طغيان النقد الأدبي

محمد حسن عواد*

يحار الكثيرون في تعليل ما يقرؤونه في صحفنا المحلية من كثرة الكتابة في النقد الأدبي ويسألون هل كل الكتاب ناقدون؟ وهل يستبد النقد بأفكار الكتاب وأقلامهم إلى درجة أنه يسد الطريق على غيره من الموضوعات الهامة التي يجب أن يعالجها الكتاب؟ و تحار جمهرة الأدباء نفسها في تعليل الدوافع الأساسية التي تفرض هذه الظاهرة وتدفع الكاتب إلى الهجوم على آثار غيره يخبط فيها ما شاءت ميوله وتصوراته باسم النقد.

وهو يفعل هذا في الوقت الذي يستغني فيه الأثر عن نقده وتشجيعه ولا يضيره ألا يلتفت إليه أمثال من كان في طبقته من الكتاب غير الحصفاء وغير المكينين، بل أنه ليكسب الأثر عندما يتجنب قراءته كاتب من هذا الطراز الركيك. والحل المعقول عندي لهذه العقدة النفسية هو أن يترك الرد من المنقود الذي لا يقتنع بصحة النقد لتموت في الناقد المهتلس نزعة الديماجوجية التي يرغب من ورائها الحصول على الشهرة ليس إلا بطريق التحكك بآثار الأدباء.

وقد هتف لي مرة أحد مراسلي الصحف في آلة تليفونية أن هذا الإهمال والغض يغريان بعض القراء بمجاراة الناقد المتهلس، فأجبته أن للقراء مدارك فيها ما يعلو على مدارك أولئك المتسرعين الذين لا يستحقون أكثر من لقب قراء عاديين، أو دون العاديين، والقارئ المدرك لا يبيع ذوقه وفهمه وحكمه سلعًا رخيصةً لقارئٍ عادي أو ينحط عن هذه الدرجة، لا قيمة لرأيه لاسيما إذا نقد القصة وهو غير قاص أو نقد الشعر وهو غير شاعر.

******

(كتاب من وحي الحياة العامة: مقالات وأحاديث أذيعت من راديو جدة)

*محمد حسن قاسم عوّاد (1902-1980)، أديب ومفكر من الحجاز، من رواد النهضة الأدبية والفكرية في السعودية، من مواليد مدينة جدة كان مدرساً في مدرسة الفلاح، وقد تتلمذ على يده عدد من الأدباء منهم أحمد قنديل و محمود عارف، ومحمد علي مغربي، و يعتبر مع خصمه الشاعر حمزة شحاتة رائدا الشعر الحداثي في السعودية. نشر أول كتاب نهضوي في تاريخ الجزيرة العربية تحت عنوان (خواطر مصرحة) عام 1926م، وكان بمثابة صرخة أخلاقية مدوّية، وأثار لغطاً لايزال صداه قائم إلى الآن.

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: