لغز الأميرة التي لا تنام


نجود عبد القادر*

يحكى أن أميرة عاشت في مملكة كبيرة غنية مترامية الأطراف. كانت الأميرة جميلة رقيقة متواضعة، يحبها كل من عرفها لحسن أخلاقها ورحمتها، إلا أن الأميرة لم تكن سعيدة. فمنذ ثلاث سنوات لم تنم أكثر من أربع ساعات في اليوم! وحتى هذه الساعات ليست متواصلة! بل كل ساعة عشر دقائق فقط! وهذا الأرق جعلها متوترة مريضة، سريعة الغضب حزينة مكتئبة، تحيط بعينيها الهالات السوداء!

وصارت تنام ليلها ونهارها على كرسي بدل السرير، لأنها لن تلبث أن تستيقظ، ولم تنجز عملا ولا مارست هواية، 50 دقيقة لم تسعفها لفعل شيء!

جال الحراس المملكة طولا وعرضا يستشيرون الأطباء ويبحثون عن الدواء ولا فائدة!

وفي يوم من الأيام؛ كانت الأميرة تجلس حزينة باكية في حديقة القصر الجميلة، فاقتربت منها إحدى المربيات الكبيرات في السن تواسيها، واستأذنت بالجلوس إلى قربها.

قالت الأميرة باكية: تعبت يا مربيتي، جسمي يضج مرهق، وأفكاري مشوشة! طوال الوقت أشعر بالنعاس، ولا أركز في شيء أبدا، تعبت يا مربيتي تعبت! وأخذت  تبكي بحرقة.

-اسمعي يا ابنتي، أظن أنني أعرف شيئا عن مشكلتك!

– حقا كيف لم تقولي من قبل؟

– كنت قد نسيت الأمر تماما، وحزنك ذكرني به!

– ما الذي تعرفينه؟

– عندما وُلِدْتِ، جاءت الوفود إلى والديك تهنؤهما بميلادك محملين بالهدايا والدعوات، ومن بين الوفود جاءت عجوز وقورة تبدو سيدة مقدرة في أهلها، تمشي على عكازها، ومعها ولد صغير، فقالت: أيها الملك إن جندك يأخذون من محصولي عشره كل سنة وإني شكوتهم لحاكم مدينتنا فلم ينصفني فجئت أشكو إليك.

فغضب والدك وقال لها: هل هذا وقته؟ الناس جاءت بالهدايا والدعوات، وأنت جئت بالشكوى والطلبات؟

فرفعت إليه عينيها مقهورة وقالت:

– عندي لها دعوة: اللهم اعطها عشر على ستين في أربع وعشرين بعد خمسة عشر.

ومضت ووالدك يقول:

-حتى دعوتها غريبة عجيبة مثلها ولم يفهم أحد دعوتها لكنها كتبت في كتاب الدعوات!

أخذت الأميرة تفكر ثم سألت:

-وماذا يعني هذا يا مربيتي؟

– أظنها كانت تعني عشر دقائق تنامينها من كل 60 دقيقة في اليوم أي في 24 ساعة ولم يحدث ذلك معك إلا منذ ثلاث سنوات أي منذ بلغت الخامسة عشر!

عجبت الأميرة لذكاء مربيتها وأخذت تفكر ثم قالت:

-اذا كانت الدعوة معناها كما قلت حقا فالحل عند تلك العجوز هي فقط لديها علاجي

-هذا إذا كانت حية

– لا تقولي هذا

– كانت وقتها عجوزا طاعنة فكيف ستكون اليوم بعد 18 عشر عاما؟ ومن يعرف مكانها؟

– سنبحث في كل البلاد عنها

وانطلق الجنود في كل مكان، شهورا وهم يبحثون ولم يجدوا أثرا للعجوز، ولا أحدا يعرفها أو سمع بها

ساعتها قرر الملك طرح  مسابقة لحل اللغز فمشى المعلنون في الأمصار حاملين اللغز ومعلنين أن من يحله له جائزة ضخمة

وسار المتحدثون باللغز الصعب

عشر على ستين في أربع وعشرين بعد خمسة عشر، من يعرفه يا بشر؟

أغلب الناس قالوا ما لنا وللحساب

بعض الناس حسبوها فقالوا: الإجابة واضحة، إنها 19!

ولم تكن هذه هي الإجابة الصحيحة!

وانتظرت الأميرة الإجابة بفارغ صبر، ولم يستطع أحد أن يجيب، ولو إجابة قريبة! وبعد أن جعل الأمل صحة الأميرة تنتعش؛ عادت إلى المرض أكثر بعد فشل كل المساعي.

وفي أحد الأيام؛ استيقظت الأميرة تقصُّ حلما، فقالت: رأيت فلاحا يحرث أرضه، ثم أخرج لي الدواء من الأرض وشفيت!

قَالَ من حولها: أضغاث أحلام. لكن الحلم صار يتكرر كلما نامت. فقرر والدها الملك أن يبحث في حلمها. بعث الجنود يبحثون عن من يحل اللغز من بين الفلاحين، وعرضوا اللغز على كل فلاح أو مزارع، وطال سؤالهم، وتعددت رحلاتهم، يعودون منها بالخيبة!

وفي ركن بعيد من المملكة؛ اقترب الجند من فلاح شاب، قوي البنية، أسمر الساعدين، يطفح من وجهه البشر والعافية.

ناداه الجند، ولما اقترب قالوا له: عندنا لغز ولك جائزة إن حللته، قال: هاتوا ما عندكم.

-عشر على ستين في أربع وعشرين بعد خمسة عشر؟

ابتسم الفلاح وقال: تأخرتم كثيراً ، لَقَدْ ماتت صاحبة اللغر، وأوصتني أن لا أعطي الحل إلا لصاحب السؤال إذا جاء يسأل. تعجب الجند وقالوا: ومن صاحبه؟ قال الفلاح: جوهرة عند الملك، ولا أجيب إلا الملك وجوهرته. فأخذه الجند إلى الأميرة و الملك فقال: هذا السؤال عمره قد طال، وإجابته سهلة وليست محال، عشر دقائق تنامها الأميرة من كل ساعة في اليوم، بعد أن تبلغ الخامسة عشر من العمر.

فرحت الأميرة وقالت: من أين تعرف الإجابة؟

قَالَ الفلاح: عجوز ماتت بحسرتها، وأنا سليل مودتها.

-أنت حفيدها؟ إذن أنت تعرف علاجي!

-إذا رفع الظلم عاد السلم!

  قالت الأميرة: لم افهم!

أما الملك فقال: أنا فهمت، وأمر الجنود في نفس اللحظة، أن يعيدوا لحفيد العجوز كل ما أخذ منها، ويحققوا لها العدل ولو بعد مماتها. فأعادوا كل ما أخذ منها إلى حفيدها، الذي اشترط قبول ما يرد له برد مظالم جميع الناس معه. فما كان من الملك إلا أن أجاب بغية شفاء الأميرة. والعجيب أن الأميرة صار يتحسن نومها يوما بعد يوم، حتى إذا ردت المظالم كلها؛ عادت لها عافيتها، وصارت تنام وتصحو بشكل طبيعي.

استدعى الملك الفلاح، وأثنى على رجاحة عقله، وجرأته في قول الحق، وحبه الخير لغيره، وعرض عليه الزواج من الأميرة، بعد أن استشارها ووافقت.

لكن الفلاح اعتذر وقال: أنا أحب الأرض، وأعشق حقلي ونباتاته، ولا أستطيع أن أتركها.

فقالت الأميرة: وأنا أريد أن أمضي معك إلى أرضك، أعيش حياة البساطة في صحبة الطبيعة.

فوافق، وتزوجا في حفل بهيج، وزع فيه الطعام على الفقراء، واحتفل العروسان بزفافهما مع الناس، ثم تركا القصر وعاشا في بيت المزرعة الوديع، وسط الحقول، حياة بسيطة هادئة. وبارك الله في حياتهما ورزقهما البنين والبنات.

وبعد عشر سنوات؛ مات الملك، فأخذ الفلاح والأميرة مكانه في الحكم، فحكما بالعدل، فساد في مملكتهما الخير والسلام.



*كاتبة وأديبة _ الأردن

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: