاشات الصغيرة، يرقبون الفيلم الكرتوني المدبلج “حكاية هايدي فتاة الجبال” للمؤلفة السويسرية “جوهانا سبيري”، تلك الرواية التي  تُرجمت إلى خمسين لغة عالمية، فكان الأطفال يتابعون بشغف وإعجاب لذة المسير في طريق الحياة التي استطاع قلب(هايدي) الصغير أن يغيرها في معادلات القوة والضعف السائدة في الأروقة المعتمة آنذاك.

وطالما صدح الجميع بترانيم أوصاف هايدي الجميلة ومحيطها الذي تتقافز فيه، وكان الأطفال يمتزجون مع صور الحبور الذي كانت (هايدي) تستولده فيمن كانوا يتألمون أمامها:

بين السهول والجبال     تحت النجوم والهلال 

عبر الطبيعة والجمال     حكاية بنت اسمها هايدي

مثل نسيم   الهواء        هي للعليل دواء 

هي للجرح شفاء       هي للصبح ضياء 

عاشت حياتها للحب والخير     غنت للأنس والزهر والطير 

(هايدي) الجميلة، هايدي الكريمة، هايدي اليتيمة 

عاشت هايدي مع جدها  في ضيعة جميلة تطل على “جبال الألب”، ثم صحبتها عمتها للعيش مع أسرة ميسورة  في المدينة لتكون مرافقة لطفلة مشلولة، فصنعت هايدي معجزة المثال المعرفي المباشر للقيم  التي من شأنها أن تقيم حالات من الاتفاق السامي، والمكانة المميزة للقيمة، وتتجلى أصالة الحكاية  في تفردها في صناعة وشائج العلاقة التي يستلزمها وجود المثيل الداعم  للتعايش مع الآخر.

في ذلك الفضاء الطفولي الواعد استطاعت المؤلفة “جوهانا سبيري” أن تصنع من هايدي قناة للتغيير الممنهج؛ فقد غيرت (هايدي ) معادلة الحب الأعمى إلى الود البصير، وغرست (هايدي) الجمال في الواقع الممكن، وأوقدت (هايدي) فيمن حولها قناديل الإيجابية، وتلطفت (هايدي) في  تناول واقع النكوص  إلى الوراء، وأجادت في مغادرة ما هو هش  في البنية وضيّق في التناول البشري، وكانت لها مغامرة جديدة  في تسيير قاطرات  مالت كل الميل من خلال التعامل مع فتاة  كانت ضمن القائمة  التي شطرت  واقع ذوي الاحتياجات الخاصة  إلى طرائق قددا، ولعلي لا أكون مبالغة إذا ذكرتُ أنها “قسمة ضيزى ” ، فهذه الفئة ما زالت في بلادي تحت حراك عجز عن تجسير المسافات بين ما يصنع لتلك الفئة وبين احتياجاتهم الحقيقية، فواقع ذوي الاحتياجات الخاصة لا يتطلب معادلة رياضية  حتى تأتي العقول مقولبة  وفق يقين “نيوتن” و” فيثاغورس “.

في الحكاية أصبحت الأجواء التي تديرها “هايدي الجميلة ” مكتنزة بالمعرفة، تتكثف فيها القيم أمام مشاهد أطفالنا رغم ابتعادها عن فصول المدارس النبيلة.

في حكاية هايدي  التقُطت الطاقات السالبة  التي كانت منتشرة في محيط استُلبت منه نشوة الحياة، وكأن ذاكرة ذلك المكان رفضت استدعاء  أي ذكرى جميلة  قبل وصول (هايدي ) إليه .

لن أستطرد في مجريات السرد الحكائي الذي امتلأتُ به  إعجابا  لأنه صنع واقعا جميلا في بيئة الطفولة، وأكد أن أطفالنا  الذين يدخلون المدارس عادة ما يبقون كعلامات الاستفهام، وربما خرجوا منها  وهم ما يزالون  نقاط  وقف باهتة؛ ذلك لأن إشكالية التلقّي  في تلك المرحلة المهمة من العمر مازالت قائمة يتربص بها ريب الخمول.

والسرد الحكائي وإخراجه  في صورة فنية مشوقة يمثل أدوارا تربوية حيوية؛ كون ذلك القالب إذا ما أحسن اختيار محتوياته  يختزل الكثير من الخبرات  والمعارف، ويقدمها للأطفال  بشكل مشوق وجذاب ،وتكتسب حياة الأطفال  ونموهم الفكري أشكالا حسية وإبداعية شتى ،وهكذا فعندما صنعت (هايدي ) مجتمعا طفوليا ناميا  من خلال المواقف والتمثيل والتمثل؛ كانت تصنع أيضا من المعرفة زمرا ومن القيم حزما من نور، وتتصدى لثقافة الصور الاستهلاكية  التي غزت فضاءات الأطفال، فنحن نحتاج حتما  إلى أرضية تربوية  تحترم  وعي الأطفال بالمواقف المدهشة الحية والقيم النبيلة النامية، وتؤمن بتأثيرها عليهم إذا ما اصطفت  كفاصل بين  المواقف التي تحترم خصوصية المرحلة .

إن واقع  المناهج  في مرحلة رياض الأطفال  يكابد منذ سنوات، وقد جُرّبت على العقول الصغيرة أطواق لا قبل لهم بها، وكأنهم فئران تجارب في معامل الأبحاث، تلك المناهج استُنبتت من فراغ، وكانت بلقعا قاسيا خاليا من بهجة المعلومة وإشراقها، واستُبدلت فيها موجهات اقتصاد المعرفة باقتصاد الثرثرة، ومن خلال  واقع المعرفة اليوم وموجهاتها، فإن تعليم الأطفال وتربيتهم من خلال الفن القصصي ذي الصبغة الاحترافية مضمونا وشكلا (المسرح والأفلام الكرتونية وفيديوهات السرد الروائي)، وأن يكون دور الكتابة الفنية حاضرا في صناعة مناهج مرحلة رياض الأطفال، ويُستكتب من لهم باع وذراع  في مجال السرد القصصي والروائي، والسيناريو المسرحي، وأن تخصص الميزانيات المبعثرة  في دعم  تعليم الأطفال من خلال المسرح والإعلام المرئي، وإن كان شيء من مسرح الطفل موجود ا ضمن منهج التعلم الذاتي اليوم، ولكنه يتوارى في اللقاء  اليومي الأخير خشية طغيانه.

والعناية بالفن كقاعدة من القواعد الأساسية لبناء المشروع التعليمي يهذب النفوس، وينمي الذوق، ويحفز القيم الشافية، فحقول الغد ليست ممهدة كما يجب؛ لأن  تربة اليوم ملوثة  بالعنف والخوف، ورياض الأطفال اليوم حدائق الغرس الأولى، فتحتاج إلى غرس وجداني نام تمخر من خلاله بحور المعرفة ويرتفع خطاب الطفولة إلى مسارات أبهى وأحلى.

يقول بدوي الجبل :

وصن ضحكة الأطفال يا رب إنها

إذا غردتْ في ظامئ الرمل أعشبا

و يا رب من أجل الطفولة وحدها 

أفض بركات السلم شرقا ومغربا 

و يا رب حبب كل طفل  فلا يرى 

وإن لجّ في الإعنات وجها مقطبا

وهَيِّئ له في كل قلب صبابة 

وفي كل لقيا مرحبا ثم مرحبا

كاتبة سعودية* 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *