قراءات نقدية في الشعر السعودي المعاصر -التعالق النصي- كمال عبد الرحمن

قراءات نقدية في الشعر السعودي المعاصر

– التعالق النصي –

كمال عبد الرحمن*

 

فرقد – ساعد الخميسي

يحتاج النص الإبداعي إلى زوايا نظر مختلفة، وإلى قراءات متعددة، تحاول أن تقبض على دلالاته، فالكتابة لا تحدث بشكل معزول أو فردي، ولكنها نتاج لتفاعل ممتد لعدد لا يحصى من النصوص المخزونة في ذات المبدع، يتمخض عنها جنين نشأ في ذهن الكاتب، يتولد عنه العمل الإبداعي الذي هو النص.

وقد تنبه الباحثون من خلال ممارساتهم الأدبية إلى حضور ذاكرة نصية يقوم عليها الأدب، كان أول من سجل مصطلح التناص (التعالق) ـ كما يحلو لكمال أبو ديب أن يسمّيه ـ هي الباحثة (جوليا كرستيفا)، التي عمّقت الميراث النظري الذي تركه (باختين) باستبدال مصطلح الحوارية بالتناص.

ولاشك أن التعالق النصي اليوم هو بمثابة أداة مفهومية بقدر ماهو علامة، رواق ايبستمولوجي يشير إلى موقف، وإلى حقل مرجعي، وإلى اختيار رهانات معينة، إن التناص تعالق بين النص والنصوص الأخرى، فالبحث يثري جانب مدى التعالق والتفاعل  بينهما ، وبتعبير آخر نوعية العلاقة التي تحققت بين النص والنصوص الأخرى، هذا ما تناوله غمر أوغان بقوله: “يمثل التناص تبادلًا، حوارًا، رباطًا، اتحادًا، تفاعلاً بين نصين أو عدة نصوص، ففي النص تلتقي عدة نصوص، تتصارع، يبطل أحدها الآخر، تتساكن، تلتحم، تتعانق، إذ ينجح في استيعابه للنصوص الأخرى ..، إنه إثبات، ونفي، وتركيب”.

ويقول(بارت): “نعلم الآن أن النص لا ينشأ عن رصف كلمات تولد معنى وحيدًا، معنى لاهوتيًا..؛إنما هو فضاء متعدد الأبعاد تتمازج فيه كتابات متعددة وتتعارض من غير أن يكون فيها ماهو أكثر أصالة من غيره، النص نسيج من الاقتباسات تنحدر من منابع متعددة”.

لاشك أن ثقافة المبدع/الشاعر ووعيه وخصوبة ذاكرته من أهم مرتكزات التعالق النصي في شعره، ونقرأ للشاعر أيمَن محمَّد الشمَّاسي في قصيدة (إلى سجانتي):

ماذا تُحَدِّثُ عَن خُطًا لكَ، …؟

لونُ الغبارِ جعلتَهُ قِدِّيسَا، .. !

الدَّربُ فِي قِطَعِ الغُبَارِ مبَعثَر

لَكِنَّ ديركَ أتعَبَ القِسِّيسَا،

(سَبعٌ عِجَافٌ) ؟! – يَا تُرَى ..

لَا تَعتَبَنَّ عَلَى الغُبَارِ .. فَوَجهُه، ..

من كَفِّ (دَاعِيَةٍ) رَفَا ناقوسَا، ..

ونقرأ للشاعر أحمد قرّان الزهراني في قصيدة (نسوة في المدينة): ديوانه(ديوان تفاصيل الفراغ): ص 33:

أرى قرويًا تشهى المدينة منذ أن عابثته أضوائها

فأحالته سبع سنابل

في كل سنبلة وجه أنثى

كثيرٌ نساء المدينة

يمكرن أكثر من غيرهنّ

يعاتبن أكثر من غيرهنّ

ويعشقن أكثر أكثر

يقول الشاعر شفيق العبادي:

رويداً رويداً

يجف بريق المغامر فينا

لندرك أنا

كبرنا على طلب المستحيل

لندرك أن الطريق الذي ما شتلناه بالرقص إلا

وشاطرنا فيه ناي الرحيل

فودع هريرة يا حادي الركب

ما في القصائد من مطر كي تبل الغليل

وفي قصيدة (ولقد همت به ..) من ديوان: (بين إثمي وارتكابك) للشاعر عادل خميس الزهراني نقرأ:

لا سيِّـدٌ في البابِ .. كلا لا أحــــدْ ..

لا سيِّـدٌ تخشينهُ ..

أو قائلٌ:

إن كان قُـدَّ قميصهُ دبراً ..

كذبتِ وكان خير الصادقينْ ..

كلا ولا: إني أخاف الله ربَّ العالمينْ ..

لا شيءَ .. قدْ ألقى بقاع الجبِّ عفَّتَـهُ

وأسْلَمكِ الجسـدْ ..

لا شيءَ ..فانتهكي سريرتهُ .. لعلّكِ تشبعينَ ..

ولا حســـدْ..

ونقرأ للشاعر حسين الجامع:

كنتَ تَطوي بهِ القِفارَ

مُجِدَّاً

إنّما السَيرُ في القفارِ .. عَصِيُّ

تَصهرُ الشمسُ جانِبَيهِ

نهارًا

ويُخيفُ الدُروبَ ليلٌ دَجِيٌّ

مُحرِمًا

ويقول الشاعر عبد المجيد الموسوي في قصيدته “شاعرٌ يقطفُ الدهشةَ من شجرِ المجاز”:

ألقَتْ عَليْكَ الأبْجَديِّةُ ثوبَها

فارْتَدَّ مِنْكَ الشِّعْرُ حتى ظَللَّك

وأتَتْ لكَ الفُصْحى تَضُجُّ أناقَةً

وتقولُ مُغْرَمَةً حبيبيَ (هَيْتَ لكْ)

مِنْ ” رَقْصَةِ العِرْفانِ ”  جادَ بكَ الهَوى

نَشْوانَ ” تَكْنِسُ كالحَمائِمِ ذا الحَلَكْ “. 

ونقرأ للشاعر محمد خضر في قصيدته(لوحة من خيوط الصوف) من ديوان(منذ أول تفاحة):

أوديسيس بحثَ عن الصوفِ الذهبي

في جزرِ الأساطير و النار و التمائم

كشرط واقعي ليكون نبيلا و رجلا

أوديسيس قال لبينلوبي ــ زوجته التي بقيت هناك تنتظر

سأعود يا حبيبتي ذات يومُ

تركت له العهد و الميثاق

و كومة من الأختناق الأنثوي

بينلوبي التي قضت عمرا من الانتظار التي قضت عمراً

تفكر كثيراً 

في غياب زوجها الجاد

في ابنها الذي كبر

وكبرت أسئلته عنها خصوصاً 

بينلوبي لم تكن تحسب الأيام جيداً 

 

ونقرأ للشاعر صالح الهنيدي  في قصيدته (ظل المسافة):

قــد عــاد أبـرهـة الأخـيـر بـجيشه

لـيـهدّ قـلـبي مــا اسـتـطاع سـبيلا

وأنــا (أبـابـيلي) اسـتـحالت بـلبلاً

لــم تــرمِ مـن فـرطِ الـكرامة فـيلا

والـوقت غـادره الـمكان فـلم يـعد

يـمضي عـلى عـرف الـمسافة ميلا

ويقول الشاعر حسن عبده صميلي في ديوانه (نزهة في فناء الشك) ص5:

آدمٌ

يستوي على عرش بعث 

يا آدمي : لا نجاة

والرحى اذ تدور

في ظمأ البئر

قد تماهت

على يديها الجهات

إن القصيدة تحاول أن تطرح فلسفتها عبر شعرية الحدث، وتبئير مدلوله، بمخاطبة وجدانية تدخل عمق القارئ بأسلوب يميل إلى استخلاص الأمثال، والحكمة، والتأمل عبر ما يسمى ب(فلسفة الإغتراب)، وأولى مظاهر الإغتراب في القصيدة تتمثل في تحوير الأحداث، والتلاعب بها ذهنياً، لتصبح تأملية منفتحة، تتخذ مرجعية من بعض الاقتباسات والتضمينات الإشارية إلى القصص القرآني العظيم الحكيم؛ كقصة نبي الله يوسف – عليه السلام -، والأحداث المعجزة التي شهدتها الشخصية مع بقية المكون القصصي، استدعى الشعراء إضاءات تلك القصص، وتوظيفها عبر نصوصهم لتكتسب تأثيريتها المنشودة.

وقد عمد الشعراء إلى التدليل على ذلك بوضوح عبر بعض الدوال التناصية المعبرة بحذافيرها عن تشابك الأحداث، وتعاقد خيوطها، تدريجياً، للوصول إلى العقدة، ومن ثم تليها الحل، وهي نبذ الخيانة، والمكر، والخداع والحسد، الذي دلل عليه بأحداث القصة على حقيقتها، إن هذه الدلائل والإشارات لتحقق فعل الإضافة جوانب التاثيرية، وتحريكها للأحداث باستبصار وتأمل وروية في مآل الأحداث، ودوالها المؤسسة على المثير المثري بجمعه بين ما يرتئيه الشعراء في الشخصية هناك، وبين ما تصبح عليها في نصه بما يكشف عنه  مدلوله النصي العميق.

ويمكن ايضاح المسالك التعالقية لنصوص الشعراء في سورة يوسف عبر الأحداث الآتية:

** تآمر أخوة يوسف

** القاؤه في البئر

** براءة الذئب

**  محنة يوسف مع زليخة ودخوله السجن

** تعبير يوسف للرؤيا

** قميص يوسف

هذه أهم الوقائع التي شغلت الشعراء وحفزتهم إلى التقاطع خاصة مع نصوصهم الشعرية، مع ماجاء به القصص القرآني.

وشعراؤنا هنا أيضًا وظفوا بعض هذه الأحداث في قصائدهم، كما فعل الشعراء (أيمَن محمَّد الشمَّاسي) في (سَبعٌ عِجَافٌ) و(أحمد قرّان الزهراني) في (سبع سنابل، في كل سنبلة وجه أنثى) و(عادل خميس الزهراني) في (لا سيِّـدٌ في البابِ .. كلا لا أحــــدْ ..

لا سيِّـدٌ تخشينهُ ..

أو قائلٌ:

إن كان قُـدَّ قميصهُ دبرًا ..

كذبتِ وكان خير الصادقينْ ..)

ويقول الشاعر عبد المجيد الموسوي: وتقولُ مُغْرَمَةً حبيبيَ (هَيْتَ لكْ)

وفي الوقت الذي نرى فيه شعراءنا قد حاولوا إغناء نصوصهم بالتعالق مع نص قرآني واحد، نجد شعراء آخرين قد تناولوا هذه النصوص المقدسة بأحداث و وقائع أخرى، مثل صالح الهنيدي الذي يتناول حادثة (أبرهة الحبشي) لهدم الكعبة كما ورد في سورة (الفيل):

 

إلى هنا مع التعالق النصي القرآني نتوقف، وسنناقش تعالق نصوص شعرية لشعراء وظفوا وقائع أخرى حقيقية و أسطورية، فقد تعالقت قصيدة الشاعر شفيق العبادي:

(فودع هريرة يا حادي الركب

ما في القصائد من مطر كي تبل الغليل)

مع قصيدة الأعشى:

وَدِّع هُرَيرَةَ إِنَّ الرَكبَ مُرتَحِل  ـــ  وَهَل تُطيقُ وَداعاً أَيُّها الرَجُل

بينما تعالقت قصيدة الشاعر محمد خضر مع أسطورة أوديسيس حين ( قال لبينلوبي ــ زوجته التي بقيت هناك تنتظر

سأعود يا حبيبتي ذات يوم)

رحلة عجائبية قائم بها أوديسيس ( أو يولسيس) بعد اشتراكه بحرب طروادة، لتعاني زوجته في غيابه معاناة مشهورة انتهت بعودته وانتصاره على أعدائه

لا شك أن التناص في القصيدة حاجة لإشباع رغبات النص، وتختلف هذه الرغبات من قصيدة إلى أخرى، وقد تحتاج القصيدة إلى ذاكرة نصية مزجية بالأسطورة، وغير ذلك من أغراض النصوص وما يكتنفها من خطابات.

التعالق النصي في قصائد الشعراء السعوديين، تجربة مسؤولة، وعميقة، توظف الجدية مشروعًا لها، وهي تحلل الوقائع الإنسانية وتطرح البدائل و الحلول المؤثرة.

 

* ناقد من العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *