محطات في أدب الطفولة

فاطمة الدوسري*

 

عبر “كان ياما كان، في قديم العصر والأوان” كانت الحكايا تتسرب من أفواه الأمهات والجدات لتثير دهشة الأطفال والتفافهم حولهن، وكل واحدة تحقق ما تريد من توجيه ونصح أو تعديل سلوك وزرع قيم في ثنايا الحكاية أثناء دهشته وانسجامه مع الأحداث، ولا ننسى الأهازيج الجميلة التي تحمل مفرداتها كلمات تسمو بالطفل في سماء البطولة والعادات الحسنه، فكم رددت الأمهات وهن يلاعبن صغارهن ” ريحك ريح التفاح وريح المسك لا فاح وريح الجنة الخضراء إذا هبت بالآرياح” أو ” (فلان) يا حبيب أمه، يشيل الهيل في كمه ويقهوي به بني عمه ” ويذكر اسم الطفل المقصود بين القوسين.

هذه الحكايا والأهازيج الشعبية تعتبر النواة التي انطلق منها الاهتمام بأدب الطفل على المستوى المحلي منذ زهاء العشرين عاما، استجابة لاحتياج المجتمع السعودي وكنتيجة طبيعية لتطور الاهتمام بالأدب. فبدأت تهامة في نشر قصص الأطفال وتلاها عديد من دور النشر مثل الشروق والعبيكان، ثم صدرت مجلات متنوعة مثل مجلة حسن التي أصدرتها عكاظ ومجلة الشبل التي تصدر من الرياض، ومجلة الجيل الجديد التي تصدر شهريا عن الرئاسة العامة لرعاية الشباب لتشجيع أدب الأطفال شعراً ونثرا.

وقبل أن نغوص في المشهد المحلي لأدب الطفل نلقي نظرة عامة على الحركة العالمية لأدب الطفل الذي حدث فيه نقلة نوعية في منتصف القرن التاسع عشر؛ فالتعليم بات أكثر مرحًا واحتوى على كتب مخصصة للأطفال، والتي كانت أكثر انسجامًا مع خيال الطفل. وأصبح أدب الطفل متاحًا بشكل أكبر بسبب انتشار الطباعة مما زاد عدد الناس القادرين على القراءة عندما نُشر كتاب أيام توم بروان المدرسية في عام 1857 للكاتب توماس هيوز وأُعتبر الكتاب المؤسس لتقليد كتابة كتب المدرسة، ومع ذلك يُشير كتاب لويس كارول أليس في بلاد العجائب الذي صدر عام 1865 إلى تغير طريقة الكتابة للأطفال فتحولت إلى كتابة تشمل الخيال.

وفي قراءة للمشهد من خلال قصة أليس في بلاد العجائب نلاحظ أن القصص الخيالية لها واقع تاريخي، ومن خلالها أيضًا نرى العالم من وجهة نظر الطفل فجعلنا “لويس كارول “نرى العديد من ظواهر الحياة المعاصرة وإن الغرابة الموجودة في القصص الخيالية ما هي إلا طريقة الكاتب في التهكم والسخرية من المشاكل العديدة في مجتمعاتهم في ذلك الزمان.

أدب الطفل نوع من الفن الأدبي الذي يشمل القصص والكتب والمجلات والقصائد المؤلفة بشكل خاص للأطفال. ويتم تصنيف أدب الأطفال الحديث بطريقتين مختلفتين: حسب الفئة أو العمر المقصود للقارئ وكما ذكرنا سالفا أن أصله يعود إلى القصص والأغاني قبل وجود الطباعة حين كان الأباء ينقُلون القصص والأغاني إلى أبناءهم شفويًا.

ومنذ بدأ مفهوم الطفولة في الظهور ورأى الكبار الأطفال ككائنات منفصلة بريئة يحتاجون إلى الحماية والتدريب من قِبل البالغين من حولهم، فالإنسان عند ولادته يكون عقله كصفحة فارغة ولا يوجد لديه قواعد لاستيعاب المعلومات وتوصل “جون لوك” من خلال فلسفته إلى أن من واجب الوالدين أن يعلموا أطفالهم المفاهيم الصحيحة، وأكد لوك على أهمية تزويد الأطفال بكتب ممتعة من أجل تطوير عقولهم بدلًا من استخدام القوة لتعلميهم وقال أيضًا «أن الأطفال قد يجبروا على تعلم الحروف، والقراءة ظنًا منهم أنها رياضة وبهذا يصبح الأطفال خاضعين لكلام غيرهم ومن هذا المنطلق اقترح إنشاء كتب مصورة للأطفال.

وعلى الرغم من الارتباط الواسع لأدب الأطفال بالكتب المصورة، لكن يعود أصل أدب الأطفال إلى الروايات المنطوقة شفويًا من قِبل الرواة قديمًا. قال “سيث لاير” في مقدمة كتابه تاريخ القراء من ايسوب إلى هاري بوتر “يقدم هذا الكتاب تاريخًا لما سمع وقرئه الأطفال، فالتاريخ الذي أكتب عنه هو تاريخ الاستقبال”

يسعى أدب الطفل إلى أهداف عليا تنمو بخُلق الطفل، مثال ذلك ما يسعى له أدب الطفل من أهداف عقدية تدعو إلى تعريف الطفل بدينه وواجباته في طاعة الله تعالى، وترسيخ حب الله والتدبر بالكون، إضافة إلى أهداف تعليمية كقصص التاريخ، ومكونات جسم الإنسان، وقصص الحيوانات، وقصص الكون، والقصص التي تساعد في معرفة الطفل للأرقام والحروف، إضافة إلى أنّ هناك دافع تربوي في كتابة أدب الطفل وهي تربية الطفل على الأخلاق الحميدة والحسنة، والقدرة على معرفة الفرق بين الخير والشر، وبين الجُبن والشجاعة، والبٌعد عن الأنانية وحُب الغير، والرحمة والعدالة، فكل تلك المواضيع كان مفهوم أدب الأطفال يسعى إلى تحقيقها، بيد إنّ أدب الأطفال لا ينأى عن خاصية الترفيه تلك التي تجذب الطفل وتشوقه لمعرفة تتمة الأحداث، فيزيد تركيزه وتنغرس القيم في ذهنه.

من هذه المنطلقات نعود بالمشهد إلى عالمنا العربي وما قدمه في هذا الجانب المهم والحيوي ولعل  الدراسة الجادة والمهمة «أدب الأطفال في العالم المعاصر» للدكتور اسماعيل عبد الفتاح، والتي صدرت في خمسة فصول عن مكتبة الدار العربية للكتاب تلقي الضوء عليه حيث يستعرض المؤلف في الفصل الأول ماهية أدب الأطفال كشكل أدبي، فهو أدب واسع المجال تبعا لاعتبارات كثيرة منها السن الموجه اليها هذا الأدب، كما ان كل ما يكتب للأطفال سواء أكان قصصا أم مادة علمية أم تمثيليات أم برامج، كلها تشكل ما يسمى بأدب الأطفال، الذي يتعامل مع النشء الصغير منذ طفولته المبكرة «ثلاث سنوات» وحتى نضجه العقلي والاجتماعي «ثماني عشرة سنة» وهي مرحلة عمرية طويلة ومؤثرة في حياة أي انسان.

– وترتكز فلسفة أدب الأطفال على بعض الأسس منها:

– إذعان الإنسان لما قدر له في الحياة.

– الشرفي الطفل طبع لا تستأصله إلا مراقبة الوالدين وأولي الأمر.

– لكل فرد في المجتمع حدود وليس له الحق في تعديها.

وفي الفصل الثاني يهتم بالاتجاهات المعاصرة في تحليل أدب الأطفال ومن بينها اتجاه تحليل المحتوى والاتجاه الاسلامي في التحليل.

وفي الفصلين الثالث والرابع يقدم الباحث على التوالي نماذج من النصوص التي تقدم للأطفال في العالم العربي والعالم الغربي.

ثم يختتم الدراسة بفصل أخير عن صناعة كتاب ومجلة الطفل. وكان من ضمن النماذج التي اختارها لأدب الأطفال قصص «حكايات المداد» للكاتب عبده خال، باعتبارها نموذجا لأدب الأطفال في المملكة.

وذكر أنه نتيجة لتطور الاهتمام بالأدب. بدأت تهامة في نشر قصص الأطفال، وتلاها عديد من دور النشر مثل الشروق والعبيكان، ثم صدرت مجلات متنوعة مثل مجلة حسن التي أصدرتها عكاظ ومجلة الشبل التي تصدر من الرياض، ومجلة الجيل الجديد التي تصدر شهريا عن الرئاسة العامة لرعاية الشباب لتشجيع أدب الأطفال شعراً ونثراً.

كما ان العديد من الجرائد السعودية مثل البلاد وعكاظ والجزيرة والرياض والمدينة والندوة تخصص أبوابا متخصصة عن الطفل. وأظهر هذا المجال أن ثمة كتابا موهوبين يستطيعون ان ينسجوا قصص الأطفال ببراعة وأن يزودوهم بالثقافة العامة أمثال: يعقوب اسحاق وعزيز ضياء وعبده خال وغيرهم

ومن أهم التحديات التي تواجه أدب الطفل:

– الخلط بين ثقافة الأطفال وأدبهم، فأدب الأطفال نتاج فني يحدث المتعة لمتلقيه مثل الشعر والمسرحية، والمقالة، والأغنية ً.

– يفتقر ألأدب الموجه للأطفال إلى تحديد السن للمتلقي لأن لكل مرحلة عمرية خصائص للنمو العقلي والنفسي والاجتماعي.

– مواكبة الإنفجار المعرفي عن طريق وسائل النقل الرقمية وتأثيرها المباشر على الطفل وطريقة تفكيره .

ورغم هذه التحديات تشهد الساحة المحلية نشاطا دؤب واهتمام كبير بأدب الطفل السعودي رغم متطلبات الكتابة إليه لأهمية الإلمام بخصائص المراحل العمرية التي يمر بها الطفل والقدرة على مخاطبة عقله ومواجهة التحديات التي يعاني منها شعوب العالم ويبرز على الساحة العديد من الأسماء يحضرني منها الآن الأستاذ إبراهيم شيخ.

وفي الختام نستطيع أن نقول أن هناك جهود تبذل إلا أننا نتطلع إلى واقع أكثر حيوية وتفاعل ومجاراة للمتغيرات وتطوير التقنيات القوالب الذي يقدم فيها هذا الأدب في زمن متسارع وطفل يستبقه بشغف التلقي والاستكشاف.

 

*كاتبة قصصية
ناشطة في مجال الأسرة والطفل
‏‫‪@RuralGirl2011

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *