عندما تهاوى منزل عائلة آشر

بقلم إدجار آلان بو

ترجمة- محمد عبد الرؤوف وفا

 

الفصل الأول

كان يومًا حالِك السواد، يتَّشح بالصَّمت المَقيت مع قُرب نهاية العام. كانت السماء مُلبَّدة بالغيوم. قضيتُ معظم هذا اليوم ممتطيًا صهوة جوادي، أجوب الريف الذي لم تكن به مسحة من الجَمال أو بارقة أمل من الحياة. ومع حلول المساء، بدا أمام ناظرَيّ منزل عائلة آشر.

لم أكن أعلم أبدًا كيف يبدو هذا البيت؛ ولكن مع نظرتي الأولى إليه بدأتُ أشعر بسحابة من الحزن تمرُّ على قلبي.

نظرتُ إلى المشهد أمامي لأرى المنزل وما يحيط به من أرض، وإلى النوافذ التي تشبه أعيُنًا خبا فيها ضوءُ الحياة، وإلى حوائطه الحجرية الرطبة، وإلى الأشجار القليلة اليابسة، فشعرتُ أنَّ هذا البيت غير صحيّ تمامًا، وأنه لا يبعث البهجة أبدًا. تساءلتُ في قرارة نفسي: لماذا يبدو هذا المنزل مخيفًا ومُرعبًا؟ ولم أعثر على إجابة أبدًا لسؤالي.

أوقفتُ جوادي بالقرب من المبنى على حافة بحيرة مظلمة وهادئة. ورأيتُ على صفحة مائها صورة واضحة للأشجار الميتة، وللمنزل ونوافذه التي تُشبه عينًا انطفأ منها نورُ الحياة.

كان عليَّ الآن أنْ أقضي عدةَ أسابع في هذا المنزل الحزين الكئيب. كان مالِك هذا المنزل شخصًا يُدعى رودريك آشر. في مرحلة الطفولة جمعتنا الصداقة، ولكن سرعان ما فرَّقَت بيننا السنواتُ الطوال. وصلتني منه رسالة جافَّة يأمرني فيها أنْ أُسرع في القدوم إليه لأراه. ذكر في رسالته أنه يعاني مرضًا في بدنه وفي ذهنه، وأبدى رغبته في لقائي؛ لأنه كان يعتبرني أفضل صديق له، بل صديقه الوحيد. لم أستطع أبدًا أنْ أرفض دعوته وأنا أقرأ هذا الكلمات.

وبالرغم من أننا كنا أصدقاء في مرحلة الطفولة، لم أعرف عنه الكثير. ولكني كنتُ أعرف عن أسرته أنها أسرة عريقة تهتمُّ بالفن والأدب، وتساعد الفقراء. كما أعرف أنَّ عائلته لم تكن كبيرة، أو لها أفرع. كان الناس عند ذِكرهم هذا العائلة يذكرون منزلهم.

نظرتُ مرةً أخرى إلى صورة المنزل المنعكسة في مياه البحيرة؛ فراودتْني فكرة عجيبة لا أكاد أجرؤ على البوح بها. شعرتُ أنَّ الهواء نفسه حول المنزل والمكان مختلف عن أيِّ هواء. لم يكن أبدًا هواء السماء، بل هواءً يحمل رائحة الأشجار الميتة المتحللة، كان هواءً به رائحة الحوائط الرمادية، والبحيرة الصامتة.

استجمعتُ نفسي لأطرد هذه الفكرة، ثُم نظرتُ بتمعُّن إلى المنزل. أهم ما يميز هذا البيت عند النظر إليه للوهلة الأولى، أنه منزل عتيق. لم تسقط أية حوائط منه، في حين تبدو الأحجار وكأنها آخذة في التحلل، وربما يستطيع مَن له عينٌ نافذة أنْ يرى تصدُّعًا بدأ ينخر في واجهة المبنى، بادئًا من قمة الواجهة، ومنتهيًا إلى مياه البحيرة.

ركبتُ حصاني لأعبر جسرًا يوصلني إلى المنزل. جاء خادمٌ يعمل في المنزل، وأخذ حصاني، ودلفتُ إلى الداخل. استقبلني خادم ثانٍ يمشي بخطواتٍ تشبه الهمس، وقادني وهو لا ينبس بكلمة إلى غرفة سيدة.

كانت الغرفة كبيرة جدًا، وسقفها مرتفع. كانت النوافذ عالية يصعب الوصول إليها. كان هناك بصيصٌ من الضوء الأحمر يخترق زجاج النوافذ، ليضيء الأشياء الكبرى والقريبة.

لم تستطع عيناي رؤية ما هو بعيد مثل الزوايا الأعلى من الغرفة. كانت الكراسي والطاولات العديدة عريقة القِدَم، وثمة كُتب منتشرة في الغرفة، ولكن لم تُعطِ الغرفة أيَّ أثر للحياة. شعرتُ وكأنَّ الحزن يُسبل رداءه على كلِّ جزء من أجزاء المكان، لم يكن هناك أيّ بارقة أمل توحي بأنه يمكن الهروب من هذا الحزن العميق بردائه الكئيب.

عندما دلفتُ إلى الغرفة نهض آشر واقفًا على قدميه، واستقبلني بحرارةٍ لم أشعر في البدء أنها حقيقية. ولكن عندما نظرتُ إلى وجهه تيقنتُ من أنَّ كلَّ كلمة نطق بها نابعة من قلبه.

جلسنا لبرهة، ولم ينبس ببنت شفة فنظرتُ إليه بنظرة دهشة مصبوغة بالحزن. لم أرَ في حياتي شخصًا غيَّرته الأيام كما فعلت مع رودريك آشر. هل يمكن أنْ يكون هذا الماثل أمامي هو صديق الطفولة؟ صحيح أنَّ وجهه كان يبدو دائمًا غير عادي؛ فبشرتُه بيضاء شاحبة، وعيناه كبيرتان ينبض منها وهج الحياة، وشفتاه غير برّاقتين ولكن كان شكلهما جميل، وكان له أنفٌ مستقيم الشكل، وشَعر ناعم جدًا. فهو ذو وجه لا يستطيع المرء أنْ ينساه. لقد تغيَّر هذا الوجه الغريب لدرجة أنني كدتُ لا أعرفه. لقد جعلني بياض بشرته الرهيب ولمعانه عينيه الغريب أشعر بالدهشة وبالخوف. كان لا يزال شَعره ناعمًا ولكنه كان مسترسلًا على وجهه. جاهدتُ نفسي للتعرف عليه؛ ولكنه ببساطة لم يشبه البشر من بني جلدتنا.

رأيتُ في تعبيراتِ وجهه تغيراتٍ تحدُث في كل لحظة، أدركتُ أنها نتيجة توتُّره. لقد تأهبتُ بالفعل لذلك بعد أنْ قرأتُ خطابه وبعد أنْ بدأتُ أتذكره وهو صبيٌّ. كانت ردود فعله سريعة جدًا ثُم هادئة. كان صوته أحيانًا تبدو عليه نبرة الارتعاش والخوف، ثُم ما يلبث أنْ يستجمع نفسه بطريقة ممتازة. كانت طريقته تدل على أنه يريد أنْ يخبرني بسبب طلبه لزيارتي، وبرغبته أنْ يراني، وعن سعادته الغامرة بلقائي، والقوة التي يتوقع مني أنْ أمنحها إياه.

أخبَرني بما يعتقد حول طبيعة مرضه. قال إنه مرض أصاب العائلة. كان يعتقد أنه مرض عصبي يظنُّ أنه على وشك الانتهاء قريبًا. هذا المرض يظهر على شكل أحاسيس غريبة. أحد هذه الأحاسيس كما يقول تجذبه تمامًا ولكنه كان لا يفهمها. الطريقة التي أخبرني بها عن أحاسيسه زادت من غرابة الأمر. كان يعاني من فرط مَرضي في شعوره بكلِّ حواسه. فلا يستطيع أنْ يأكل إلا الطعام الذي يخلو تمامًا من أيِّ مذاق، ولا يطيق أنْ يشمّ أيَّ نوع من أنواع الزهور. فكل الزهور لها رائحة قوية جدًا لا تتحملها أنفه، وعيناه يؤذيهما أقلُّ شعاع من الضوء. وكلُّ الأصوات التي تتناهي إلى مسامعه تصيبه بالذعر وكأنها طبولٌ تُقرع في أذنيه، إلّا القليل من الأصوات. كان الخوف المرضي الآن يسيطر على حياته تمامًا.

قال: “سوف أموت، سوف أموت. أعتقد أنني سوف أموت بسبب هذا المرض الأحمق، سوف أفقد حياتي حتمًا بسبب ذلك. يبدو أنه لا مفر، لا مفر أبدًا! أخاف ممّا سوف يحدُث في المستقبل، وليس مما يحدث الآن. أخاف من نتيجة ما يحدث الآن. لا أخاف أبدًا من الألم، ولكن أخاف من عاقبة الألم. أخاف من الخوف!

أعتقد أنَّ نهايتي باتت وشيكة، وأنني أخوض الآن معركتي الأخيرة بذهني وبروحي مع عدوي اللدود: مع الخوف نفسه!”

 

الفصل الثاني

دعاني صديقي رودريك آشر؛ صديق الطفولة الذي كان يشعر بالمرض إلى مساعدته. وعندما وصلتُ شعرتُ بأشياء عجيبة ومخيفة في هذا المنزل الحجَري، وفي البحيرة التي أمامه، بل شعرتُ بالخوف من آشر نفسه. لم يبدُ وكأنه بشر، بل شخص خرج من قبره. كان يقول إنه كان يعاني من مرض، ويعتقد أنه سوف يكون حتمًا سبب موته. ووصف مرضه بأنه الخوف. قال إنه لم يكن يخاف من الألم، بل من عواقب الألم، إنه يخاف من الخوف. ويشعر بأنه يخوض معركته الأخيرة مع عدوه اللدود، وهو الخوف!

من خلال سماعي كلماتٍ مبتورة منه، بدأتُ أكتشف ببطء حقيقة أخرى غريبة عن مرض آشر، وعن حالته الذهنية. كانت لديه مخاوف معينة تتعلق بالمنزل الذي يعيش فيه، والذي لم يغادره أبدًا لسنوات طوال. كان يشعر أنَّ هذا المنزل ذا الحوائط الرمادية والبحيرة الصامتة قد تمكَّنا تمامًا من سجن روحه طيلة هذه السنوات.

قال إنَّ خوفه المرضي قد بدأ يزداد ويتفاقم لسبب آخر، وهو مرض أخته الطويل المستمر، وربما بسبب الموت الوشيك لأخته العزيزة التي صاحبتْه لسنوات طوال. كان هو وأخته آخر أفراد عائلة آشر على وجه الأرض. استطرد بحزن عميق قائلًا لو أخته ماتت فسوف يكون هو آخر فرد من أفراد عائلة آشر على وجه هذه البسيطة.

وبينما كان يتحدث، مرَّت أخته السيدة مادلين في مكان بعيد من الغرفة، ويبدو أنها لم ترَني فتابعَت المسير. نظرتُ إليها بدهشة شديدة، وشعرتُ بالخوف ولم أستطع أنْ أُفسِّر لنفسي طبيعة هذا الخوف. لم أرفع بصري عنها إلى أنْ غادرَت وأغلق الباب خلفها، فحوَّلتُ بصري إلى أخيها فوجدته يضع وجهه بين يديه، ورأيت من خلال أصابعه النحيفة الدموع تنهمر من عينيه، وقد شحب وجهه أكثر من ذي قبل.

كان مرض السيدة مادلين مرضًا يعجز عن علاجه الأطباء. ولم يبدُ أنها تهتم بأيِّ شيء. بدأ بدنها في النحول والوهن تدريجيًا. وكانت من حين لآخر تسقط في نوم عميق يشبه نوم الموتى. لم يُجبرها أحدٌ إلى الآن على أنْ تبقى في فراشها، ولكن أخبرني أخوها في اليوم الذي أتيتُ فيه أنَّ المرض ينخر في بدنها الآن أكثر من ذي قبل. فعرفتُ أنَّ رؤيتي الوحيدة لها، قد تكون رؤيتي الأخيرة لها وهي على قيد الحياة.

لعدة أيام تلت، لم أذكر أنا ولا أخوها اسمَها، فقد شُغِلتُ طيلة هذه المدة بأنْ أرفع من معنوياتِ صديقي، وأنْ أزيل عنه الحزن والكآبة. كنا نرسم ونقرأ معًا، ونسمع للموسيقى التي كان يعزفها وكأننا في حُلم. وهكذا نمَت صداقتنا بشكل أعمق، وشعرتُ أنني أحاول عبثًا أنْ أُسعِدَ شخصًا التهمتْه الأحزان والكآبة إلى النخاع.

لن أنسى أبدًا هذه الساعاتِ التي قضيتُها في منزل آشر. ولكنني لن أنجح أبدًا في وصف الأشياء التي قمنا بها معًا. كان هناك ضوء غريب يحوم حول كلِّ الأشياء. كانت الرسومات التي رسمها تجعلني أرتعد ولم أعرف لماذا. إنَّ قوة الكلمات لا تستطيع أبدًا أنْ تنقل لكم بها شعوري. هل نجح أيُّ رجل من قبل في رسم فكرة؟ كان هذا الرجل هو ردوريك آشر. ولكن بالنسبة لي أنا كنتُ أرى الخوف والدهشة مما يرسم.

لقد تحدثتُ عن هذه الحالة المرضية المتعلقة بحواسه، والتي كانت تجعل كلَّ الموسيقى التي تُعزف مصدرَ ألمٍ بالنسبة له، ولكنه كان يعزف عزفًا جميلًا لا يوصف.

كان عنوان أغنياته ” قصر الأشباح“. ومن خلال أغانيه عرفتُ أنَّ عقل آشر بدأ في الانحدار. كانت هذه الأغنية تحكي قصة ملِك يعيش في قصر في وادي مليء بالزروع، ويعجُّ بالضوء والألوان والجَمال، حيث الهواء المنعش. وكان هناك نافذتان في هذا القصر ينبعث منهما الضوء، وكان الناس يسمعون منهما موسيقى، ويلمحون عبرهما أشباحًا تبتسم وتطوف حول الملِك. كان باب القصر مصنوعًا من أغلى مواد في العالَم. ذات لونين أحمر وأبيض، وكانت الأشباح تدخل منه لتُغنّي بصوت جميل، وتحكي عن حكمة هذا الملك.

ولكن الأغنية انتقلت إلى الجزء الحزين، وبدأ الآن الناس الذين يدخلون إلى الوادي يرون من النوافذ، ومن خلال الضوء الأحمر أشكالًا تتحرك، ويسمعون موسيقى لها نبرة حزينة، ورأوا الآن أفواجًا من الأشباح تضحك ولكن لا تبتسم، وتندفع هاربة للأبد من خلال الباب.

جعلني حديثُه عن الأغنية أنمّي فكرة جديدة عن منزل عائلة آشر. كان يعتقد أنَّ النباتات تشعر وتفكر، وليس النباتات فحسب، بل كان يعتقد أيضًا أنَّ للصخور والماء شعورًا وتفكيرًا. كما كان يعتقد أنَّ الأحجار الرمادية في بيته، وكذلك النباتات الصغيرة التي نمَت بين هذه الأحجار والأشجار المتحللة كان لها قوة سيطرَت عليه، وأحالته إلى ما آلَ إليه.

كان يعتقد أيضًا أنَّ الكتب العتيقة التي قرأناها معًا والتي شكلت مخيلته المريضة كان لها أيضًا نفس الأثر القوي فيه. كان آشر يجلس لساعات وساعات يقرأ، بل يدرس هذه الكتب. ومن أمتع الكتب العتيقة التي وجدها وقرأها كتابٌ عتيقٌ جدًا يحكي حكاية عن الموتى.

وأخيرًا، وفي إحدى الليالي أخبرني آشر أنَّ أخته لم تعُد على قيد الحياة. أخبرني أنه سوف يحتفظ بجثمانها لفترة من الزمان في قبو من الأقبية الموجودة بداخل حوائط المبنى. وفسَّر رغبته في ذلك فاقتنعتُ بكلامه. فقد قرَّر أنْ يفعل ذلك نظرًا طبيعة مرض أخته، حيث سيكون موتها مصدرًا لتطفل الأطباء العلمي، ورغبتهم الغريبة في طرح أسئلة تتعلق بمرضها، وأيضًا بسبب بُعد المسافة عن منطقة القبور التي دُفن فيها أفراد عائلته.

لاحقًا، حملتُ معه جثمانها إلى مكان دفنها. كان القبو الذي وضعنا فيه جثمانها صغيرًا ومظلماً. يبدو أنَّ هذا القبو في الماضي شهد مشاهد غريبة لدماء تُسفك به. كان القبو عميقًا ويقع تمامًا أسفل الحجرة التي كنتُ أنام فيها. كان باب القبو مصنوعًا من الفولاذ السميك. وبسبب وزنه الكبير كان يُصدر جلبة شديدة جدًا عند فتحه أو إغلاقه.

وبينما كنتُ أضع السيدة مادلين في هذه الغرفة المرعبة، لاحظتُ لأول مرة التشابه الكبير جدًا بينها وبين أخيها؛ فأخبرني آشر أنهما توءمان؛ لذلك كانا يفهمان بعضهما البعض تمامًا، وكان الرابط بينهما قويًّا جدًا.

نظرنا نظرة أخيرة إلى وجه الميتة؛ فشعرتُ بالعجب والدهشة يأكلان رأسي. بينما كانت السيدة مادلين ترقد هناك كانت لا تبدو ميتة بل نائمة، كانت بشرتها لا تزال ناعمة ودافئة، بالرغم من أني شعرتُ برِعدة باردة تشبه برودة الحوائط من حولنا، ونحن نلمسها.

 

الفصل الثالث

كانت عائدًا إلى غرفتي في وقت متأخر من الليل لأنام في الليلة السابعة أو الثامنة، بعدما وضعنا السيدة مادلين في القبو، وبدأتُ أشعر بشعور قويّ وأحاسيس عميقة. لم تكتحل عيناي بأيِّ نوم، ومرّت الساعة تلو الساعة. بدأ عقلي وكأنه في حرب ضد هذا التوتر. حاولتُ أنْ أقنع نفسي أنَّ ذلك كله كان بسبب الغرفة الحزينة، ولكن ذهبَت جهودي لإقناع نفسي بذلك أدراج الرياح. بدأتُ أشعر بعدم القدرة على النوم، وبدأ الخوف الذي لا أعرف سببه يتسلل إلى قلبي. وقفتُ وأنا أنظر إلى الظلام المخيِّم على غرفتي، وبدأتُ أصغي السمع ولا أدري لِمَ فعلتُ ذلك، وكأني كنتُ أسمع أصواتًا خافتة وسط هبوب الرياح. كان الخوف يجثم على صدري وكأنه أحمال ثقيلة. ارتديتُ ملابسي وطفقتُ أجول في الغرفة جيئةً وذهابًا.

أخذتُ أمشي لبرهة حتى سمعتُ صوت أقدام خافتة تقترب ناحية باب غرفتي. كنتُ أعرف أنه آشر. وبعد لحظة رأيته أمام غرفتي. كان كالعادة شاحبًا جدًا ولكن رأيتُ في عينيه ضحكة متوحشة. وبالرغم من ذلك فرحتُ لصحبته. قال لي: “ألم ترَ ذلك؟” ثم أسرع صوبَ إحدى النوافذ ففتحها لنرى العاصفة.

كادت قوة الرياح التي اندفعَت إلى الداخل أنْ ترفعنا من أماكننا. كانت حقًا ليلة عاصفة ولكنها كانت ليلة جميلة، كانت ليلة غريبة حقًا. كانت السُّحُب الثقيلة والتي تكاد تقترب من الأرض تبدو وكأنها كانت تضغط المنزل لأسفل، وكانت تجري وراء بعضها البعض لتختفي في الأفق. كانت سماكة هذه الشحب تعيق الضوءَ المنبعث من القمر والنجوم، ولكننا استطعنا أنْ نراها؛ لأنَّ ضوء القمر والنجوم كان يسيران مع الهواء نفسه، فرأينا البحيرة المظلمة والمنزل الحجَري.

قلتُ لآشر: “يجب عليك ألّا تنظر إليها” وجذبتُه من النافذة ليجلس على أحد المقاعد. هذا المشهد الذي أدهشك مشهد مألوف في أماكن أخرى، ربما تكون الحيرة هي السبب. دعنا نغلق النافذة. سوف أقرأ وتسمع أنت؛ وهكذا سوف نعيش هذه الليلة المخيفة معًا”.

اخترتُ كتابًا عتيقًا كَتبه أحد الحمقى ليقرأه الحمقى، وفي الحقيقة لم يكن آشر يحبُّ هذه النوعية من الكتب. ولكنه كان الكتاب الوحيد الذي استطعتُ أنْ أصل إليه بسهولة. بدا وكأنه يصغي بهدوء. ثُم وصلتُ إلى جزء من القصة حيث كان رجل قويٌّ جدًا ومخمور بدأ في كسر أحد الأبواب، وكان كلُّ من بالغابة المجاورة يستطيع سماع صوت الخشب الجافّ وهو ينكسر.

ثُم توقفتُ عند هذه النقطة، حيث بدأتُ وكأنني أشعر أنني أسمع أصواتًا تأتي من مكان سحيق في المنزل تشبه تمامًا الأصواتَ التي كنتُ أحكي عنها له. ربما يكون هذا التشابه الذي جعلني ألاحظ ذلك، حيث كان صوت العاصفة لا يزال قويًّا، فشعرتُ أنه لا شيء يهمُّني أو يجعلني أتوقف.

استمررتُ في قراءة القصة، وكيف أنَّ الرجل الآن كان يدخل من الباب المنكسر ليرى حيوانًا غريبًا وفظيعًا في غرفته. كان حيوانًا مثل الحيوانات التي تُذكر في مثل هذه القصص العتيقة. ضرب الرجلُ الحيوانَ ليطرحَه أرضًا فصرخ الحيوان صرخة هائلة، جعلتْه يضع يديْه على أذنيه. ثم توقفتُ مرةً أخرى.

لا شكَّ أنني هذه المرة سمعتُ صوتًا من مكان سحيق تمامًا مثل الصرخة التي أطلقها الحيوان في القصة. حاولتُ أنْ أتمالك نفسي حتى لا يرى صديقي ما أشعر به. لم أكن متأكدًا أنه سمع الصوت، رغم أني رأيتُ أنه تغيَّر بشكل واضح. حرّك مقعده بحيث لا أستطيع أنْ أراه بشكل جيد. رأيتُ أنه يحرك شفتيْه وكأنه يُحدِّث نفسه. سقطَت يداه أمامه، ولكني كنتُ أعرف أنه لم يكن نائمًا. كانت عيناه مفتوحتيْن، وكان يتحرك من جنب إلى آخر. استأنفتُ القراءة مرةً أخرى حتى وصلتُ بسرعة إلى جزء من القصة تسقط فيه قطعة ثقيلة من الصلب على الأرضية الصخرية فيسمع صوت رنين. ما كدتُ أتفوَّه بهذه الكلمات حتى سمعتُ صوت رنين عالٍ يأتي من مكان سحيق، وكأنما بالفعل سقط شيءٌ صلبٌ ثقيل جدًا على أرضية حجرية، أو أنَّ بابًا من الفولاذ قد أُغلِق.

فقدتُ السيطرة على نفسي تمامًا، وقفزتُ من مقعدي. كان آشر لا يزال جالسًا ويتحرك من جانب إلى آخر. تحوَّل بصرُه إلى الأرضية. أسرعتُ إلى مقعده كالصاروخ. وعندما وضعتُ يدي على كتفه، شعرتُ وكأنَّ كلَّ بدنه يرتجف. أخذ يتحدث بصوت خفيض وسريع ومتوتر، وكأنه لا يشعر أنني معه.

أخذ يغمغم قائلًا: “نعم، سمعتُ ذلك لعدة دقائق، ولعدة ساعات، ولعدة أيام، ولكنني لم أجرؤ أنْ أتحدَّث! لقد دفنّاها في القبو وهي حية! ألم أقُل إنَّ حواسّي كانت قوية جدًا؟ سمعتُ أول حركاتها منذ عدة أيام ولكنني لم أجرؤ أنْ أتحدث! والآن، هذه القصة، لكن هذه الأصوات كانت لها! أوه، أين يجب على أنْ أهرب؟ هي تقترب الآن، إنها قادمة لتسألني: لماذا استعجلت جدًا في أنْ أدفنها هناك وقبل أنْ تموت! أسمع وقْع خطواتها على الدرج. أسمع نبضاتِ قلبها المتسارع”. ثم قفز واقفًا على قدميْه، وأخذ يصرخ وكأنما سكراتُ الموت قد بدأت تسحب روحه. أقول لك: إنها الآن تقف أمام الباب!

بدأ الباب الكبير الذي أشار إليه الآن يُفتح ببطء. ربما كان من عمل الرياح المندفعة ولكن، لا!. رأيتُ خارج هذا الباب سواد شخص يقف، كان شخصًا طويلًا يقف في كفنه، كانت السيدة مادلين آشر. كان هناك دم على ثوبها الأبيض، وعلاماتٌ رهيبة تدل على محاولاتها للهروب. لدقيقة ظلَّت ترتجف على عتبة الباب، وبعد أنْ صرخت صرخة خافتة سقطَت على أخيها، سقطت وهي تتألم لتموت هذه المرة بالفعل. سقطَت وهي تجذبه ليقع معها على الأرض، ليقع ميتًا هو أيضًا بعد أنْ قتله خوفه.

اندفعتُ خارجًا من الحجرة، بل خارجًا من هذا المنزل كله. جريتُ وجريتُ وشعرتُ وكأنَّ الرياح كانت تطاردني من كلِّ اتجاه حتى عبرتُ الجسر. وفجأة رأيتُ ضوءًا قويًا تحت قدمي. استدرتُ حتى أرى من أين جاء هذا الضوء فرأيتُ فقط المنزل الكبير بظلامه المخيف ورائي. كان هذا الضوء هو ضوء القمر. كان ضوء القمر يبدو وكأنه أحمر قانيًا بلون الدم، وكان هذا الضوء الآن يسطع على التصدع الذي كان ينخر في حائط الواجهة، والذي رأيتُه لأول مرة أتيتُ فيها إلى هذا المنزل. بدأتُ أنظر لأرى هذا التصدع يكبر ويكبر أمام عيني. شعرتُ برياح قوية تهبُّ من فوقي وبدا أمام ناظري القمر وكأنه بدر مكتمل. رأيتُ حوائط المنزل العظيمة تتهاوى واحدة تلوَ الأخرى حتى صار منزل عائلة آشر أثرًا بعد عين. سمعتُ أصوات عاصفة تصرخ وكأنها عويلٌ، ورأيتُ البحيرة العميقة المظلمة تبتلع كلَّ ما تبقّى من منزل عائلة آشر!

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

One Response

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: