سجائر العزلة (قراءة في قطع سلمان السليماني السردية) 

د. سامي جريدي*

يأخذنا القاص والناقد سلمان السليماني في عمله الأخير (أشياء العزلة) الصادر عن نادي الطائف الأدبي الثقافي ومؤسسة الانتشار العربي في عام 2020م، إلى سرد اليومي والمهمش، ممارساً تهميشه للمصطلح المتعارف عليه للأجناس الأدبية من خلال رفضه للسائد ليجيء بنوع وشكل سردي جديد، آثر أن يطلق عليه و يجنسنه بـ (قطع سردية).

ما المقصود بالقطع السردية؟ وهل هي  فاتحة لجنس أدبي جديد؟
أربعون قطعة، تضمنها عمله السردي، تمثل في حقيقتها أربعين نصاً لمجموعة من الأجناس والأنواع السردية التي تتأرجح وتدور حولها، فهي أشبه بنص جامع لكل ذلك، تتضح من تقارب عمودها الفقري الذي يجعلها متتابعة ومتسلسلة، رغم اختلاف بعض قطعها السردية عن بعض، وهو ما تكشفه طبيعة لعبة الكاتب على الضمائر السردية.

ولهذا نجد في هذا العمل (أشياء العزلة) أجناسًا أدبية متنوعة ومتداخلة، يمكن اعتبارها يوميات، ومتواليات سردية، ومشاهد بصرية، وتأملات، وشذرات، وقصص قصيرة، وقصص قصيرة جداً، مما يدل على أن السارد يحاول أن يهرب من الوقوع في فخ التجنيس ليأخذ نصه بحرية إلى كتابة يراها تعبيرًا صادقًا عن ذاته، وزمنه الذي كُتبت فيه.

كما تدور هذه القطع السردية في أغلبها حول شخصية واحدة، تمثل حياة الشاب السعودي المثقف المنعزل قليلاً في عصر ما بعد الحداثة. فالشخصية الساردة تتشظى في فضاءات بصرية صغيرة، تعلق حواسها بمؤثرات داخلية تخرج قليلاً إلى رؤية الخارج دون أن تترك لها حرية الهيمنة، فهي تحاول أن تتشبث بمركزيتها كي لا تسيطر عليها عوالم الخارج وتسحقها. لتصبح على مستوى بناء الحدث شخصية ثابتة، شخصية منعزلة، شخصية ترى وتسمع وتتحرك في إطار بصري محدد، تنطلق من المقهى لتصل إلى الذات، ومن الذات إلى المقهى.

يقول: ” نسي الرجل المتعب غليونه، فأشفق عليه المقهى، والشارع، والحلوى، والمطر، و أحمر الشفاه، والرصيف، والشرطي، والقهوة، والعيون، والقلم، والسوق، والشوكة، وعود المثلجات، والسيجارة، واللون الأزرق، والحقيبة النسائية، والهواء البارد، والموسيقى …”. ص61.

فمن خلال هذا الكم الهائل لهذه البنيات الصغرى والفضاءات البصرية المتنوعة، المزدحمة، يجيء النسيان تعبيراً عن الذات المتشظية أمام المتغيّرات، والتحولات المتسارعة في زمن التناقضات.

يمثل المقهى بطولة سردية عند كثير من المثقفين وكتّاب السرد العرب المعاصرين، وهو كذلك في هذا العمل كمكان ثقافي له حضوره البطولي على أغلب مقاطعه وقطعه السردية، من ذلك على سبيل التمثيل:
” اسمع صوت… في المقهى المنتصب هناك” ص13، “أشم رائحة القهوة” ص15، القهوة الغالية البرجوازية  ص16-17، ” تشاركنا في كوب قهوة واحد” ص24، ” لهجتي كانت نادرة، لذلك أحرص على ارتياد المقاهي في أوقات غريبة” ص28، ” أتوقف وأنظر إلى القهوة المعدة بشكل دقيق” ص58، ترافق قهوتي حلوى اسبريسو ص60، “والقهوة مرة” ص71.

وبطولة المقهى في هذه القطع الأربعين تحضر معه القهوة بكل مواصفتها ورائحتها وروحها الصاخبة التي رسمها لها السارد، ليظهر المقهى في أغلبها ثابتاً لكنه متحرك بداخل كاتبه، حيث الصخب والضجيج وحركة الأشياء والأشخاص والألوان والروائح، صراع الكاتب مع تأملاته الشاردة، ومن ثم غوصه إلى عالمه الجواني حيث الروح الصوفية المختبئة في حركة كوب قهوة، وانطفاء سيجارة، وصوت امرأة عابرة.

كما تمثل السيجارة لدى السارد بطولة من نوع معيّن، فهي بمثابة بنية سردية لا يمكن تجاهلها، فهي رفيقة القهوة في بعض المواقف والمقاطع، وهي الزمن الذي تنقضي من خلاله تأملات الشخصية، لتصبح هي الغضب، والرفض، وهي الإحساس العميق للذات المتأملة.
” وأن رشفة قوية ستشعل سيجارة من تلقاء نفسها” ص15، ” نصف سيجارة مطفأة…”. ص26، ” يبحث عن السيجارة المطفأ…” ص27، “يشرب قهوته والسيجارة محشورة بين إصبعين” ص42، ” أطفأ السيجارة.. مازال دخانها في صدره” ص50.

ولهذا منح السارد عوالمه الذاتية فرصة الرفض التي من خلالها ظهرت بنية المقهى وبنية السيجارة رفض اتحاد الذات مع غيرها، ذات رافضة للمتغير السريع في مواجهة العالم الخارجي، فقد حاول أن يبطئه عمداً في الزمن، ليعيد مشاهده إلى القلب، قلب ينبض بالرؤية، والتداعيات، والتأملات الشاردة.

مع هذا الصخب والضجر الذي تعيشه الشخصية في المدينة إلا أن هناك متسعا للتأملات، وهو ما منحته الشخصية الساردة لذاتها، مثل تأملها لحركة الطيور: “سمعته يقول شيئاً، لم أتبين ما قاله، كنت قد فرغت من مراقبة الطاولة، وتفرغت لتأمل سرب الحمام الذي يحلق هناك”. ص13.

كما تأمل حركة ووجوه الأشخاص، مثل تأمله للشخص الغريب: ” يجلس أمامي، يضع رجلاً على الأخرى، يعطس…” ص15، وتأمله للسيدتين والشاب في القطعة الثالثة ” السيدتان النحيلتان” ص16-17، وتأملاته الأخرى للمقهى، والأجساد،  وكوب القهوة، والطاولة، وكأس الماء. وهذه التأملات وغيرها تمثل هروباً للشخصية من اللحظة إلى لحظة أخرى، وهذه اللحظة قد تكون عالقة، هناك في زمن آخر.

ولهذا فقد استطاع الكاتب سلمان السليماني أن يدوّن مشاهداته، ولحظاته، وتأملاته بلغة راقية، وبطريقة جعلت السرد يكمن في المشهد القصير، والوصف الموجز، والحركة السريعة، فهي أشبه بعرض سينمائي سريع في غرفة مظلمة يطل من خلالها على فضاء الداخل، حيث الذات المسكونة بضجر الحياة.

 

*ناقد وسارد سعودي

 

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: