الأدب والتجارب ..بين الارتباط والإسقاط

 

الأدب والتجارب ..بين الارتباط والإسقاط

 

إعداد_ هيا العتيبي

يرتبط الإنتاج الأدبي بكل فنونه كثيراً بالتجارب التي يعيشها المؤلف أو الأديب بمختلف أنواعها وتداعياتها وقد تتشكل لديه في هيئة إرتباط بين التجربة والمنتج الذي قد يظهر بشكل واضح ومباشر أو إسقاط التجربة على النصوص والروايات والقصائد بشكل غير مباشر، وهناك تجربتان قد يمر بهما المؤلف للنص تجربة ذهنية وأخرى عملية، وحين تدمج التجربتان مع بعضهما، تظهر تجربة جديدة تماماً وهي التجربة المشتركة، وهي اختصار ناتج من التجربتين المختلطتين، وما يجعل هذه التجربة مهمة هو أنها نتيجة معطيات لتجارب تمس ذاكرة وروح وعقل المؤلف وخصوصيتها تتضح في كونها تلمس شغاف قلبة حزنا أو فرحا. ويثريها نتاج ذاك الإحساس فيظهر وليد الإبداع قصة أو قصيدة أو خاطرة ممزوجة بعبق التجربة الأصيلة ولها ملامح الحدث الطازج. وغالباً  إن امتاز بالدهشة صار أعمق وأكثر قيمة أدبية بحيث يتفاعل معها المبدع وجدانياً، ويستطيع بالتالي أن يعكسها ويوصلها إلى جمهور متابعيه.

فرقد الإبداعية تسبر أغوار هذا الجانب المتعمق في النتاج الأدبي من خلال طرح محاورها التالية على نخبة من الأدباء:

ما مدى ارتباط التجارب بالأدب وهل تسهم التجربة الواقعية المباشرة في إنتاج أدب يتفوق جودةً على المنتج المعتمد على الخيال المحض؟

لماذا يحاول بعض الأدباء اللجوء إلى الإسقاط في توظيف التجارب على المنتج الأدبي؟

كيف يستطيع الأديب تحويل التجربة الشخصية إلى إنتاج أدبي  دون المساس بخصوصيته؟

ما هي المزايا  التي تصنعها التجارب في صياغة إنتاج أدبي مختلف بعيداً عن الإسقاط وتغليب الخيال؟

كيف يستطيع الأديب الناجح الموازنة بين الارتباط والإسقاط في صناعة إنتاجه الأدبي بشكل مميز؟

الرؤية الفنية هي المحك 

يقول الناقد والكاتب الدكتور. حسن مشهور: مما لاشك فيه، أن هناك ارتباطية عميقة بين التجربة الذاتية والنتاج الأدبي. وهي ارتباطية قائمة على التلازمية في الغالب وليست عملية اعتباطية كما قد يتبادر لذهن البعض. وهي مما يسهم إلى حد بعيد في رفعة النتاج الأدبي المطالع، ويمكن الرجوع في ذلك لكتاب أرسطو (فن الشعر)، الذي يعد أول مرجع نقدي لنا في العالم أجمع. إذ قد تحدث فيه عن التجربة الشخصية أو كما نسميها بالتجربة المعاشة وأشار فيه لأهمية التجربة الشخصية في تزويدنا بأدب حقيقي وصادق متسم بالرفعة والقيمة الفنية العالية.
ونعم الخيال مطلب في الكتابة الإبداعية، ولكن ليس بذلك القدر الذي يتجاوز فيه على قيمة التجربة. ولقد وجدنا الكثير من الأدباء وخاصة الشعراء منهم يلجؤون “للمخيال الشعري”، ولكن ديمومة القصيدة وثباتها التاريخي رهنًا إلى حد بعيد بالواقعية والتجربة الشخصية.
ولنعد في تاريخنا الأدبي الحديث لنتاج إبراهيم المازني وسنجد بأنه استمد قيمته التاريخية وقبل ذلك الفنية لكونه اتكأ و بشكل كبير على حياته وتجاربه الشخصية المعاشة.
وكلامنا هذا قد يستشعر منه أدباؤنا السعوديون من جيل الشباب القليل من الرهاب، مخافة أن تتقاطع في نصوصهم التجربة السخصية مع بعض النقاط في حياتهم التي يرون فيها نوعًا من الخصوصية إلى حد بعيد، وهنا في تقديري المحك الذي يميز الأديب الموهوب حقًا عن غيره. فالكاتب الحقيقي هو من يتناول التجربة الشخصية المعاشة ويقدمها للقارئ وفق “رؤية فتية”، تنزح قليلاً عن مربع الشخصية، وهو الأمر الذي يعطي للأدب والنتاج الأدبي قيمته وماعدا ذلك سنجد أنفسنا بإزاء نتاج “سيرذاتي” محظ ليس إلا.
وتبقى عملية الإسقاط الأدبي مناطة في الغالب بالقارئ الهدف، سواء أكان هذا القارئ ناقدًا أدبيًا أو القارئ التقليدي البسيط. وعلى الأديب ألا يخشى من ذلك، فخيال القارئ يجنح دومًا لربط مايكتب بحياة مبدعه، ومن هنا فعليه أن يوطن نفسه على ذلك فالروائي الراحل ثروت أباظة قد عانى من ذلك في روايته الشهيرة (هارب من الأيام)، ونفس الأمر قد عانى منه الروائي الشهير الراحل إحسان عبدالقدوس ولكنه يظل من الإفرازات السلبية نوعًا ما للممارسة الأدبية وعلى الأديب تقبل ذلك وتوطين النفس على التعايش معه.

الأديب منصهر في مجتمعه

وتجيب الكاتبة حنان بكري على محاور القضية بقولها: ترتبط التجارب بالأدب ارتباطا قوياً، فالأديب منصهر في مجتمعه، و نتاجه لا يتخلص من مرجعيته الاجتماعية والثقافية بطريقة أو أخرى، وتظل العملية الإبداعية تأسيسية تنطلق من الواقع مها كان نوعه باعتباره مرجعية أساسية.

لا يخلو الأمر من دور جاذبية وجودة النص وسلامة مبناه ومعناه وجماله، ولكن لاشك التجربة الحية تعطي النص تميزه وحيويته وتجعله مرجعاً ثقافياً. كما لا يمكن تصور إنتاج أدبي من دون أن يكون هذا الإنتاج متصلاً اتصالًا وثيقًا بمسألة الثقافية.

وعن محولة بعض الأدباء اللجوء الى الإسقاط في توظيف التجارب على المنتج الادبي؛ تجيب بكري: قد يكون محاولة للتنفيس أو المناقشة بالصوت المسموع، لكن الأدب ما يقوله الأديب في سياقه التاريخي لغاية محددة في ظل شروط أدبية جمالية واجتماعية لا تغفل عن وجود تشابك نفسي واجتماعي وثقافي في صناعة الأدب، فإذا خلا من الشروط الاجتماعية والأدبية والجمالية صار إسقاطاً.

وتكمل بكري حديثها: يستطيع الأديب تحويل التجربة الشخصية إلى إنتاج أدبي دون المساس بالأمور الخاصة وذلك عن طريق: انتقاء أحسنها وأهمها، واستخدام بعض أساليب التعميم أوإعطاء ألقاب أو أمثلة، بذلك يحيل التجربة لمثال يوعي المتلقي بدون أن يعرض الكاتب لمناقشة قضية شخصية باعتبار الأدب وسيلة من وسائل بث الوعي الفكري والجمالي، ولكن بلغته الأدبية والجمالية، وليس تصوير نسخ للواقع.

وعن المزايا التي تصنعها التجارب في صياغة إنتاج أدبي مختلف بعيداً عن الإسقاط وتغليب الخيال؛ تعدد بكري:

*بث الوعي الفكري.

*حفظ السجل التاريخي دون تشويه أو تحريف.

وقد كان الأدب في كل مجتمع بما فيه العربي هو سجله، كما يقال عن الشعر العربي:كان ديوان العرب وسجلهم الذي يصور حياتهم ويعكس أحوال معيشتهم في صدق تام“.

*تحسين السلبي الكائن إلى ما يمكن أن يكون عليه المجتمع، وإبراز الإيجابي الكائن والممكن استمراره وتعزيزه باعتبار دور الأديب والمتلقي فاعلين اجتماعيين.

كما ترى أن الأديب الناجح  يستطيع المواءمة بين الارتباط والاسقاط في صناعة إنتاجه الأدبي بشكل مميز؛ وذلك: بانتقاء التجارب الممكن عرضها بعناية وصياغتها بأسلوب جمالي أدبي ومحتوى مشرف لغة ومعنى.

مثلاً: مناقشة القضايا الشائكة بلغة ودودة، عمومية بعيدة عن إضرام العداوات، تجسيد القدوات الحسنة، وتحري الصدق والأمانة خلق كل لسان قويم فكيف بالأديب الذي يعتبر المتحدث بصوت الوعي الجماهيري، ثم إعطاء مساحة مخصصة للنتاج الخيالي مع إعطاء مقدمة تعرف بأن المكتوب هو رؤى الكاتب لما يظن أنه قديجري ولكن لا يعد حجة ولا مرجع.

التجربة لا تكفي لعمل جيد 

ويضيف الكاتب والروائي. ظافر الجبيري إجاباته على المحاور السابقة بقوله: نعم، ترتبط التجارب الأدبية بالحيَوَات الممتدة التي يبسطها الكاتب على صفحات رواياته وقصصه ارتباطا وثيقًا، أما جودة الإنتاج فذلك مرده إلى خبرة الكاتب وقدراته ووعيه  في الربط بين الحالتين بطريقة إبداعية تظهرالصنعة الفنية ولمساته الخاصة. في المجمل على الكاتب أن يخلص لصنعته  الأدبية ويعتني بشخصياته وسرد أ١حداث عمله لتكون قابلة للعيش ومقْنِعة على الورق دون تفكير في إمكانية حدوثها  في الواقع.

وعن التجارب بشكل مباشر في تفوق المنتج أكثر من الاعتماد على الخيال المحض؛ يكمل الجبيري: كلاهما يمكن أن يسهم في التفوق المنشود. أما المعوّل عليه هنا، فهو قدرات الكاتب على صنع أجواء عمله.

ولا أرى ضيْرًا في “محاولة بعض الأدباء اللجوء الى الإسقاط في توظيف التجارب على المنتج الادبي” لأنه متى ما كانت التجربة حقيقية في وعي الكاتب وأجاد صياغة ما يريد في مِرْجل تجربته.

وحول: كيف يستطيع الأديب تحويل التجربة الشخصية إلى إنتاج أدبي  دون المساس بالأمور الخاصة ؟؛ يجيب: يقال عادة، إن الرواية الأولى هي سيرة الكاتب الذاتية علمًا أن هذا الأمر لا يصْدق على كلّ التجارب، لكن،إن حصل فعلى الكاتب التخلص من هذا في بقية أعماله. أما مسألة التداخل بين العام والخاص وانكشاف الثاني، فلا أظن كاتبًا يسعى  إلى إجادة عمله ويتوخّى الفن الحقيقي يسقط في هذا الفخ بسهولة، أو يعجز عنالإتيان بالإبداع الحقيقي بمزج كل خبراته وخيالاته  في عمل يكتسب الاحترام الفني ويقدم للقارئ تجربة آسرة ببعديها الإنساني والمعرفي، ليظل  العمل المقروء بعد الانتهاء منه يفعل  فعله في ذاكرة القارئ.

كما قلت سابقًا، التجربة  الحياتية تضيف للكاتب، لكنها لا تكفي لكتابة عمل جيد، لا بدّ من قدرات مجاوِزة لإخراج عمل يحظى بالقبول ويوظف الخبرات ويقدّم الراهنَ وينحاز للوعي والمصداقية في كل سطر وفي كل صفحة، المصداقية بمعناها العام.

ويختم الجبيري بقوله: ممارسة الكتابة بطريقة يضع فيها الكاتبُ ما يريد نصبَ عينيه  لإحداث تميّزه أو لصنع العمل الجيد  هيالأساس، وهنا أتساءلهل السؤال يطرح الإسقاط كأمر معيب مطلقًا؟

الإسقاط بأنواعه رافد  مهم، وتجربة  واعية في التوظيف والاعتناء بالعمل وصَهر كل ما تحتاجه التجربة بطريقة إبداعية.

التجربة ليست جواز عبور

ويؤكد الكاتب. عبدالله ناجي على أهمية التجربة في العمل الإبداعي؛ بقوله: تُعد الحياة المليئة بالتجارب المتنوعة من أقوى الروافد التي تمد الأديب بموضوعات وأفكار وأحداث، بل وشخوص. ولكن التجربة وحدها -ولو كانت غنية- لا تمنح العمل الأدبي جواز عبور إلى مدن الإبداع. فإن تلك التجارب بحاجة إلى أديب فذٍ قادر على استلهامها، واقتناص الجمل الضوئية من كتاب تجاربه لإضاءة زوايا الأدب المعتمة، ومن خلال القراءة والتقصي في كتب الأدب، والروايات بشكل خاص نجد أن التجارب والمؤلمة منها قد أثرت الأدب الإنساني بل وساهمت في دفع عربته والتوغل به في مناطق نفسية وروحية واجتماعية عميقة وبعيدة الغور، لم يكن الوصول إليها سهلا لولا تلك التجارب الحيّة التي عاشها ذلك الأديب أو وقف عليها بنفسه. فالتجربة العظيمة تصنع أدبا عظيما إذا قُيض لها كاتب مبدع. ولعل من أبرز الأعمال الفريدة التي اتكأت على تجارب غنية: رواية البحث عن الزمن المفقود لمرسيل بروست، ورواية كفاحي للنرويجي كارل أوفيه كناسغارد. ففي هذين العملين كُتبت التفاصيل الحميمة في الحياة مثلما تعاش.
ويكمل ناجي: الواقع والخيال جناحا الأديب اللذان يُمكّنانه من الطيران والتحليق في سماء الأدب، وبواحد منها فقط لا يمكن له أن يرتفع ويذهب بعيدا بأدبه وإبداعه. والتفوق كما ذكرت سابقا مرهون ببراعة الكاتب ذاته، ففي ذاته تكمن قوة إبداعه وتفوقه منتجه، إذ قد يحوّل الكاتب تجربة بسيطة إلى كتابة عظيمة، كل ذلك يعتمد على براعته في استخدام الواقع والخيال ومزجهما معا، ففي عقل المبدع تنتفي الحدود بين العالمين، وتصبح كل المساحات متاحة لركضه الفني في محاولة دؤوبة لخلق منتجٍ أدبي متفوق بل ومتجاوز.

وعن محاولة بعض الأدباء اللجوء الى الٍأسقاط في توظيف التجارب على المنتج الادبي؛ يرى ناجي: يجنح بعض الأدباء إلى الإسقاط كاستخدام لعبة الرمز والغموض في الشعر أو إيكال السرد إلى الحيوانات كما فعل جورج أورويل في روايته مزرعة الحيوان، كوسيلة حماية أو هجوم مبطن، أو تمرير احتجاج ورفض أو غيرها من الأسباب التي تكون وجيهة في ذهن الكاتب لحظة الكتابة. وتلعب الظروف السياسية والاجتماعية دورا هاما في هذا اللجوء إلى مغاور الإسقاط لتوظيف تجربة ما قادرة على إيصال الفكرة أكثر من الدفع بها عارية دون احتيال فني أو إسقاط بارع.

في اعتقادي لا توجد حجرة ممنوعة الدخول في عقل الأديب وكتبه، ومتى ما أقفل باب حجرة ما باعتبارها منطقة خاصة فإنما هو يضع الحدود والحواجز أمام إبداعه، الكتابة فعل اقتحام وتوغل وقراءة التفاصيل على ضوء فنيٍ،  والمصابيح الأدبية قادرة على صياغة محتوى المناطق الخاصة وأشيائها دون انتهاكها أو المساس بها بشكل مبتذل وصارخ، “فإن الصراخ يقتل الأدب” كما يقول الشاعر سعيد عقل. والتجربة الشخصية عندما تتحول إلى إنتاج أدبي فإن أمورها الخاصة تتحول هي أيضا، ولا تكون هي ذاتها قبل أن تصبح أدبا، وبإمكان أيّ قارئ إسقاطها على حياته، وتلك ميزة الأدب، أن نرى صورنا في مراياه.

وعن المزايا التي تصنعها التجارب في صياغة انتاج أدبي مختلف بعيدا عن الاسقاط وتغليب الخيال. يقول: أن نرى صورنا في مرايا ذلك النتاج الأدبي، كانت هذه الجملة الأخيرة في حديثي عن المحور السابق، ووجدتها دون قصد صالحة بأن تكون أولى المزايا التي تصنعها التجارب، فالكتابة عندما تتحلى بالصدق، وأعني بذلك صدق الشعور والتجربة، فإن نتاجها يساعدنا على معرفة أنفسنا وقراءة ما يجول داخلها، وتحسين نظرتها للنفس وتقريبها إلى أقرب صورة حقيقية، لا تلك التي رسمناها قبل المعرفة. المعرفة بالذات والنفس أصدق وأقوى ميزة يقدمها لنا الأدب الصادق، لنعيد اكتشافنا وترتيب حجرات الذات على ضوء ذلك الاكتشاف وتلك المعرفة.

ويختم ناجي حديثه حول استطاعة الأديب الناجح المواءمة بين الارتباط والاسقاط في صناعة انتاجه الأدبي بشكل مميز؛ بقوله: ليس على الأديب أن يُعمل فكره ويُجهده في تلك الموازنات بين “إسقاط وارتباط.. أو بين خيال وواقع.. أو بين جوهري وعرضي” ولا أن يرهق ذهنه في ضبط كمياتها وأجرام كل عنصر من عناصر عمله الأدبي. العملية الإبداعية احتراقا داخلي، وفي ذلك الاحتراق ستنصهر جميع العناصر وتمتزج فيما بينها بطريقة غير مفهومة ولا واعية أثناء عملية الكتابة والخلق، ليتحد الوعي باللاوعي في منطقة الاشتعال الذاتي، ثم لتُخرج لنا بعد ذلك عملا أدبيا مميزا وفريدا. وحدها عملية الاحتراق مع الرصيد المعرفي والفني للكاتب ستقوم بدور المواءمة بين المتضادات، والمتشاكلات، وستحدد درجة التميز لذلك النتاج الأدبي.

الإنتاج الأدبي وليد اللحظة

 

كما تدلي الأديبة والشاعرة. منى البدراني. برأيها عن مدى ارتباط التجارب بالأدب وهل تسهم التجربة الواقعية في انتاج أدب فريد؟ حيث تقول: أغلب النتاج الأدبي وليد لحظة أو موقف أو تجربة نُقشت في قلبه قبل فكره، والارتباط بالتأكيد وثيق.
نعم .. التجربة الواقعية بحلة شاعرية ولغة راقية وصور مبهرة تنتج أدبًا فريدًا.

وترى البدراني أنه لا يصح استخدام التجارب بشكل مباشر في تفوق المنتج أكثر من الاعتماد على الخيال المحض. فمن عناصر الأدب الأربعة “الخيال” وإذا فُقد في النص اعتراه النقص.

وربما تقوية للنص أو غموض يؤول بعدة تأويلات. هو ما فسر لجوء بعض الأدباء إلى الإسقاط في توظيف التجارب على المنتج الأدبي.

وتكمل البدراني: عن طريق الترميز دون غموض كلي أو طلاسم يصعب فكها. يستطيع الأديب تحويل التجربة الشخصية إلى إنتاج أدبي دون المساس بالأمور الخاصة.

-وعن المزايا التي تصنعها التجارب في صياغة إنتاج أدبي مختلف بعيدا عن الاسقاط وتغليب الخيال؛ تجيب:

التأثير وصدق التعبير عن المشاعر والتي نسميها (الأصالة)، فكلما صدق الشعور من عاطفة متأججة أثرَّ بالمتلقي، فالشعر ماهزّ الشعور.
فقلت عنه:

هو الشعرُ سحرٌ يُشنِّفُ سمعًا
ويأسرُ روحًــــا بوهــــج الدررْ

ففيهِ الــــرواءُ وفيهِ الشــفاءُ
ونبضُ الشــــعورِ ولحنُ الوترْ

وعن كيف  يستطيع الأديب الناجح المواءمة بين الارتباط والاسقاط في صناعة انتاجه الأدبي بشكل مميز ؟ تختم البدراني بقولها: بحسن السبك، وقوة المعنى والتلاحم القوي في بنية العمل الأدبي.

التجارب والخيال وجهان لعملة واحدة

وعن مدى ارتباط التجارب بالأدب وهل تسهم التجربة الواقعية في إنتاج أدب فريد: تجيب الأديبة البحرينية. هنادي الهاجري. بقولها: نعم ارتباط قوي ومباشر. فلا يمكن أن تتناثر الكلمات والحروف والمشاعر دون وجود تجربة إنسانية تصقل مواهب الإنسان الكتابية.

ثم تتبع الهاجري بقولها: التجارب والخيال عنصران لعملة واحدة حيث يفيض الكاتب بأفكاره الأدبية عن طريق بوح الكلمات مرتبطة بخيال الكاتب الخصب ومرتبطة بتجاربه وخبراته السابقة.

وعن محورنا: لماذا يحاول بعض الأدباء اللجوء إلى الاسقاط في توظيف التجارب على المنتج الأدبي ؟ تجيب: أن الحالة النفسية للكاتب وما مر به من تجارب اجتماعية تؤثر في إنتاج الكاتب الأدبي تأثيرًا مباشرًا، ونادرًا ما يستطيع الكاتب فصل المشاعر والتجارب بعيدًا عن الاسقاطات الأدبية.

وعن كيف يستطيع الأديب تحويل التجربة الشخصية إلى إنتاج أدبي دون المساس بالأمور الخاصة ؟ تكمل الهاجري: هنا يأتي خيال الشاعر الخصب في استخدام التعبيرات البلاغية والتورية والكناية عند سرد التجارب الشخصية على شكل إنتاج أدبي فريد من نوعه دون المساس بشخصيات قريبة أو بأمور تتعلق بشخصه المباشر.

وترى أنه: قد يتمكن بعض الكتاب عن فصل تجاربهم عن الإنتاج الأدبي وعكس الواقع الذي عاشوا فيه لخلق مضمون مختلف عما كان عليه حيث تذهب مخيلة الكاتب لبناء واقع جديد يحلم به قد يكون قريب من واقع أشخاص آخرين يعرفهم.

وتختم بحديثها عن: استطاعة الأديب الناجح المواءمة بين الارتباط والإسقاط في صناعة إنتاجه الأدبي بشكل مميز؛ حيث تقول: هنا يأتي إبداع الكاتب بالتوازن الفكري والعاطفي بين المثلث الأدبي للإبداع وهو الإسقاط المباشر والغير مباشر والخيال وصياغة لوحة أدبية فنية تتحدث عنها الأجيال على مر السنين.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *