الظفيري يناضل من غرب الأرض

محمد بن زعير*

اقتربت منه أكثر في سنته الأخيرة، امتدت صداقتنا الرائعة بمداد الأخوة ومرآة الصدق والإثراء الثقافي نحو أربع سنوات. ما أصعب الوداع بلا ميعاد. ودعنا الأديب الناقد محمد مهاوش الظفيري (رحمه الله) صاحب الأخلاق الدمثة، والتصرفات اللبقة، ذو التعامل الإنساني مع أهله وجماعته وأصدقائه وكل الناس.

بعد كفاحه الطويل في مواجهة مرضه الشرس إلى رمق النهاية في غربته بمدينة (ليون) الفرنسية، وعلى ما أصاب جسده من ضعف وألم، مع ذلك كانت نفسه صلبة بالإيمان معجونة بالأمل، عقله نشيط في التفكير الإنتاجي، والتحليل النقدي والكتابة الإبداعية الشعرية. خيرها المشاركة في قصيدة عصماء دفاعا عن نبينا (صلى الله عليه وسلم) بنشر فضائله بعد حادثة نشر الرسومات المسيئة لمقامه الشريف.

منها:

“والنبي الكريم يدعو البرايا 

بثبات لا يعتريه التصرم 

فإليه القلوب رفت ورقت 

وعليه الإله صلى وسلم 

كان طودا كما الجبال عظيما 

وحساما ما كان يوما مثلم 

وجهه مشرق سلاما وعدلا 

رغم جور الطغاة لم يتبرم”

دنوت منه مؤخرا لمتابعة ما كُلفت وشرفت به في مراسلة دور النشر وفحص عروضها في إصدار دراسته في مرحلة الماجستير عن الشاعر محمد الثبيتي (رحمه الله) بعنوان “الأحلام والعنقاء” والفضل لله أنجزت وطبعت وسَعُدَ بها.

وهي من أجود الكتب النقدية التي اطلعت عليها؛ رصانة كلماتها النقدية وأناقتها المعرفية، تأويلها العميق لأبيات الثبيتي، فك رموزه المركبة، عبر مقاربته التفكيكية من خلال دراسته لأشكال التناص عند الشاعر محمد الثبيتي رحمه الله، مقرباً تجربة الثبيتي ومفسراً إياها للقارئ بلغة نقدية وعلمية كاشفة وبسيطة.

أبيات الظفيري (رحمه الله) في حنينه إلى الوطن.

“يا رَوْنُ يا نَهْرَ فَرَنْسا الذي 

ماؤكَ عِنْدي مِلْؤهُ الطّينُ 

أَنا مِنَ الصَّحْراءِ يا غادِرٌ 

لا الرَّوْنُ أَحْتاجُ ولا السُّونُ 

أَحِنُّ لِلبيدِ التي فَوْقَها 

كم لَعِبَتْ في أرْضِها الْعِينُ 

أَشْتاقُ للصَّحْراءِ لا أَبْتَغي 

بَديلَها مَهْما طَغى الْبَّوْنُ”

فرحنا بعودته إلى أرض الوطن مع غصة كانت تملؤ قلوبنا لمعرفة مصيره المحتوم، اجتمعنا معه والأصدقاء الأدباء بالرياض في آخر أمسية ثقافية أدبية يحضرها _رحمه الله_ لإطلاق آخر أعماله “الأحلام والعنقاء” ومناقشته، كان حواراً ثرياً، أجاب فيه رحمه الله عن مداخلات وآراء المشاركين في الأمسية بكل ما يكتنزه من ثقافة نقدية رفيعة، ثم وقع إهداءه الأخير لهذه الحياة على صفحات كتابه الأخير .. القراءات والمقالات الرصينة التي نشرت لاحقاً عن الأمسية والكتاب، أبهجت روحه التي كانت تستعد لسفرها الأخير، ولم ينس أن يجزي الشكر لأصاحبها تقديراً ولطفاً. وبرحيله فقدت الساحة الأدبية والثقافية السعودية مثقفاً واسع المعرفة، وشاعراً مبدعاً وناقداً حصيفاً، وأديباً رفيعاً، وفقد الشعر الشعبي دارساً رصيناً.

صدر للفقيد الظفيري عدد من الدراسات نقدية، ودواوين الشعر (فصيح، نبطي، مسرحي) وأبحاث تاريخية أدبية، ومقالات دورية، وحوارات صحفية) وهي:

  • إضاءات على قصائد شعبية.
  • الشعر رجل والقصيدة امرأة.
  • ثورة القصيدة الشعبية.
  • غناء العابرين. مسرحية شعرية (شعر شعبي).
  • ديوان سند الحشار-دراسة وشرح وتعليق.
  • قصائد ومقامات.
  • خلف أبو زويد حكيم شمر وشاعرها. دراسة وتحقيق.
  • ديوان شعراء الظفير.
  • صورة الرجل في الشعر المرأة.
  • الصورة الشعرية في القصيدة النبطية. دراسة موضوعية وصفية تطبيقة.
  • شويلمت وسليمان الحكيم. مسرحية شعرية (شعر فصيح).
  • خواطر حيرى (ديوان شعر فصيح).
  • الأحلام والعنقاء. دراسة لجماليات تجربة محمد الثبيتي.

يتضح أعلاه تنوع الرصيد الأدبي والنقدي والشعري الذي أسهم به الظفيري في إغناء المشهد الثقافي الأدبي العربي والخليجي والوطني والشعبي. وأنغام القوافي والصور الفنية وجمعه شتات أرث شخصيات أدبية. وإسهامه في دعم النصوص الإبداعية الشبابية بتسليط الضوء عليها نقدياً وفتح نوافذ نشر المقالات المفيدة.

لا يخفى عليكم أهمية الأدب منها:

“وصفه للواقع والإضافة إليه، أي تجاوزه التحليل إلى القيمة المضافة، من خلال تقديمه نماذج من آليات التفكير، والأدب يوفر للفرد فرصة التعرف على العالم خارج إطار ذاته، ومحاكمة الأشياء، من خلال منظوره وفهمه الغني للحياة. يقدم المتعة العميقة التي تتمثل على الصعيدين المعنوي والروحي.”

المصدر الأدب ثراء الحياة.

الأدب الشعبي الذي من خصائصه حسب مقالة أ.د كامل صالح بعنوان “فعالية الأدب الشعبي وحركيته”:

“-الشفوية: يتداول في السياق الشفوي.

-الانتشار والتداول.

-التعبير عن الوجدان الجماعي”

تتوفر في أعمال الظفيري (رحمه الله) الجدية البحثية، الدقة العلمية، الشمولية ومقاربة الجوانب المتعددة.

استعرت في رثائه قول الشاعر:

” لقد أبكرت يا رجل الرجال

وأسرجت المنون بلا سؤال

فأججت الأسى في كل قلب

وجارحة وما أبقيت سالي

نعى الناعي فروّعنا جميعاً

وجاز الجرح حد الاحتمال

هل الأيام تغدر في أديب

سما فوق المصالح لا يمالي

خسرنا الحلم والخلق المزكّى

خسرنا هيبة الرجل المثالي

فلم أتوقع المأساة أصلاً “

ختمت مسيرته، وطويت صفحته في الدينا، لكنها مستمرة في العلم النافع من تركته والأبناء الصالحين. في يوم السبت 16-1-2021 م نُعي خبر وفاته، تأثر المقربين وضجت مواقع التواصل الاجتماعي، تفاعلت معه بالدعوات الصادقة له بالمغفرة ورفعة الدرجات على ما ألّمَ به، وعلى صبره واحتسابه، اسأل الله له الفردوس الأعلى.

*كاتب سعودي

حساب تويتر: M_BinZoair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *