حميمية المكان في أقصوصة “اثنان وسبعون مترا”

فطيم دناور*

للأمكنة أرواح تجذبنا أو تنفّرنا، فتبادلنا المحبة أو البغض، وهي كباقي الأرواح تألفنا وتعتادنا إن أطلنا المكوث بها، وربما تخلل تلك الألفة بعض الملل، تجتاح أرواح الساكن والمسكون، فيتطلب الأمر فراقًا مؤقتًا حتى تتجدد العلاقة بين الطرفين.

وربما قام المرء بنشاط محبب إليه في المكان وتكرر هذا مع الزمن حتى أوثقت عرى علاقة بين النشاط والمكان، فلا يقوم النشاط إلا في ذلك المكان، حتى يغدو المكان روحًا ملهمةً، وشرطًا ملزمًا لقيام ذلك النشاط.

لعل هذا ما أرادت سهام العبودي الإيحاء به في أقصوصة (اثنان وسبعون مترًا) من مجموعتها “خيط ضوء يستدق” وفي العنوان مفارقة تصويرية لطيفة، ربما أرادت الكاتبة الإيحاء بها، ففي مكان قاسته بالمتر، يتسع فضاء الكتابة أمام البطل ويكشف له عن عوالم يلِجها في أثناء الكتابة… في اثنين وسبعين مترًا! وفي القصة تعبير عن علاقة بين البطل ومكانه الملهم لكتابة مقاله الأسبوعي، وهو “المقهى” حيث يتردد أسبوعيًا إليه فيجلس في ركنه الأثير، ويمارس طقوسه المعتادة في أثناء تنقله بين زوايا ومراحل مقاله على الورقة البيضاء، فحميمية المقهى ودفء أجوائه، يجعلانه “مهمة أسبوعية لذيذة“.

 وكعادة العبودي في بث الروح في كل شيء، تنفخ في المكان روحًا فيرتقي من الجامد الثابت إلى الحي المتحرك، وتجعل من تلك الهبة مقدمة لقيام علاقة بين البطل “الكاتب” و”المقهى”: “نحن لا نخترع الأمكنة لكننا نهبها كل يوم حياة على طريقتنا، وهو يهب ذلك المكان حياة في داخله على طريقته”.

ولعل القاصة أرادت أن تقول: إن الألفة بين روح الكاتب وروح المكان تولدت بعد تواصل مستمر، من خلال روتين يمارسه المقهى على الكاتب، وآخر يمارسه الكاتب على المقهى، فالمكان هو ذاته بتفاصيله، و الكاتب هو ذاته بتصرفاته، وهنا تدغدغ القاصة خيالنا بالقول: “حين يجلس يمكنه ملاحظة صانع القهوة، وطاولات الرواد بوضوح، وإذا أسند رأسه إلى الزاوية حصل على منظر ثلاثي: للمارّة على الرصيف، ولطاولة صنع القهوة، وللمقهى كله“. ويتعالق الحدث مع المكان والزمان ليشكل برنامجًا محكمًا ليوم الثلاثاء، فالبطل يجلس في المقهى بين التاسعة والثانية عشر، وزعت الكاتبة أحداث هذه الساعات في برنامج محكم وفق الآتي:

 “بعد ساعة من وصوله، يعيد النادل ملء كوب القهوة الخاص به، في هذا الوقت يكون قد وجد الفكرة الملائمة ليوم الخميس”

“في العاشرة والنصف تقريبًا يغادر كبار السن المكان لقضاء حوائجهم في وسط المدينة، ويبقى المقهى هادئًا قبل أن يعج بطلاب كلية الطب..”

“الساعة الحادية عشر، ينقّح المقال حيث يطير إلى أنفه دخان الفنجان الثالث، وكالعادة يصبّه النادل بهدوء حين تدق ساعة المقهى بصوتها الباهت معلنة ابتداء الثلث الأخير من وقت ضيف الثلاثاء الدائم”

“أقل من نصف ساعة قبل أن تدق الثانية عشرة يكتفي خلالها بتوزيع نظره على المارة”

“الثانية عشرة إلا دقائق: يجمع أوراقه ويدفع حساب قهوة اليوم ويغادر”.

ولم يغيّر البطل هذا البرنامج الروتيني لأحداث الساعات الثلاث طيلة السنوات السابقة فـ“هكذا خرجت مقالاته طوال السنوات الخمس السابقة” ولو استعرضنا هذا البرنامج الزمني لعملية الكتابة مع تفاصيل المكان والأحداث، التي كانت تجري في الشارع، لتبين لنا انتظام ذلك الروتين في المكان والزمان والحدث، كل ذلك عمّق من وشائجية العلاقة بين البطل والمقهى، وكما أن أرواح البشر تسرق منا إما بالفراق أو الرحيل الأبدي، فكذلك تفارقنا أرواح الأمكنة إما بالفراق المؤقت أو الفراق الأبدي.

وهذا ما حصل مع البطل إذ جاء إلى المقهى للقيام برنامج الثلاثاء، وممارسة طقوس الكتابة الاعتيادية، فرأى ما سببه له صدمة كادت تطرحه أرضًا، إذ فوجئ بشرائط تحيط بالمبنى وعمال يرتدون قبعات صفراء فـ “اقترب من المكان متماسكًا وسأل عما يحدث-متحاشيًا أن بدي جزعًا- أجابه العامل ببرود: “إنهم يعيدون تنظيم الحي، أرض هذا المبنى ستقتصّ للشارع الجديد”“. هكذا ببساطة انتزع مكانه الأثير دون أن تتاح له فرصة الوداع، أو التلبث فيه وإشباع الروح من تفاصيله، وربما لو منح هذه الفرصة لجعل أيام الأسبوع كلها “ثلاثاء” حتى يرتوي من ذلك المكان تماما كما نتمنى مع من يفارقنا للأبد.

*كاتبة سورية

حساب تويتر: DrFutaim@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *