أدب الطفل.. بين التلقين و التقنين



إعداد_حصة بنت عبد العزيز

يعد أدب الطفل منبعاً يسهم في تشكيل ثقافة النشء منذ سنوات العمر الأولى وينعكس على مسيرة الأطفال من الجنسين في أمورهم الحياتية والدراسية والفكرية؛ ليشكل مشاهد من التعلم تسهم في صقل مواهب ومهارات الأطفال وتوجيههم للسير بخطوات واثقة على دروب المعرفة والثقافة، حيث يعتبر أدب الطفل وسيلة وأداة تساعد في النهوض بالمجتمع، لأن هذا الأدب يعد لبنة قوية في البناء الثقافي ودعم شخصية الطفل وتنمية فكره وإبداعه وإثراء مخيلته وعلينا أن نتخيل الآن كم من الجرائم ارتكبت بحق الطفل في ثقافتنا العربية على أيدي أولئك الذين يسمّون أنفسهم كتاباً للأطفال، وليس كل ما يكتب للأطفال موائم للمعايير العالمية والمقاييس الأدبية  لهذا الفن. فنحن ما زلنا بحاجة ماسة إلى كتاب متخصصين بنمو الطفل، يملكون المواصفات الضرورية للكتابة الإبداعية للفئة العمرية التي يتوجهون إليها.
قضيتنا لهذا العدد تدور حول هذه التساؤلات، ومن خلال المحاور التالية نستضيء بآراء نخبة من الأدباء والكتاب المتخصصين في أدب الطفل:
– أدب الطفل هل يبدو مشروعًا ثقافيًا ومعرفيًا يقودنا لخوض تجربة مع اللغة العربية إلى كتابة قصص أدبية يصعب تصنيفها إن كانت للأطفال، أو لغيرهم؟ كيف نترجم ذلك في واقع حياتنا اليومية ومعايشتنا للطفل؟

– ماهي المعايير والمنهجية الخاصة بكتابة أدب الطفل، وهل هناك حركة نقدية ورقابية توازي حركة الإنتاج والكتابة للطفل؟

– هل كل كاتب يستطيع أن يبحر بقلمه في عالم الطفل وهل واكب كتَّاب أدب الطفل في إنتاجهم قضايا العصر والعولمة والانفتاح الثقافي ؟

*أدب الطفل أدب طاهر

 

شارك معنا في قضيتنا الأستاذ: أحمد بنسعيد ـ كاتب للأطفال من المغرب _ قائلاً: إن أدب الطفل مشروع ثقافي تربوي تعليمي ومعرفي ضخم، وثقيل جدَا جدَا، إذ هو المصدر والمعين والثروة التي تمدّ وزارات التربية والتعليم العربية بالمادة الدسمة التي يرتشفها صغارنا المتمدرسون، وفي مختلف مراحل عمرهم. ثم هو ذلك الكمّ الهائل من المعرفة المرصوصة على رفوف المكتبات الورقية والرقمية، والتي تغذي العقول وتنمي المعارف، وتُمدّ مجموعة كبيرة من المظاهر الثقافية والمعرفية الأخرى كالرسوم المتحركة، وأناشيد الأطفال، ومسرح الأطفال، والبرامج الإعلامية الترفيهية والتثقيفية.

ثم إن أدب الطفل يعكس الطفل في مراحل ضعفه وحاجته لعالم الكبار، أدب شديد الحساسية ولا يحتمل الأخطاء مختلف الأخطاء؛ لغوية كانت أو تربوية أو معرفية، لذلك وجب أن ينتدب له نوع من الناس وصلوا لمرحلة عشقه، وذلك حتى يتحملوا كل الصعوبات ويتجاوزوا كل عقبات الطريق، ويبذلوا الغالي والنفيس لأجل التكوين في تواضع مستمر.

والعجيب أن التكوين في مجال أدب الطفل هو تكوين متعدد الواجهات، ومن هنا كانت الصعوبة التي تحدث عنها بعض كبار الكتّاب:

وبالإضافة إلى تحلي الكاتب بكل خلق حميد، وضربه المثال تربويًا في صدقه وأمانته وصفاء قلبه، وهذا من الصعب تحقيقه في عالم يعج بالمتناقضات وضرورة مخالطته لعالم الأطفال لمعرفتهم عن قرب؛ معرفة مستويات إدراكهم وتفكيرهم، واحتياجاتهم وعوالمهم ينبغي على الكاتب(ة) أن يحيط بمختلف العلوم والآداب والفنون القديمة والحديثة؛ وعلى رأسها علوم اللغة والبيان، علم النفس، علم التربية، كتب الأدب، كتب الأطفال القديم  منها والحديث والمستجدّ.

وأما أدب الطفل فيمكننا معرفته وتمييزه بسهولة عن أدب الكبار؛ لأنه يتميز بالبساطة، والعفوية، والدقة. وأغلب نصوصه مشكولة خاصة إذا كانت نصوصه مقدمة للطفولة المبكرة. ولعلّ كلّا منا يتذكّر في طفولته نماذج من الأدب الراقي الذي كان يصلنا في الكتب المدرسية والذي كتبه عمالقة الكتّاب العرب آنذاك، والتي لا تزال عالقة بأذهاننا إلى اليوم لسهولتها ودقتها ونجاحها الكبير في مخاطبتنا ونحن صغار.
وتحدث عن المعايير والمنهجية الخاصة بكتابة أدب الطفل والحركة نقدية ورقابية التي توازي حركة الإنتاج والكتابة للطفل بمنظوره الخاص حيث قال: نظرتي الخاصة ومعالم منهجيتي التي أعتمدها في الكتابة للطفل باعتبار أن الكتب في هذا المجال خاصة العربية عزيزة ونادرة إن لم أقل منعدمة، أسردها لسيادتكم في هذه النقاط (وإذا بارك الله سبحانه في الوقت والجهد أضع كتابًا مسهبًا في الموضوع):

أدب الطفل أدب طاهر من كل العفن الذي قد يوجد في عالم الكبار؛ طاهر من سوء الخلُق، طاهر من سوء الأدب، طاهر من سوء السلوك، ثم هو طاهر من كل النعرات والخلافات والقبليات، والعنف، طاهر من الرعب، و من الغش.

أدب الطفل أدب متدرّج. ينمو مع الطفل في مختلف مراحل عمره كما تنمو الشجرة، ليأكل العالم من ثمارها الطيبة حين تستوي وترسخ جذورها وينضج ثمرها.

أدب الطفل أدب سهل. أو ما يعرف في وسط المختصين بالسهل الممتنع، سهل في اللغة، وفي الأسلوب، والطرح، قريب من إدراكه.

واضح لا يشوبه أي غموض، ولا تقعّر، ولا رمزية مبالغ فيها، واضح الأصل وواضح الهدف واللغة والأسلوب.

أدب الطفل أدب متفائل. يخالف بذلك كلّ ما من شأنه الترعيب والترعيد والتخويف والتهويل.

أدب الطفل أدب علمي. يخالف بذلك كل ما من شأنه إعاقة المسار العلمي الواضح للإنسان في هذه الحياة وتسريب مفاهيم خرافية وغير عقلية.

أدب الطفل أدب ذكي. عارف بالتحديات، وعالم بالمنافسة، يعرف أين يقف، ويزن أهدافه. وله مخططات قريبة وبعيدة المدى.  

فيما يخص الشق الثاني من السؤال: هل هناك حركة نقدية ورقابية توازي حركة الإنتاج؟ أجيب عليه بكل عفوية وتلقائية، أنْ: نعم بكل تأكيد. ولكن هذه الرقابة تجاوزت المؤسسات التي طال انتظارنا لها، لحركة نقدية ورقابية عفوية أيضا يمكن أن نسميها (حركة نقدية رقابية شعبية). أتاحتها وسائل التواصل الاجتماعي بحيث أصبحنا نرى أن أي كتاب موجه للطفل خارج عن المعالم التي وضحتها سابقا في (المنهجية) يجد نقدًا شديدًا ولاذعًا ومكثفًا من المهتمين بالطفل والغيورين على نقاء وصفاء مستقبله من الآباء والأولياء والمعلمين والمربين والمؤسسات الكبرى، حتى أن دار النشر التي تصدره سرعان ما تسحبه من السوق. وهناك محاولات مشكورة في الاهتمام بتكوين الكاتب للأطفال كمجوعة (كيف تصبح كاتبًا للأطفال) و(أسبوع الكتابة للطفل) و(تدريبات في الكتابة للطفل) و(كاتب وكتاب للطفل)، وكلها تدعو لتطوير كفاءات ومواهب الكتابة للطفل “قبل أن تقع الفأس في الرأس” كما يُقال.  

وحول جوابه على التساؤل هل يستطيع الكاتب أن يبحر بقلمه في عالم الطفل، وهل واكب كتَّاب أدب الطفل في إنتاجهم قضايا العصر والعولمة والانفتاح الثقافي فقال:
نعم، ولا يتأهّل كلّ الكتّاب للكتابة لعالم وفيّ عالم الطفل، لأسباب كثيرة ومتشعبة جدًا، باعتراف الكتّاب أنفسهم، وإني أحيّي كلّ الكتّاب العمالقة الذين برعوا في الكتابة للكبار ولم يتجرّؤوا على الكتابة للأطفال، لعلمهم أنها تتطلب أدوات خاصة.

أدب الطفل كما أسلفت عالم شديد الطهارة بحيث لا يتحمّل أقل قدر من لوث مجتمع الكبار. المشكل هنا ليس في الإبحار الكتابيّ في عالم الطفل وامتلاك آلياته، فهذا أمر سهل جدا بالنسبة للكتّاب خاصة العباقرة منهم، لا يعقل أن نقول في حق كاتب حائز على جوائز عالمية للآداب أنه لا يمتلك خيالا، أو غير متمكن من لغة الأطفال. المشكل كل المشكل يتمثل في سؤال كبير هو: “من الذي يكتب للصغار؟” ينتظر كل كاتب تجرّأ على الكتابة في أدب الطفل مسارٌ تربوي سلوكي طويل، لكي يصير أفضل الناس سلوكا وخلُقا، إذ لا يُعقل أن يكتب الكاتب للطفل عن الصدق والأمانة والكرم والشجاعة والسلام والمحبة والتواضع، وهو في حياته ومحيطه وواقعه يخالف كل ذلك وهذا الأمر بالضبط لا يتحمّله الكثير من الناس لأن الطريق طويل جدًا جدًا.

وأما من رأى في نفسه الأهلية العلمية والتربوية لخوض غماره –وهم أقلية نادرة- فليفعل وليسرع لأن أطفالنا بحاجة ماسة له اليوم قبل الغد.

وأما الشق الثاني من السؤال وهو: هل واكب كتّاب أدب الطفل قضايا العصر، فالواقع والإحصائيات وما يصلنا من عناوين يثبت أن هناك خصاص كبير وضعف شديد. وعمومًا كمّ الكتابة الجيدة الموجهة للطفل قليل جدًا، وعدد من دور النشر تنشر الغث والسمين، وبعض الجوائز تعطى لأعمال هزيلة، ولكننا نتفاءل في ظل الانفتاح العلمي والتواصل الاجتماعي إلى انبثاق جيل جديد من الكتّاب والعاملين في الحقل الطفولي يحملون مشعل التطور والمعاصرة والإبداع والأنفاس العلمية وتجاوز العاطفية، لأن الدول والمشاريع ثقافية-تربوية كانت أو غير ذلك لا تبنى على العاطفة.


*صفات كتاب الطفل التلقائية والبراءة

ومن ناحية أخرى تحدثت الدكتورة وفاء بنت محمد الطجل ـ باحثة ومستشارة تربوية “تعليم الطفولة المبكرة” قائلةً: إن الكتابة والتأليف نوع من الإبداع ومن الصعب تأطير الإبداع أو قولبته، فالمؤلف يحس المعاني ويسمو بالخيال فيحول الشروق مثلا إلى صورة ملونة جميلة تعج بالحياة والجمال، ينقلنا من عمق البحر لقمة الجبل في لحظة، يرسم الشخصيات ويكتب المشاعر ويصور الأحداث، يتلاعب بالزمان والمكان والطقس ويتفنن بكلماته بإحساس مرهف لينقل للقارئ طفلًا كان أو راشداً فكرة، أو معلومة، أو عاطفة، أو حدثاً، فيرسم لنا لوحة نصية نستمتع بقراءتها لذا فلكل كاتب أسلوب خاص تزهر به شجرة إبداعه فلا يمكن أن نقارن زهرة التفاح بزهرة الليمون كلها ستصبح ثماراً نتلذذ بالطعم الفريد لكل منها.

 وفيما يخص كتب الأطفال التي تُكتب بلغة قد يصعب على الطفل فهمها، فما مقياس الصعوبة ؟. الأطفال ليسوا متساويين في القدرات، ولا يمكن أن نقول أنهم يتمتعون بنفس المهارات، أو يمرون بالخبرات ذاتها، مما يجعل  من المهم أن تكون هناك مستويات مختلفة من النصوص بين السهل الواضح والمحسن الإبداعي، ومن الجميل أن تخرج عن المباشر والمألوف فمن الأطفال من هو قادر على تذوق مستويات متقدمة من الأدب، بينما يكون ذلك صعباً على من هو أقل خبرة ومهارة، فلا يمكن مقارنة طفل يُقرأ له منذ كان رضيعا بطفل آخر لا يَقْرأ ولا يُقرأ له، ومع ذلك فهناك أيضا محددات عامه للكتب المقدمة للطفل فلا يجب أن تكون سهلة مباشرة ومملة وتستخدم لغة الكبار وبنصوص معقدة صعبة تُشعر الطفل بالعجز عن فهمها، فمتى تحقق التعادل بين التشويق والوضوح، بين التشبيهات والكنايات والأوصاف المباشرة، كان ذلك الكتاب مناسباً للطفل.

وفيما يخص كل كاتب يستطيع أن يبحر بقلمه في عوالم نقدية ورقابية التي توازي حركة الإنتاج والكتابة للطفل؟ فكانت الإجابة عليها كالاتي:  من أهم المعايير للكتابة للأطفال أن يعبر الكاتب عن وجهة نظر المتلقي وهو الطفل، وأن يكون الكتاب بعيداً عن التلقين لفكرة يريد الكبار إيصالها، كما أن أهم صفات كتاب الطفل أن يغلب على أحداثه الفرح والتلقائية والبراءة، مهم أيضاً أن يرتبط كتاب الطفل بحياته فيتحدث عن من يحبهم ويتعامل معهم أصحابه مثلاً.. عائلته.. حيه. مدينته أو أي شيء قريب منه وضمن محيطه، هذا لا يمنع أن نقدم للطفل كتبا تفتح نوافذ معرفة جديدة من بيئات مختلفة ولكن يفضل أن تقارن وتشبه بحياته التي يعرفها.

كتاب الطفل يخرج من عالم الطفل ويصاغ بلغته وبطريقة تشبع فضوله وتلبي شغفه وحبه للمعرفة، كتب الأطفال يغلب عليها الخيال بسحره الأخاذ وتتحقق فيها الأمنيات، اللغة التي يحبها الطفل التفاؤل والحب والأمل والشجاعة والمشاعر الإيجابية، النهايات السعيدة أساسية في قصص الأطفال، وصحيح أننا بالقصص نعلم القيم وهذا نهج القرآن والسنة، ولكن لابد أن تدخل القيم ضمناً بين الأحداث والوقائع ولا تلقن مباشرةً، ومثلها النصائح و التوجيهات، يحب الصغار التكرار والعبارات الطريفة والمرحة وأن يكون للكلام نغم وإيقاع، قصص الأطفال وكتبهم تحمل القيم وتطور اللغة وتقدم الخبرات لذا فرفع مستوى اللغة والخطاب مطلوب لتطوير مهارات الأطفال ولكن ليس لمرحلة يصعب على الطفل فهمها. 

ولكي نكتب للطفل لابد أن نعايشه نحدثه ونناقش عقله ونتعلم من أسلوبه في الحديث، فكاتب الطفل المحترف ينبغي أن يعيش معه وأن يكون داخله دائما طفل صغير يرى العالم بعيون الأطفال، من المهم أن يكون كاتب الطفل محاطاً بالأطفال يلاحظهم ويحادثهم ويعرف اهتماماتهم وطموحاتهم.. فكتاب الطفل يجب أن يكون من عالمه ومشابها لتعبيراته وأساليبه في رؤية المشكلات وحلها وهذا من أهم أسباب نجاح كتاب الطفل.

حركة الإنتاج للطفل رغم ازدهارها في الآونة الأخيرة في عالمنا العربي وظهور دور متخصصة بها، إلا أنها لاتزال بعيدة عن العالمية ولم تُردم الفجوة الموجودة في الساحة الأدبية فيما يخص الإنتاج للطفل، حيث تشير إحصائيات اليونسكو بالأرقام عن الفارق الكبير بين ما ينتج في العالم العربي للطفل وما ينتج في دولة أوربية واحدة، لذا فنحن بحاجة لدعم الإنتاج للطفل ودعم ثقافة القراءة لأنها المؤثر الأول والأساس في صناعة الكتب الورقية والرقمية على حد سواء.  

لكي يواكب الكتاب للطفل قضايا العصر والعولمة والانفتاح الثقافي يحتاجون للاطلاع والاختلاط وإتاحة الفرص لرؤية ما يقوم به ناشرو وكتاب الطفل في العالم، وقد أعجبني مبادرة اليونسكو في كورونا التي جمعت كتاب عالميين على منصة واحدة واختارت من العالم العربي كتاب ليقرأ للطفل وهذا يدل على أن هناك في العالم العربي من وصل بإنتاجه للعالم، من الصعب الجزم بوجود كتب تواكب العصر أولا لعدم توفر إحصائيات جديدة حول الإنتاج وكذلك لأن الإنتاج في بعض الدول العربية لا يصلنا ولا نعرف عنه شيئاً،  فلا يمكنني أن أكون أكيدة، ولكن مما لا شك فيه ومن خلال الاطلاع على منصات القراءة وبيع الكتب العربية الموجهة للطفل يمكن أن نقول أن هناك حراك إيجابي في عالم الإنتاج الأدبي للطفل لا يمكن إنكاره، فقد أصبح هناك الكثير من الكتب المصورة الجيدة تحاكي شغف الطفل، وبدأت تظهر أنواع جديدة من القصص والكتب الثقافية والتعليمية والروايات والكتب الفصلية غير المترجمة والسير، صحيح أن الأرقام لا توازي الإنتاج العالمي ولكنها موجودة وبعضها جهود فردية، وهذا الجهد لابد من تشجيعه والإشادة بهذه الأعمال وتكريم الدور التي أصدرت أعمالاً جيدة أضافت للساحة، وهنا نشير إلى أن معايير الكتابة للطفل يجب أن تنشر على نطاق واسع، ليعرفها كل ناشر وكاتب يريد أن يدخل عالم النشر للطفل، ومن المهم أن يعي النقاد أن لهم دورا كبيرا لدفع العجلة للأمام، فحبذا أن يكون نقدهم إيجابيا يحث على النمو والتطور دون الإحباط أو التقريع الذي يوقف التقدم، لنصل معا بأدب الطفل إلى العالمية بإذن الله.


*الأطفال هم زينة الحياة الدُّنيا


فيما أضف الأستاذ علاء الدّين حسـن -الكاتب والأديب السوريعن أدب الطفل فقال:  الأطفال مرآة الحياة والمجتمع، مرآة صافية نقيَّة تعكس بوضوح أبعاد المستقبل الّذي سيكونون هم مرتكزه وجوهره؛ لذلك يجب أن تُبنى تربية الأطفال على الحكمة والتَّجربة والخبرة.
وإذا كانت الأبراج زينة المدائن، وإذا كانت السُّفن زينة البحار، وإذا كانت الأشجار زينة الأرض؛ فإنَّ الأطفال هم زينة الحياة الدُّنيا.
وأدب الطّفل هو نتيجة طبيعيّة لما يحصل في المجتمع؛ فهو يستمدُّ قيَمه وما فيه مِن مبادئ؛ يستمدُّ ذلك مِن عمق المجتمع.

وأدب الأطفال هو أحد الأنواع الأدبيّة، وهو فنٌّ راقٍ مِن الفنون الحديثة، يوجَّه إلى جمهور الأطفال، يهتمُّ بميولهم واحتياجاتهم، ويراعي خصائصهم وقدراتهم وطبيعة نمائهم مِن حيث الجوانب العقليّة والانفعاليّة واللُّغويّة.

وثقافة الطّفل، نعني بها الأعمال الأدبيّة والتَّعليميّة الموجَّهة للطّفل، مِن شِعر وقصَّة ورسم ومسرح ومقالة أو برنامج إذاعيّ أو تلفزيونيّ.

ولا شكَّ أنَّ أدب الطّفل يتيح الفرص أمام الأطفال؛ لبناء الثِّقة بالذّات، ودفعهم إلى مواصلة البحث والتَّقصِّي وحبّ المتابعة وتحفيز الفكر والذّاكرة.
إنَّه تعبير جميل مِن حيث الإيحاء والدّلالة لترقية المدارك والمواهب والقدرات.
وثقافـة الطّفل إنَّما تسـاهم في تنمية وجـدان الطّفل، وتنشيط عقله، وتقوية شخصيّته، كما تهدف هذه الثَّقافة إلى تطوير ملَكة الخيال وتحقيق التَّوازن النّفسيّ، وفهم الحياة، وإثراء الحصيلة اللُّغويّة، وبيان أهميّة الجمال في الكون والبيئة.
وعلى الرُّغم مِن أنَّ العالم بات قرية شبه صغيرة الآن، وأن لا أسهل مِن انتقال الكتب وترجمتها في أيِّ بقعة مِن العالم، إلّا أنَّ التَّنوّع في إنتاج القارَّات المختلفة في كتب الأطفال يلقي الضّوء على خصوصيّة كلِّ منطقة وأولويّاتها وقضاياها وأنماطها الفكريّة وتوجّهات الكاتبين فيها.

مِن أهمِّ المعايير الخاصَّة بالكتابة للأطفال: أن يكون ثَمَّة اطِّلاع عند الأدباء على ما هو واقع في ثلاثيّة الأسرة والمدرسة والمجتمع؛ لإخراج الأدب الخاصّ بالطّفل بشكل صحيح.

  ويرتكز الأدب الخاصّ بالأطفال على مجموعة أسس فلسفيّة وتربويّة ونفسيّة.   والاهتمام بهذا النَّوع الأدبيّ هو وليد الاهتمام بالطّفولة أوَّلاً، ومحصّلة لمبادئ التَّربية الحديثة الَّتي اهتمّت بكلِّ جوانب الشَّخصيّة الطّفليّة ثانياً.

  ومِن أهمّ مشكلات ثقافة الأطفال‏ في عديد من مجتمعاتنا، أنَّها لا تزال تعاني -في الأغلب- مِن انخفاض مستوى نوعيَّة المنتج الثَّقافيّ والأدبيّ، وأنَّ كثيراً مِن الأشكال الثَّقافيَّة الموجَّهة للأطفال لا تلبّي احتياجات الطّفولة المتنامية.

  وما نزال نمارس شيئاً مِن التّقليد في أساليبنا الثَّقافيَّة، و‏نعتمد التّلقين في عديد مِن القنوات الَّتي نتوجَّه بها لأطفالنا؛ ناهيك عن فقر كثير مِن مكتباتنا بنتاجات فنون أدب الأطفال وما يتعلَّق بالطّفولة، ومحدوديّة التَّجارب في ميدان هذا الجنس الأدبيّ الَّذي قطعت فيه شعوب العالَم أشواطاً كبيرة، حتّى في إطار التَّرجمة.

  ولا بـدَّ أن يكون الكاتب للأطفال محبَّاً لهم، متعلِّقاً بهم، مخلصاً فيما يكتب، ولا بـدَّ أن يشعر بعظم المسؤوليَّة ليتسامى في غايته، وأن يكون على اطِّلاع بالواقع الاجتماعيّ، وأن يلـمَّ بعواطف الطِّفـل، ولا بدَّ لـه مِن سَعة لغويَّة، وأن يتحرَّى الصِّدق في كلِّ ما يكتب، ولا بدَّ له مِن حيازة معارف عِلميّة؛ فالكتابة للطّفل تقتضي أن يتمكَّن الكاتب مِن الاطّلاع على عِلم نفس الطّفولة، وعِلم الاجتماع وغيرها مِن العلوم، وبالتَّالي يجب أن يكون قارئاً جيّداً، ولديه قاعدة فكريّة واسعة، وأن يكون ملمّاً بكلِّ ما هو جديد في العالم، وأن يكون على دراية بطرق مخاطبة الطّفل، في ضوء التَّطوُّر التّكنولوجيّ، وذلك مِن حيث المستوى العمريّ والادراكيّ والقدرات العقليّة واللُّغويّة والمستويات التَّخيّليّة؛ ليتمكَّن مِن استنهاض عقل الطّفل، وحضّه على التَّفكير العلميّ السَّليم؛ فيكون بذلك قادراً على جعل الأدب ساحة للحوار مع الأطفال؛ بحيث يعينهم على تكوين العادات القرائيّة السَّليمة.

  ولا بدَّ لكاتب الأطفال مِن اختيار الموضوعات الَّتي تحاكي الطِّفل، وتسعى لتنشئته في بيئة ثقافيّة، فلا يقتصر نتاجه على موضوعات محدّدة ومكرّرة؛ بل عليه أن ينوّع في أفكاره، مع الحفاظ على أسلوبه في الكتابة، فأطفال العصر الَّذي نعيش فيه، لهم احتياجات مختلفة عن أطفال العصور السَّابقة؛ فقد أصبحوا يستخفّون بقصص غابرة، إذ إنَّ عقولهم أصبحت تطلب ما هو أكثر قرباً مِن روح العصر.

لقد غدا أدب الأطفال محطَّ اهتمام الأمم الحديثة الَّتي سخَّرت الإمكانات والمؤهّلات، وأطلقت الدَّعوات والمطالبات؛ بهدف الارتقاء به على الأصعدة كافَّة، والسَّعي لإنتاج متميِّز -شكلاً ومضموناً- في مجالاته، حتَّى صار استراتيجيّة متكاملة تتعدَّد أهدافها وتخصُّصاتها؛ يتنافس فيه خيرة الكتَّاب وأكثرهم إبداعاً ومهارة.

  وتشير الإحصائيّات إلى أنَّ نتاج كتب الأطفال خارج المناهج التَّعليميّة في دولة متقدّمة -كألمانيا- يساوي ما يقارب إنتاج الكتب المدرسيّة، وأنَّ عدد كتَّاب الأطفال فيها يقارب ثلاثة آلاف كاتب، وأنَّ اليابان تنتج سنويّاً ما يقرب مِن خمسة آلاف عنوان للأطفال.

  إنَّ القول بسهولة الكتابة للأطفال إنَّما هي أفكار تعود لعقودٍ خلت، لم يُثبت خلالها مدى تأثير أدب الأطفال في تربية الأجيال وتنشئتها، وقد عبَّر توفيق الحكيم عن صعوبة الكتابة للأطفال أثناء تجربته في كتابة قصصٍ لهم، وتسجيله لبعضها عام 1977م عندما قال: (إنَّ البساطة أصعب مِن التَّعمُّق، وإنَّه لَمِن السَّهل أن أكتب وأتكلَّم كلاماً عميقاً، ولكن مِن الصَّعب أن أنتقي وأتخيّر الأسلوب السَّهل الَّذي يشعر السَّامع بأنِّي جليس معه ولست معلِّماً له).


*على الكاتب اختيار المصادر الجيدة لتثقيف الطفل


تفيدنا الأستاذة وفاء الطيب_ أكاديمية سعودية وناشطة في مسرح الطفل، بقولها: يعد أدب الطفل العربي أحد أهم الأدوات التي تنمي حصيلة الطفل اللغوية التي يستطيع من خلالها التعبير عن نفسه بيسر ووضوح وطلاقة ، كما أنه يصبح متمكنا من الخوض في فكر وثقافة من حوله وتدبر المعاني التي يصطدم بها عالمه الصغير.

وبعض الآباء يجيدون انتهاز تلك الفرصة لإشباع رغبة أطفالهم النهمة إلى التعرف على العالم الخارجي فيعلمون جاهدين على تغذية تلك الرغبة  بتزويده بالكتب الأدبية والقصص بالذات لتحفيزهم على المعرفة وتزويدهم بالأدوات اللازمة لقراءة العالم الأكبر وتربية الذائقة الفنية والجمالية لديهم في سن مبكر.

المعايير والمنهجية الخاصة بكتابة أدب الطفل وهل هناك حركة نقدية ورقابية توازي حركة الإنتاج والكتابة للطفل؟

مما لاشك فيه أن كتابة أدب الطفل لا تستقيم دون التعامل المسبق والممنهج مع الطفل من حيث مستواه الثقافي والمعرفي للموازنة ما بين المخزون الخيالي الذي يمتاز به وبين ما يدور في عالم الواقع لذلك يلجأ بعض الكتاب إلى مخاطبته من نافذة الخيال التي تروق للطفل دون المساس الأساسيات التي يحيا عليها في واقعه. وأيضًا لابد من أن يراعي الكاتب المرحلة العمرية للطفل واهتماماته لترقية وجدانه إمتاعه مع الحرص على تلقينه ما يغذي الجوانب الدينية والأخلاقية والاجتماعية والفكرية لديه.

كما أنه لابد من مراعاة الكاتب اختيار المصادر الجيدة لتثقيف الطفل كقصص القرآن الكريم والفكر الناجم عن الأدب النبوي وما تجود به روافد التراث من تنوع في الأدب المحكي من شعر وقصة ومسرح.

استطردت الأستاذة وفاء في حديثها عن المحور الثاني قائلة : تزخر مكتبة الطفل العربي حاليًا بالكثير من المؤلفات التي تتوافق مع قضايا هذا العصر وما فيه من انفتاح ثقافي إلا أن بعض الكتاب يكرسون دون وعي منهم الثقافات الأخرى قبل تعميق الثقافة العربية المقتبسة من أخلاقيات وتراث العالم العربي المسلم فيخلقون عند الأطفال نوعًا من الصراع ما بين الثقافة المستمدة من القرآن والسنة والثقافات الأخرى التي قد لا تلقي بالاً للمعايير المجتمعية الغربية.

كما أن اختيار الشخصيات ورسمها قد يتنافى تماما مع المفاهيم الإسلامية والبيئة العربية فالخنزير كائن  ذكي نظيف ، علما بأنه لا يتمتع بتلك الصفة ، والتنين مخلوق جميل ، علما بأن التنين أبعد ما يكون عن واقع الطفل العربي، وقس على ذلك من معلومات دخيلة يمكن الاستعاضة عنها بشخصيات من وحي الأدب العربي كما في كليلة ودمنة على سبيل المثال لا الحصر.

وقد قمت ببحث شامل عن الحيوانات التي عاشت في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فوجدت حيوانات نبيلة كالقصواء والذئب مخيون والحمامة التي أخاف أحد الصحابة أفراخها فعكفت على كتابة مسرحيات قصيرة أبطالها تلك الحيوانات سعيا لسد تلك الفجوة التي أحدثها الاقتباس غير المبرر من الأدب العالمي.‏


*نطمع في ايجاد فارس بلا سيف ولا جواد


وأضاف الأستاذ عادل الخطيب – مستشار إعلامي باتحاد كتاب مصر قائلاً لقد أوصلتني أسئلتك إلى المستشفى. بعد أن أخذت أراجع ما يحدث على الساحة المحلية والعربية فيما يسمى أدب وثقافة بل وفنون الطفل فلم أجد.. اللهم كتابات عقيمة لبعض بقايا عصور الارتزاق المنقرضة…

المشكلة الكبرى هي إنني بحثت عن الطفل في الكيانات الرسمية والأهلية فلم أجد سوى فئويات مثل: ذوى الاحتياجات الخاصة../أطفال الشوارع/أطفال الملاجئ، وأطفال الأورام السرطانية، وأطفال مرضى كذا وكذا، وكأنما لم يعد للأطفال الأصحاء والأسوياء والطبيعيين في أحاديثنا الرسمية وجود ؛ فأين أطفال المجتمعات العربية حتى نبحث عمن يعطيهم أداب وثقافة الطفل.

فمنذ دخلنا في غياهب ٢٠١١ وما عرف (بأحد فصول العام) العربي وتاه أدب وثقافة وفنون المجتمع العربي بأكمله، وقد أصبح المتحكم بهم هو السيد صاحب رأس المال تارةً ومن خلفه صُناع الفوضى الخلاقة، وقد دفنت كل من ثقافة وأدب وفنون الطفل التي هي صناعة المستقبل رأسها في الرمال. حيث لحقتها صناعة ثقافة و آداب وفنون الشعوب العربية، فقد تغيرت ثقافة شعوب المنطقة العربية بكاملها، فمن كان ينام ويصحو على مواد داعمة للاستقرار والعمل أصبح لديه ثقافة الاتكال بل وقد تصل إلى بيع الوطن بحفنة دولارات(أقليات) لكنهم موجودين، وعلى مدار الأعوام الإحدى عشرة المنصرمة اختفت ثقافة الطفل، فقد كبر الطفل العربي في تلك الأعوام ما يزيد عن مئة عام أو يزيد، وبالطبع بدون توجيه وقيادة من أدباء ومفكرين حقيقيين يعملون عليه باستراتيجيات وخطط عمل مدروسة ومحسوبة النتائج؛ بل لم تجرؤ أية جهة حكومية أو خاصة أو حتى أهلية علي تبنى مشروع ثقافة الطفل في أي من الأقطار العربية في ظل استقواء ذوى الأجندات المبيدة للقومية العربية في نفوس العرب ناهيك عن أطفالهم. لذلك اتجهت أغلب الجهات إلى فئويات الأطفال في محاولة يائسة لإثبات أنهم يستحقون ما يحصلون عليه من منح وحتى مرتبات أمام الحكام والمانحين. أما الطفل فقد كبر وأصابته شيخوخة مبكرة مما تلقى عبر هذه السنون من معلومات سياسية واقتصادية واجتماعية ما كان يجب أن يتعرض لها أو يعرفها في حداثة سنة ونعومة أظفاره..، مما حوّله إلى طفلٍ كهل علينا نحن أن نفرغ ما بداخله وأن نستمع له فلم يعد ينفع معه أن يستمع أو يقرأ عن أليس ولا سندريلا ولا ست الحسن ولا غير ذلك من مخصبات الخيال في الماضي السحيق، فقد تشبع عبر سنواته القليلة بما لا يمكن محوه من مخيلته. حتى إني أرى أن محاولة إعادة تأهيل الطفل العربي حالياً وإعادته إلى بوتقة الطفولة هو أحد المستحيلات. فما بين الهدم و إعادة الإعمار ستضيع أجيال لم ولن تعش طفولتها. والآن ما الحل؟

نحن الأن نطمح أو نطمع في إيجاد فارس حقيقي وبلا سيف ولا جواد ولكن برأس مال عظيم يؤمن بالمستقبل ولا يهدف للربح الآني.. بحيث ينشئ مؤسسة عربية يعنيها مستقبل الوطن ويجمع فيها كل من تسول له نفسه الإدعاء بأنه كاتب أو أديب للطفل ويضع استراتيجية محاولة استعادة ما يمكن ممن فاتهم قطار الطفولة من باب مالا يدرك كله لا يترك جله، وعلى محورٍ موازٍ يشرع بالعمل على الأجيال القادمة فقضية العالم العربي وبقاءه مرهون على المستقبل وليس على اليوم. فهل يوجد؟


*نحترم القارئ الصغير ولا نستخف به


فيما أشارت الأستاذة فاطمة خوجة -كاتبة أدب أطفال ويافعين _ في حديثها عن أدب الطفل هو أحد أهم المشاريع الثقافية المعرفية، الذي يحتاج المنتسبون إليه بذل الكثير من الجهد لفهم خصائص نمو جمهورهم المعرفي، والنفسي، والسلوكي، وتلبية احتياجاتهم القرائية.

كما أن هناك فرق كبير بين الكتابة للطفل والكتابة عن الطفل؛ بمعنى أنّ مجرد وجود طفل -كبطل أساسي- في عمل روائي، لا يعني – بالضرورة- أن العمل موجّه ليقرأه الأطفال، وأن القصة التي تُروى على لسان طفل، ليست دليلاً أن العمل مناسب ليقرأه اليافعين.

لذا قبل أن يبدأ الكاتب نصّه، عليه أن يحدّد المسار ؛ حتى لا يقع بين أسلوبين أو طريقتين للكتابة؛ وذلك بسؤال نفسه: هل سأكتب للأطفال، أم عن الأطفال؟

أو بصيغة أخرى: مَن سيقرأ الكتاب الذي سأكتب؟ وبأي طريقة سيقرؤه؟

لأنّ الحقيقة التي لا شك فيها؛ أن الصغار يقرؤون بطرق، ولأسباب مختلفة تمامًا عن طرق وأسباب الكبار. كما قال مايلز ماكدويل: كِتاب الأطفال الجيد يقدّم الخبرات المعقدة، بطريقة سهلة لقرائه. أمّا كتاب الكبار الجيد فيجذب الانتباه؛ لتعقّد الخبرات التي لا يمكن الهروب منها.

وفي حديثها عن  المعايير والمنهجية الخاصة بكتابة أدب الطفل وهل هناك حركة نقدية ورقابية توازي حركة الإنتاج والكتابة للطفل أشارت الأستاذة فاطمة: هناك أسس عامة في كتب الطفل حسب الفئة العمرية الموجهة إليها، تختلف من حيث نوعية الورق وحجمه، الصور والألوان، اختيار العنوان، الفكرة، النص، الحبكة، عدد الكلمات، وتراكيب الجملة والمفردات.

مثلا: الأطفال بعمر ٣- ٥ سنوات مرحلة الواقعية والخيال المحدود ليسوا بحاجة لنص مقروء قدر سعادتهم بالتحديق في الصور الملونة، فكتب هذه المرحلة تختلف عن كتب مرحلة الخيال المنطلق من ٦ – ٨، وتختلف عن مرحلة البطولة من ٩ – ١٢  

معيار النص للفئات كلها هو السرعة والرشاقة والخفة والتناغم. المهم نحترم القارئ الصغير ولا نستخف به.

كما أن أدب الطفل يحتاج إلى عشرات الدراسات والمتابعات النقدية؛ ليتضح أمام المستهلك سواءً كانت الأسرة، أو أمين المكتبة معرفة الكتاب الجيد من الكتاب غير الجيد. لكن المؤسف عدم وجود متابعة نقدية حقيقية لما يصدر من كتب للأطفال توازي حركة الإنتاج والنشر.. إلا فيما ندر.

_ وحين طرح التساؤل حول الكاتب هل يستطيع أن يبحر بقلمه في عالم الطفل وهل واكب كتَّاب أدب الطفل في إنتاجهم قضايا العصر والعولمة والانفتاح الثقافي، فكانت الإجابة كالاتي : حقيقة إن ابتكار كتاب للأطفال هو عمل مهم وشاق كما غيره من الإنتاج الأدبي، وليس كما يظن البعض أنها مهمة سهلة بل هي في نظري أصعب من الكتابة للراشدين. يؤيد رأيي قول لتولستوي: “عمر الإنسان من ٥ سنوات إلى ٥٠ سنة مجرد خطوة واحدة، لكن عمره من الولادة إلى عمر خمس سنوات مسافة طويلة جدًا.

بمعنى أن الكاتب للطفل يصول ويجول في ساحة أهم مرحلة من مراحل عمر الإنسان، فلا بد وأن يكون أكثر وعيًا وحيطة للحرف الذي يضعه قبل الكلمة.

كتّاب أدب الطفل يجتهدون. لكن مهما أنتجوا سيبقى هناك فراغ؛ لأن الأطفال لهم احتياجات ضخمة، وقد تكون هناك فجوات في تعليمهم، وبيئتهم، أو تنشئتهم، يتوقع من القراءة إشباعها.


*الأطفال كالزجاج من السهل خدشهم وكسرهم

وتفيدنا الأستاذة نوير بنت سعود الحارثي -إعلام صحافة من منظورها الإعلامي قائلة: نعم هو مشروع ثقافي ومعرفي ومن الممكن أيضاً أن يوصلنا لمعرفة رغبة الأطفال وبمعرفة طريقة تفكيرهم وأيضاً من الممكن أنه يترجم معاناتهم من خلال ما يكتبون أو من خلال ما يميلون له من نوع القراءة ويمكن ترجمة ذلك الأدب عن طريق القصص المصورة والمسرحيات الغنائية والألعاب الحركية ذات الألوان المختلفة لأن أغلب الأطفال بطبيعتهم بصريين يشدهم ما يرونه من النظر ف يجب وضع الألوان والاشكال لترجمة هذا الأدب ويمكن ترجمة أدب الطفل بما يتناسب مع شخصياتهم ومواهبهم أيضاً نضع ما يشد شخصياتهم ونضع لهم ما يميلون له من المواهب سواء اكانت هذه الموهبة الرسم أو الكتابة أو حب المسرح أو الإلقاء أو القصص المصورة والمسرحيات الغنائية.

وفيما أضافت حول المعايير والمنهجية الخاصة بكتابة أدب الطفل و الحركة نقدية ورقابية وهل هي توازي حركة الإنتاج والكتابة للطفل قالت : إنتاج كتاب للكبار لا يحتاج لأكثر من تدقيق لغوي، واختيار حرف ملائم، وطباعةٍ، غالباً ما تكون بلون واحد، وإخراج بسيط منمط، فإن كتاب الطفل يتوجه إلى شرائح عمرية متعددة، يحتاج كل منها إلى اختيار ما يلائمه من موضوعات وأسلوب ومفردات لغوية، وصور وأشكال وألوان وأوعية ثقافية مختلفة، وإخراجات مشوقة وأدوات مساعدة.. مما يجعل كتاب الطفل أكثر تعقيداً عشرات المرات من كتب الكبار، ويتطلب تضافر جهود أطرافٍ متعددة تضم المؤلف والرسام والمصمم والمخرج، يقودها ناشر متخصص؛ ذو رؤية واضحة، ومشروع مخطط؛ تعمل بشكل تفاعلي ؛ منهجي وتجريبي، بحيث يخرج عملها جماعياً، يحمل بصمة الجماعة التي أنتجته ، والناشر صاحب المشروع الذي ألف بينهم.

وحين طرح التساؤل على الأستاذة نوير هل الكاتب يستطيع أن يبحر بقلمه في عالم الطفل وهل واكب كتَّاب أدب الطفل في إنتاجهم قضايا العصر والعولمة والانفتاح الثقافي ؟ كانت الإجابة كالاتي: لا، لا يستطيع كل كاتب أن يبحر بقلمه في عالم الطفل وإن كان الكاتب يريد الخوض في عالم الطفل يستطيع ولكن بعد أن يقرأ ويبحث ويطلب المساعدة والاستشارة من المختصين لأن عالم الطفل يحتاج له مختصين في هذا المجال لأن لغة الأطفال دقيقةً جداً وشخصياتهم مختلفة وفئاتهم مختلفة وأجيالهم مختلفة عن بعضها ومشاعرهم من الصعوبة أن تُفهم وتتضح لأي شخص فقط للمختصين والمهتمين ومن لديهم خبرة في تربية الأبناء الأطفال كالزجاج من السهل خدشهم وكسرهم وستبقى تلك الكسرة تمتد سنين طويلة حتى وأن كبروا وحتى لو أن الزمن أخفى تلك الكسور ستبقى غير مرئية لذلك الأشخاص عندما يكبرون يختلفون بسبب اختلاف طفولتهم.

*الطفل مستقبل الأمة وهو الكنز الحقيقي


حيث صورت لنا الدكتورة الجوهرة الجميل/ عضو نادي حائل الأدبي– إن الطفل كنز ثمين  فقالت: يمثل الطفل مستقبل الأمة وهو الكنز الحقيقي للأوطان بخصائصه السيكولوجية وقدراته العقلية العظيمة والتي تتأثر بالمحيط والبيئة الاجتماعية فهو الطاقة الفكرية المكتملة التي يحسن بنا تنميتها وتوجيهها وبنائها بما يليق بالعربي المسلم وبما يتناسب وقيم شعوبنا ويبرز موروثنا الثقافي ويمثله خير تمثيل. 

ترك الطفل بين يدي الخدم ومع الفضائيات والأجهزة التقنية مشكلة تربوية خطيرة ساهمت في وجود أفراد بلا هوية للأسف كما هو حال بعض شبابنا، لذلك ينبغي الاهتمام ببناء فكر وقيم واتجاهات هذا الكنز العظيم بالتعليم والتربية والآداب المتنوعة.
 والكتابة للطفل من أفضل الفنون الإنسانية  بمختلف مساراتها ومن أهم المشاريع الوطنية  التي يبغي العناية بها أكثر من العناية بغذاء الطفل ذاته، فبناء الفكر والعقل والقدرات والمواهب أهم من بناء العضلات!!    
فهي تسهم في  صياغة سلوك وشخصية الأطفال وخيالهم وتنمية قدراتهم الذهنية والعقلية واللغوية وخاصة القدرة على تذوق الفن والجمال .

و في الساحة الأدبية تنوع أدب الطفل بتنوع مراحل النمو كمرحلة الطفولة المبكرة (وتمثل ما قبل المدرسة) والطفولة المتأخرة (رياض الأطفال والتعليم الابتدائي) ولكل مرحلة خصائصها العقلية والمعرفية وكتابها ومحترفيها.
و في عالمنا العربي ولله الحمد الكثير من الإصدارات وفي مختلف الاتجاهات..
 ولكن أدب الطفل كغيره من الآداب يفتقد الكثير من المعايير والمنهجيات وخاصة مناهج النقد، فالطفل هو الناقد البصير!!
وقد لا أبالغ إن قلت أن أدب الطفل رغم تنوعه وتعدده إلا أنه يسير مع الطفل بخطوط متوازية (والخطوط المتوازية لا تلتقي مهما امتدت) وخاصة في عصر اختلاط الثقافات والفضائيات وتداخلت السلوكيات وما أرتبط بها من مؤثرات ومخرجات سلبية.
أين أدباءنا من دراسة احتياجات الطفل المسلم، رجل المستقبل، ناقل الإرث العربي؟
هل تم تفعيل أدب الطفل وتوظيف الوسائط التقنية في القصص والحكايات الموجهة للأطفال كالبرودكاست والتك توك والقنوات الأخرى…؟
لذلك  ما أحوجنا إلى:

– كاتب عصري يستطيع أن يبدع في صياغة أدب الطفل  وفق المستجدات الحالية.

– كاتب يحمل فكر الأمة وتوجهاتها، بعيدًا عن التقليد.

– كاتب  قادرًا على ترجمة القيم الإسلامية والعربية ضمن فنونه بإبداع يجذب الجيل الحالي. 

– كاتب يسهم في تشكيل فكر جيل يحمل تراث وعراقة العروبة.

– كاتب يبني وينشئ قنوات مثيرة وجاذبة وثرية للطفل العربي.  

خاصة مع النقلة التقنية المتسارعة والمتفجرة التي أبعدت الكبار قبل الصغار عن الكتاب وأصبح  الطفل أكثر تأثرًا بأجهزة التقنية، لدينا

أدباء متميزون ولدينا أطفال بذهنية عبقرية، وعقول تقنية رائدة .. “ولكن دررنا متفرقة لم تنظم في عقد فريد “.

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

2 Responses

  1. ما أحوجنا الى كاتب لديه الخبرة فى تربيت الأطفال
    أو عايشهم وكان قريب منهم ويعرف احتياجاتهم

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: