استسهال الشعر

بقلم: حاتم الجديبا*

 

الشعر كائن خصب عذب، عصيّ عن الإحاطة بجماله، فلا حدّ لروعته، ولا سور لدهشته.
والشعر كالطائر الغِرِّيدِ المطرب بأحلى تراتيل الكلمات، والصادح بألذِّ العبارات، والفاتن بألطف الهمسات.

والشعر – في الحقيقة – صعب التعريف، مهما قيل عنه من تعريفات قديمة وحديثة، وما تلك إلا محاولات أدبية لعلَّها تنجح في تعريفه ومعرفة مَاهِيَّته؛ من باب محاولة تأطيره ووضع تعريف له، قياسًا على الفنون الأدبية الأخرى.

ولا يعرف قيمة الشعر – أيُّها القارئ الحصيف – إلا أصحاب المواهب الخلَّاقة المبدعة، والتي تعطي الشِّعْرَ قدره ومكانته الذهبية المستحقة له، كتاجٍ يتلألأ في سماء الفنون الأدبية.
وهؤلاء هم من أخذوا الشعر بقوة، وتناولوه بِحَقِّهِ، فيكتبونه بسحرٍ جماليٍّ أَخَّاذٍ، يمسك بتلابيب الأذواق، ويدغدغ المشاعر بروعته، ويسلِّي الخاطر المكدود بأريحيَّته.

وفي الجهة الشعرية الأخرى، هناك فئة لا تدري ما هو الشعر أصلًا، ولا تعرف كيفيّة التعامل الحسن الرقيق معه؛ وذلك بإعطائه من جماليّات اللغة المبدعة وأسرارها الكنوزَ التي ترسمه بريشةٍ ممتدّةٍ بالسموِّ الإبداعيِّ.
تلك الفئة تكتب الشعر كيفما اتَّفَقَ، وكيفما أتى على بالها؛ فهم – أساسًا – يسكنون في قوقعةٍ ضعيفةٍ من اللغة والجمال والإبداع.
ويأتي شعر هؤلاء القوم جامدًا ثقيلًا، ترى فيه عِوَجًا وأَمْتًا، ولا تجد فيه روحًا يحلّق في فضاءات الروعة، ولا شعاعًا يطير حرًّا في مساراتٍ مليئة باللغة العذبة، وبالصورة الشعرية الممتلئة جمالًا وإحساسًا عطريًّا فريدًا.
وأرى أنَّ كثيرًا من تلك القصائد التي تُنسج على هذا المنوال الضعيف ما هي إلا أحاديث مجالس عاديَّةٍ، أو ما نسمِّيه بلهجاتنا العاميَّةِ “سواليف مجالس”؛ بمعنى أنَّ تلك الأحاديث تُصَبُّ في قالبٍ شعريٍّ شكليٍّ، محكوم بالوزن والقافية، أو محكوم بالوزن فقط، أو في قالب بلا حدود، مطلوق سراحه، عبر قصائد نثرية باهتة، متناثرة هنا وهناك.
إنَّ تلك القصائد التي تَقَدَّمَ وصفها بأنَّها أحاديث مجالس عاديَّةٍ، هي قصائد رديئة النسج، لا تقترب من اللغة الشاعرية قيد أنملة، بل ربما أنها لم تسمع ذات يوم باللغة الشاعرية التي تلتصق بالقصيدة الحقيقية، فترافقها في رحلة جماليَّة تصويريّة حتى تنتهي القصيدة، أو لِنَقُلْ حتى ينتهي الشاعرُ من كتابتها.

وقد جاء في كتاب: «عيون الأخبار»، لابن قتيبة، أنَّ رجلًا أنشد صاحبه شعرًا، فقال لصاحبه: كيف تراه؟ فقال له: سُكَّر لا حلاوة له.
ونحن نعرف بالذوق أنَّ السُّكَّرَ حلو المذاق، وما نعهده غير ذلك إطلاقًا.
وكأنِّي بتلك الإجابة تُظهر جمالها الذي يفوق تلك القصيدة التي سمعها ذلك الرجل، كما يبدو، فقال من غيظٍ واشمئزازٍ إجابته تلك التي تصلح أن تكون مثلًا يُروى لكلِّ شاعرٍ ومتذوِّقٍ، وإجابةً معتمدةً لأمثال ذلك الرجل في كلِّ عصر. وتلك إجابة مستحقة لمن يقول رديء الشعر، ولمن يتطاول برداءة نسجه الشعريِّ.

كاتب وشاعر سعودي*

4 thoughts on “استسهال الشعر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *