المنطق من الفلسفة إلى تقنيات الحوسبة 1

جهاد فيصل العمري*

المنطق هو بداية الحكمة وليس منتهاها. – كابتن سبوك “الجزء السادس من فيلم ستار تِريك “

لا تخلو قراراتنا اليومية عملياً واجتماعيا من استخدام المنطق، أو ادعاء ذلك على الأقل، حتى أحكامنا على الأخرين لا تخلو من استخدام ميزان المنطق  لنحكم على صحة أعمالهم. كذلك عندما نتعامل مع أنظمة الحاسب وتطبيقاته فإننا نتوقع من مخرجاته أن تكون صحيحة ومنطقية ومتوقعة بحسب المدخلات من البيانات و الأوامر، فما هو المنطق وكيف نشأ وما علاقته بحياتنا اليومية وما أثره في صناعة الحوسبة؟

سنتتبع تاريخ نشأت المنطق من العصر القديم للعالم الحديث ابتداء من السفسطائي بروتاجورس، و مرورا بالفلاسفة والعلماء سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، وتشارس دودس وجورند بوول وجون ستيورد ميل وشارل ساندر بيرس وجوتلر فريجه وبرتراند راسل ونورث وايتهد وكورت جودل و حتى مخترع أول جهاز حاسب، ألن تيورنج. سنحاول تعريف المنطق فلسفياً وما يشمله من القياس المنطقي، والمنطق  الجدلي أو الأرسطي، والمنطق الأفتراضي، والوقت والشكل، والمنطق الرواقي، والمنطق والكلام. كما أننا سنتعرف على المنطق رياضياً من بداية ترميز المنطق، مروراً بنشأت التحليل الرياضي للمنطق، والمعادلات المنطقية وآلة المنطق أو “الحاسب الإلكتروميانيكي”،  وصولاً إلى الحاسب “كولوسيس” أول حاسب إلكتروني قابل للبرمجة، فدعونا نبدأ. علما أن كثير من المعلومات بهذه المقالة مبنية على شروحات كتاب تاريخ الفلسفة الغربية (باللغة الإنجليزية A new History of Western Philosopy) للمؤلف أنتوني كيني (باللغة الإنجليزية Anthony Kenny).

المنطق هو علم التفرقة بين الحجة الجيدة من الحجة السيئة. وكما قال أرسطو مبتكر علم المنطق و من وضع قواعده المعمول بها حتى الآن: من يبحث عن الحكمة “يحب أن يبحث كذلك في مبادئ الاستدلال”. تاريخياً هناك ثلاث فلاسفة أشاروا للمنطق وكتبوا عنه قبل أرسطو وهم بروتاجورس وسقراط وأفلاطون.

ظهر مفهوم علم المنطق في أعمال “بروتاجورس” ( عاش بين 490 إلى 420 قبل الميلاد بين أبديرا شمال اليونان والعاصمة أثينا) أحد رواد الفكر السفسطائي، وذلك عندما فرق بين أجزاء الحديث من اسم و عمل (فعل) حيث وصف الفعل بانه علامة العمل والاسم بأنه علامة الوكيل (المتعلق بالعمل)، كما أنه أول من حدد جنس الاسم و أزمنة الفعل، بروتاجورس وصف الجملة الصحيحة بالتي تحتوي على اسم واحد وفعل واحد على الأقل عدا ذلك لا يمكن الحكم على صحة العبارة من عدمها. بحسب الباحثون في المنطق فيمكن اعتبار هذا الوصف من أوائل خطوات التحليل المنطقي وتكوين العبارات والحجج. كان متهم من أسلافه بأنه ومعظم السفسطائيين بأنهم يستغلون قدراتهم في تكوين العبارات وقلب الحجج في تحويل النقاش لصالحهم وجعل الخطأ يظهر وكأنه صحيح، حيث شنع اعداء بروتاجورس بأنه قاضَ احد طلابه “ايلوثس” لعدم دفعه رسوم تعليمه وكانت حجة الطالب أنه لم يستفد مما تعلمه من بروتاجورس ولم ينتصر في نقاش واحد فرد عليه بروتاجورس ستدفع لي المبلغ في كلا الحالتين سواء انتصرت عليك بالحجة وبالتالي سيكون الحكم لصالحي أو انتصرت علي بالحجة لأن انتصارك يقوض حجتك بأنك لم تستفد من تعليمي لك ولم تنتصر في نقاش.

التقط بعدها أفلاطون (عاش بين 426 و347 قبل الميلاد في أثنينا عاصمة اليونان)  بناء الجمل الصحيحة لتكوين الحجج وشرح على لسان أستاذه سقراط (عاش بين 469 و399 قبل الميلاد في أثنينا عاصمة اليونان) في المحاورات الشهيرة التي كتبها على لسانه. تميزت محاورات سقراط بأسلوب الاستجواب والذي يترك فيه سقراط لمنافسه تقديم أطروحاته ليفندها بدوره ويتابع النقاش حتى يصل معه للنتائج المستهدفة. أتى بعدها أرسطو (عاش بين 384 و 322 قبل الميلاد في ستاجيرا شمال اليونان والعاصمة أثينا وأيونيا ومقدونيا حيث درس الإسكندر الأكبر ثم عاد لأثينا أثناء حكمه وبعد وفاة الإسكندر هرب من معارضيه إلى مدينة صغيرة سيلسيس توفي بها) أحد تلاميذ أفلاطون في مدرسته المشهورة “اكاديمية أفلاطون” بأثينا ليضع أسس وقواعد علم المنطق واصفاً إياه بأنها أكثر العلوم شمولاً وانها أداة يمكن استخدامها عند البحث في كافة العلوم إلى جانب أنها ساحرةً وفاتنةً في حد ذاتها.  وضع أرسطو أسس القياس المنطقي (باللغة الإنجليزية Syllogism ) بهذا المثال (كل اليونانيين بشر، كل البشر فانون، وعليه فإن اليونانيون فانون) ربما شغفه الأخر ودراساته للأحياء والتي برع فيها وكتب عنها العديد من الكتب ساعدته في الوصول لفكرة  القياس المنطقي تحديداً في عمليات تصنيف الكائنات الحية، والتي عمل عليها محاولاً الوصول لألية تصنيف يمكن تعميمها في دراسات الأحياء لتحديد انتماء جنس حي محدد لفئة محددة من الاحياء، على سبيل المثال: (أحد الصفات المشتركة للزواحف أنها ذوات دم بارد، إذا كان هناك جنس حي ذو دم دافئ فإنه لن يكون من الزواحف). رأى أرسطو نمط في طريقة التفكير بالقياس المنطقي وذلك بوجود ثلاث مقترحات (فرضيات) منها مقدمتين واستنتاج واحد بهذا الشكل: (إذا كان أ هو ب، وكان أ هو ج، فإن ب هو ج)، بالطبع ليست كل الصور تؤدي لنتيجة صحيحة فمثلاً لو قلنا أن (إذا كان أ ليس ب، وكان أ ليس ج، فإن ب ليس ج)  على سبيل المثال (الطيور ليست ثعابين والثعابين لا تطير إذن الطيور لا تطير) فالاستنتاج هنا غير صحيح لذا اختبر ارسطو 119 (والبعض قال 256) صورة مختلفة وأثبت صحة 14 (والبعض قال 19) صورة وكانت منها هذه الصور الأربعة الرئيسية: الأولى التي ذكرتها سابقا وهي (إذا كان كل أ هو ب، وكان كل أ هو ج، فإن ب هو ج) والثانية (إذا كان كل أ هو ب، وكان كل أ ليس ج، فإن ب ليس ج)  والثالثة (إذا كان بعض أ هو ب، وكان كل أ هو ج، فإن بعض ب هو ج) والرابعة (إذا كان بعض أ هو ب، وكان أ ليس ج، فإن بعض ب ليس ج) وعليه وضع ارسطو بعض الشروط لنجاح القياس المنطقي وهي أن تتصف كل مقدمة من المقدمتين بصفتين الاولى على مستوى الشمولية (باللغة الإنجليزية Universal) -كل أو بعض- والثانية على مستوى التأكيد (باللغة الإنجليزية Affirmative) (مؤكدة او منفية) على ان يكون الاستنتاج سلبي (منفي) إذا كان أحد المقدمتين تتصف بالنفي. لم يقف أرسطو عند هذا الحد من دراسة القياس المنطقي ولكن درس تفسير المقدمتين ووضع شرطين أخرين هما أن لا تكون المقدمة الاولى عكس المقدمة الثانية (عند ما نقول أن كل أ هو ب  وكل أ ليس ج، يجب ان لا تكون المقدمتين عكس بعض، مثلا كل أعضاء الفريق لونهم أبيض وكان اعضاء الفريق عرقهم ليس أبيض) أو وجود تناقض بين المقدمتين (عند ما نقول أن بعض أ هو ب  وكل أ ليس ج، يجب ان لا تكون المقدمتين تناقض بعض، مثلا بعض أعضاء الفريق لونهم أبيض وكان اعضاء الفريق عرقهم ليس أبيض أو العكس كل أ هو ب  و بعض أ ليس ج). كما ان أرسطو تنبه لعامل الزمن واشار أن المقدمتين صحيحتين في زمن محدد وقد لا تكون صحيحة في أزمنة اخرى لذا يجب أن نأخذ في الاعتبار زمن الحالة مثلا كل (أو بعض) أ هو (أو ليس) ب عند زمن د. 

ثم كانت هناك بعض المحاولات التي حصلت لتطوير القياس المنطقي على يد جماعة تسمى (الرواقين) ومنهم خريسيبوس (عاش بين 280 و 206 قبل الميلاد في سولي بقلقيا وعاش ودرس بأثينا) والذين تلو أرسطو زمنياً وازدهروا بعد وفاة الإسكندر الأكبر وانعزال ثم وفاة استاذه أرسطو. أضاف الرواقيون لما وضعه أرسطو في القياس المنطقي تفسيرات تتعلق بالتفرقة بين الحقيقة والاحتمال لمقدمات أي مقترح في عملية التحليل المنطقي كما أخذوا في الاعتبار التعبير عن تلك المقدمات بجمل متكاملة  بدلا من الكلمات المفردة التي استخدمها أرسطو، أخذين في الاعتبار المصلحات ذات الصلة (مثل أكبر من وابن فلان). لم يؤخذ رأي الرواقين في المنطق رغم أنه كان مكمل لرأي أرسطو بسبب الموقف السياسي لبعض الرواقيين ضد أراء أرسطو مما جعل محبي أرسطو وهم السواد الاعظم متحفظين على أراء الرواقيين في الفلسفة عموماً وفي المنطق على وجه الخصوص.

في العصور الوسطى كان هناك بعض الإضافات إلى أعمال أرسطو في القياس المنطقي  من قبل الفيلسوف والسياسي بوثيوس (عاش بين 480 و 524 ميلادي بين روما واثينا والإسكندرية) والذي ربط المنطق باللغة أو الحديث تحديثاً (باللغة الإنجليزية Speech) حيث وضع ثلاث أسئلة لتقييم الافتراضات في القياس المنطقي وهي هل الأشياء موجودة بالعقل؟ وإن لم تكن كذلك هل هي في الجسد؟ وإن لم تكن كذلك هل يمكن أن تدركها حواسنا؟ استفاد الكثير في القرون التالية لبوثيوس لشروحاته في المنطق إلا أن الاعتماد على تلك الشروحات اندثر لاحقاً عندما بدأ تحويل القياس المنطقي من كلمات أو عبارات  إلى رموز ومعادلات رياضية في العصر الحديث. كان القياس المنطقي لأرسطو هو الوصف المهيمن للمنطق و بقي كأساس له حتى القرن التاسع عشر عندما بدأ ترميز المقترحات (كانت لدى ارسطو ككلمات ثم لدى الرواقيين ومن بعدهم كعبارات وليست رموز) ثم اختبارها رياضياً بجهود علماء الرياضيات تشارس دودس وجورند بوول و جون ستيورد ميل وشارل ساندر بيرس وجوتلر فريجه برتراند راسل نورث وايتهد وكورت جودل و ألن تيورنج. وهذا ماسنتعرف عليه في المقال القادم بحول الله.

*كاتب سعودي

حساب تويتر: GH547_1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *