شعراء العقود

سعد عبدالله الغريبي*

من الشعراء من كانت له على رأس كل عقد من العمر قصيدة. ومن أشهرهم المعمَّر لبيد بن ربيعة؛ وهو القائل حين مضت له سبع وسبعون مخاطبا نفسه، وأملا في أن يكمل الثمانين:

قامت تشكَّى إليَّ الموت مجهشة    وقد حملتك سبعا بعد سبعينا

فإن تُــزادي ثلاثــا تبلغــي أملا     وفي الثـلاث وفــاء للثمانينا

فلما بلغ مائة وعشرا قال:

أليس في مائة قد عاشها رجل    وفي تكامل عشر بعدها عمر

فلما بلغ عشرين ومائة، قال:

ولقد سئمت من الحياة وطولها    وسؤال هذا الناس كيف لبيد؟

أصبح السؤال تقليديا لا ينتظر السائل جوابه.

وأنشأ الشاعر محمود الوراق قصائد في الأربعين وفي الستين وفي الواحدة

والسبعين. يقول من قصيدته بعد ستين عاما:

أمن بعد ستين تبكي الطلــولا     وتندب رسما وانیا محيلا

وقد نجَّم الشيب في عارضيك    وجر على مفرقيك الذيولا

وفي الواحدة والسبعين وصف ما فعلت به هذه الأعوام:

مني الســلام على الدنيـا وبهجتــها    فقـد نعــاها إليّ الشــيب والكِبَــر

لـم يبــق لي لــذة إلا التعجــب مـن    صرف الزمان وما يأتي به القدر

إحدى وسبعون لو مرت على حجر    لكــان من كبــره أن يفلق الحجر

ومن الشعراء الذين اعتادوا نظم القصائد في كل عقد أسامة بن منقذ، وقد قال لما وصل السبعين مذكرا بأن السبعين مؤذنة بقرب الرحيل:

وأسمعتك الليالي في مواعظها   أن ابن سبعين من وردٍ على قربِ

وفي الثمانين قال مشتكيا من ضعف الرِّجل واضطراب اليد، وأحزنه أنَّ يده لم تعد تستطيع حمل القلم، وما أصعبه من موقف على الفارس الكاتب:

مع الثمانين عاث الضعف في جلدي    وساءني ضعف رجلي واضطراب يدي

فاعجب لضعف يدي عن حملها قلما    مـن بعــد حطــم القنــا فــي لبــة الأســد

ومن شعراء العقود حسين سرحان فعندما بلغ ثلاثين عاما قال:

ثلاثون عاما.. يا لطــول بقائيا    ويالمقامي فارغ النفس ثاويا

تعاظمتها لا أستزيد بها الهوى    وأهدرتــها .. أيامها واللياليا

وأوسعتها جدا ولهـوا وحكمــة    وجهــلا وتذكارا لها وتناسيا

وفي الخمسين يقول:

أخمسون عاما قد طويـت كأنها    منام توشــيه الرؤى وكذابـها

وقد برمت نفسي علائل عيشها    فكيف وقد ولَّتْ وأقبل صابها

وفي الرابعة والخمسين يقول:

وفي أربع من بعد خمسين حجة    غِنًى لو يظل العمر بالعيش غانيا

عليــها بلاويــها وفيــها نعيمــها    ومنــها المنــايــا إذ تدس الأمانيا

وغئيت في ليلي أسلي حشاشتي     فلما استبان الفجر أصبحت باکیا

وفي الستين يحس بقرب غروب شمس نهاره فيقول:

كأني وقد شارفت ستین حجة    وقد طفلتْ شمس الحيــاة لتغربـا

هواء أشتته الســنون وكاذبت    عليه فلم يذهب مدى العمر مذهبا

وللشاعر عبدالرحمن بن عبدالكريم العبيِّد قصيدة في كل عقد منذ أن بلغ الثلاثين. يقول في قصيدته (من وحي الثلاثين):

الثلاثون لم تــزل    صورة منه تأتلق

قد طوينا شراعها    لفــؤاد بــه خفـق

طي أحلامنا التي     تتسامى بلا قلق

غير بقيا حزينة  من نشيد قد انعتق

ومن وحي الخمسين يقول:

ذهب الشباب وما درى السمار     فكأنمــا هـو كوكــب ســيار

أبصرت منــه أفولــه فتشابهت     في عيني الآصال والأسحار

ويمضي في القصيدة يشيد بتمسكه بالشعر ومرافقته له ليسجل حياته، فهو يبني بالشعر صروحا، ويتخذ بسببه أصدقاء. إن الرياض كلها تجف إلا رياض الشعر:

كل الرياض تجف من أوراقها   ولسوف تذوي تلكم الأزهار

إلا رياض الشــعر فهي نديــة    تزهــو بها الآراء والأفكــار

وفضلا عن القصائد العَقْدية هذه فهناك لمحات متناثرة تأبى إلا أن تظهر في كل مناسبة، ففي زيارته إلى مرابع صباه في (الجبيل) وبعد تذكر تلك الأيام؛ قال:

أتــيــتــها وفــؤادي فــي تلهــفــه     والشوق يدفعني والحب يشجيني

أسائل الدار عن روض وعن ولد     كم كان يجمع طاقــات الرياحين

واليــوم خالـطــه شــيب بمفرقــه     يجــر مــن خلفــه أعبـاء خمسين

لكنــها أنكرتنــي عندمــا رمقــت ْ     تلك التجاعيــد في وجهي تعريني

ولعل الدكتور غازي القصيبي رحمه الله من أهم شعراء العقود وأشهرهم، ولذا خصصت له المقالة التالية بإذن الله.

 

 

*كاتب سعودي

samghsa11@gmail.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *