أناشيد الديجيتال تقصي أهازيج الأمهات

 

فاطمة بنت عبدالله الدوسري*

أناشيد الأطفال، محورٍ مهمٍّ من محاور ثقافة الطفل، تقع على عاتقها مسؤولية الإسهام في تربية الطفل وبناء القيم لديه؛ باعتبارها مادة ثقافية تربوية توَظف لتؤدي دوراً فاعلاً في بناء النظام القيمي عند الطفل، وبما يحقق ترشيد سلوكه ودفعه للسير في الدرب الصحيح، في الماضي كانت الأم هي من يهتم في البدايات وتنمية العلاقة الروحية بينها وبين طفلها.. :
لا إله إلا الله
ومحمد رسول الله
أو
لا إله الا الله منشورة
ترد بليس وعثوره..
من أهازيج “الهدهدة” التي كانت تهمس بها الأمهات في أذن طفلها استدراج للنوم، ربما كنا ذلك الجيل فما زلنا نرددها في أنفسنا ونستدعى صوت الأم لنسترخي أو حتى لننام بعد وعكة يوم مضني.
هذه المقدمة الاستهلالية لموضوع مهم ومؤثر في حياة الطفل يجب أن يحظى بدراسة أو بحث يبرز لنا حدود التأثير على أجيالنا الصغيرة والحرمان من هدهدة الأم وعدم الحصول على هذا الغذاء الروحي والاكتفاء بما يسمعه من أناشيد الديجيتال الموسومة بالضجيج والخيال مع خلوها من المحتوى القيمي المناسب لبيئتنا وقيمنا العقدية.
  تعتبر الأناشيد والتنغيم من أهم الفنون التي يستجيب لها الطفل في فترة مبكرة من حياته لأنها تساعده على سرعة الحفظ، كما تشجع النغمات الإيقاعية الطفل المتلعثم في الكلام أثناء الأناشيد، ويميل الأطفال إلى التنغيم والإيقاع ويمتلكون ميلاً فطرياً لذلك.
والأهم أنها تملأ فراغ روحي وتُشعر الطفل بالفرح والاكتفاء النفسي، حتى أنه أحيانًا يردد بينه وبين نفسه هذه الأهازيج والأناشيد ويصفق، وهذا الترديد كفيل بترسيخ المعنى والمفهوم داخل هذه الأهزوجة أو النشيد.
ربما كان وعي جداتنا وأمهاتنا بالأهمية لهذه الأنشودة أكبر، فالمتأمل في الأهازيج التي كن يرددنها على أسماع أطفالهن يعرف تلك القيم التي يحاولن ترسيخها في أذهان الصغار..ولعلي أدرج بعض النماذج التي استدعيتها من الذاكرة..
ففي الأهزوجة التي ذكرتها أعلاه غرس لمبادئ الدين.
وهذه الأهزوجة تقال للأولاد
(…فلان) ياحبيب أمه      
يشيل الهيل في كمه
يقهوي به بني عمه
غرس لقيمة الكرم 
وهذه الأهزوجة مشتركة
ريحك ريح التفاح    
وريح المسك لا فاح
وريح الجنة الخضراء
لا هبت بالأرواح 

الكلمات تفسر معانيها..
وهذه تقال للفتيات
(..فلانه) دللوها
وعلى الأشقر ركبوها
ولمكة ودوها
كلمات معبرة ومعان مفهومة بسيطة
وهذه الأهزوجة..
صباح الخير والخيرة
يصبح ذا الزنيفيرة
صبحك من ربحك
صبحك بتينة..
تفاؤل واستهلال يوم الطفل بالفرح..
وغالبًا يصاحب هذه الأهازيج لحن رقيق يزفه التصفيق حتى ينتشي الطفل ويتماهى معه باهتزازات راقصة وضحكات متبادلة مع الأم غالبًا.
فأناشيد الأطفال يجب أن تكون صادقة في التعبير عن مشاعر الأطفال وحاجاتهم ؛فضلاً عن تحسس الكبار لحاجات أطفالهم، ومحاولة فهم نفسياتهم حتى تلامس واقع الطفل وتحاكي حاجاته وقدراته ورغباته، فالصورة الواقعية تظل أقرب إلى عالمه وأقدر على التأثير فيه من الصورة الخيالية إذا ما كانت مستمدة من بيئته وأسرته ومجتمعه، فقلب الطفل لا يقبل أن يتعلق بأشياء لا أصل لها، فهو يستحضر الواقع بالخيال ويظل الواقع السبيل القوي لتحقيق تطلعات الطفولة وأحلامها.
ومع تطور الحياة وانزياح الأم عن دورها بشكل أو بآخر أمام مسؤوليات الحياة ومتطلباتها، وخوض بعض الأمهات تجربة العمل الذي يقتطع جزءاً من وقتها، ويستنزف الكثير من جهدها مما أثر بصورة مباشرة على العلاقة الحميمية بينها وبين طفلها وإن حاولت المقاربة..
أهزوجة من فم الأم أقرب إلى قلب الطفل مما يسمعه أو يشاهده في التلفاز ، وعالم الألعاب المخيف الذي أُلقي الطفل في لجته بلا حول ولا قوة حتى بدأ ينسجم معه ويتماهي به، عالم الديجيتال الساحر يفرغ محتوى ويسكب محتويات أخرى ربما هي سبب هذا الفرط في النشاط الزائد لدى أطفال اليوم.. ،أناشيد الديجيتال التي تأتي من بيئة ليست لنا، ولا نعرف مضامينها، تجعلنا نتطلع من المهتمين بأدب الطفل إلى  وقفة شجاعة لتحديث هذا التراث القيم وإلباسه ثوب العصرية، لنعيد البناء النفسي للطفل وارتباطه بهويته وقيمه، فالفارق شاسع بين

دوها يا دوها..والكعبة بنوها … وبين بابا فش”

 

*كاتبة قصصية

ناشطة في مجال الأسرة والطفل

‏‫‪@RuralGirl2011

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: