الإذاعة سيدة الإعلام وجوهرة الثقافة

فيتشر

الإذاعة سيدة الإعلام وجوهرة الثقافة

خديجة إبراهيم

 

تتشكل البدايات في محطات العمر، كمشاهد ذهنية تبقى في الجزء المشرق من الذاكرة.

فيأتي “الحنين ” كصيد ثمين، تلتقطه شاشة الاستذكار، لتوجّه إليه بوصلة المعرفة، فيولي الإنسان قبلته إلى حيث السيرة الأولى..

وتشكل الإذاعة “محفلًا” معرفيًا في تعانق مع الحياة، وتوافق مع العمر، وتناغم بين العقل والصوت، في انسجام بين الأثير والأثر؛ لتبقى حاضرة رغمًا عن ثورة الفضاء؛ لتكون شاهدة عصرية على وجودها كسيدة للإعلام، وجوهرة للثقافة في محطات تطور ومنصات حضور، جعلها تهيمن على الذائقة البشرية التواقة للإبداع ..

يرجع أصل الإذاعة و(الراديو إلى الكلمة اللاتينية (راديوس)، وترمز إلى “نصف قطر” وهذهِ التسمية تنطبق على الإرسال الإذاعي، حيث تبث الموجات الكهرومغناطيسية، مع تضمين الموجات الصوتية عبر الغلاف الجوي على هيئة دوائر.

“ففي عام 1932م تاريخ ظهور مسمى (المملكة العربية السعودية)، كدولة موحدة تحت قيادة الملك عبد العزيز-رحمه الله– تأسس أول نظام راديو خاص؛ لتزويد الملك بالمعلومات من المراكز، والمدن على نطاق المملكة، وبالأخبار الخارجية حول الأحداث الجارية.

أما البث الإذاعي للجمهور بشموليته، فقد بدأ منذ عام 1368هـ 1949م في مدينة جدة، وكانت الإذاعة -آنذاك- تسمى إذاعة مكة المكرمة، وتسمع في الحجاز فقط، وكان أول من فكر في إقامة محطة للإذاعة في المملكة عام 1368هـ/1949م هو الملك سعود(ولي العهد آنذاك)، إذ عرض الأمر على والده الملك عبد العزيز فوافق على الفكرة.

وفي23 رمضان 1368هـ/ الموافق 18 يوليو 1949م. أصدر الملك عبد العزيز مرسومًا ملكيًا، بتأسيس الإذاعة السعودية، وفوّض جلالته نائبه في الحجاز الأمير فيصل مسؤولية الإشراف على الإذاعة.

بدأ الإرسال الفعلي المستمر لإذاعة جدة يوم الأحد 9 ذو الحجة 1386هـ الموافق أول اكتوبر1949م وهو يوم الوقوف بعرفة، وقام الأمير فيصل بن عبد العزيز بإلقاء كلمة نيابة عن والده الملك عبد العزيز، تضمنت الترحيب بقدوم الحجيج إلى الأراضي المقدسة، وتهنئتهم بمناسك الحج، واعتبر هذا اليوم بداية انطلاق أول إرسال إذاعي رسمي من مدينة جدة، لأول مرة في تاريخ المجتمع السعودي.”

وتعتبر “الإذاعة المدرسية” افتتاحية صباح مشرق لعقول، تنشد العلم والمعرفة، تبدأ بمقدمة تمهيدية تحوي آيات من الذكر الكريم، والنشيد الوطني، ومن ثم أبيات شعر تحفيزية؛ لتتوالى بعدها الفقرات مابين مقتطفات إخبارية، وإثراء للمعلومات، وتحفيز للذاكرة.

فالإذاعة المدرسية برنامج يعده الطلاب، ويشرف عليه المعلمون في سبيل إكسابهم مهارة الإلقاء، وعدم الرهبة من الوقوف أمام المايكرفون والجمهور. ويعود الفضل للمعلم في التعويد والتجويد لهذه المهارة، وكسر حاجز الرهبة، والخجل لدى الطالب.

وتعد الإذاعة العامة حلقة الوصل مابين المذيع، والمستمع، وارتباط شبه يومي وثيق من خلال برامج محددة، نستمع لها ونحن في الطريق إلى العمل، أو في منازلنا، فهي مصدر مهم للأخبار والمعلومات، والتي تساهم في تشكيل الوعي الثقافي في المجتمع بجانب التلفزيون والوسائل الإخبارية الأخرى.

فالإذاعة لها مكانة خاصة في نفوس الكثيرين ممن ارتبط صباحهم بها. وهي وسيلة غير مكلفة، ومتوفرة معظم الوقت، وخاصة في الوقت الحالي، بتوفر الأجهزة الذكية، ونستطيع متابعتها حتى ونحن منهمكون في أعمالنا، بعكس الصحف، والمجلات، والتلفزيون؛ التي تحتاج متابعة بصرية، وانتباه أكثر.

ومن محطات الإذاعة المحلية المهمة إذاعة القرآن الكريم، وإذاعة البرنامج العام، والثاني، وإذاعة نداء الإسلام، وغيرها من محطات الإذاعة السعودية؛ والتي زخرت بقامات إعلامية كانت لهم بصمة مميزة في التقديم الإذاعي ومنهم؛ المذيعة شرين شحاته، والمذيع ماجد الشبل، والمذيع سليمان العيسى -رحمهم الله- والمذيع غالب كامل، والمذيع عبد العزيز العيد، والكثير من القامات؛ التي تركت بصمتها على الإذاعة، والإعلام السعودي ومازالت.

وفي العالم العربي قديمًا ومصر تحديدًا إذاعة (هنا القاهرة)، وإذاعة (صوت العرب)، ومنهم المذيع علي فايق زغلول، والشاعرفاروق شوشة، والمذيعة أماني ناشد، وسلوى حجازي، وغيرهم الكثير، ممن أثروا الإذاعة المصرية بشكل خاص.

ومن البرامج القديمة، والتي شكلت ذاكرة الإذاعة السعودية برنامج”الأرض الطيبة”، وهو برنامج خاص بالمزارعين والفلاحين.وأيضًا برنامج شواهد القرآن لأبي تراب الظاهري والذي كان يبث عبر إذاعة البرنامج الثاني بجدة.

وبرنامج (تحية وسلام) شارة البدء: أغنية “يا مين يسلملي على الغالي“، لهيام يونس، تعتمد فكرته الأساسية على اختيار بعض من الطلاب المبتعثين إلى خارج المملكة للدراسة، وإجراء اتصالات هاتفية معهم، للتعريف بهم، ومجال دراستهم، وربطهم هاتفيا بأسرهم في المملكة، لتبادل التحايا والسلام بينهم، وتتضمن الحلقة ثلاثة لقاءات، وثلاث أغنيات يهديها الطلاب لأهليهم، أو وطنهم“.

ومن البرامج الشهيرة أيضًا برنامج “ما يطلبه المستمعون” من تقديم المذيع خالد اليوسف -رحمه الله- الذي ارتبط البرنامج بوجدان المستمع، وتلهفه لمتابعته والاستماع له. وللأغاني المهداة عبر الأثير.

وهناك الكثير من البرامج القديمة، والحديثة المميزة؛ التي زخرت بها الإذاعة السعودية، ومازالت بعطائها، ووهجها حتى وقتنا الحالي.

وتختال الإذاعة بردائها المشرق؛ الذي يدفع الآذان لرسم المشهد السمعي، والعقول؛ لتشكيل المشهد البصري من خيال خصب أثرته موجات الأثير بالتفكر، والإستمتاع؛ لتكون في متون التميز كثروة إعلامية، وذهنية، تملأ العقل بالمعارف، وتشبع الروح بالثقافات والمعرفة، والعمق الوجداني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *