عبور ناعم

عبور ناعم

 

سمير خميس*

بلغ من العمر عتيًا.
تراه منكبًا على أوراق يدققها لغويًا ويصححها إملائيًا، والشباب من حوله في القسم يتندرون عليه:
– انتهى عصر الورق يا عم حمود.. هناك برامج إلكترونية للتصحيح ستعمل بها الجريدة.
ينهض محدودبًا :
– حيل الله أقوى!
يقول ذلك وهو يلوك بقية من ورقة اقتطعها مغتاظاً والقوم يظنونه يعلك اللبان..

كانوا يبادلون نهمه للعمل بنمائم لا تنتهي:
– لا يملك ثلاجة وإذا أراد أن يشرب ماء باردًا يبرده في المكيف!
– ليس متزوجًا كما أنه لا يعرف استخدام الكمبيوتر!
وكان رده على تلك النمائم كتبة وكاتبات نحتهم بيديه العاريتين إلا من قلم أحمر قانيَ اللون.

لم يغب يومًا في حياته، وإذا ما اشتدّ عليه المرض في يوم ما، اكتفى بالتمدد على كرسي مقابل للكرسي الذي يجلس عليه.

اختص بتدقيق وتصحيح نعي الرؤساء والملوك. تآلف مع الموت ومآسيه، فتركوا له مراجعة أخبار الحوادث والوفيات. لم يكن أحد يعلم أنه كان يحسد الأموات، سيما أولئك الذين يكون موتهم ناعمًا ودون معاناة.
– إن كان لا بد لي أن أموت فليكن موتي مثل هذا!
يحدّث نفسه بعد أن دقّق خبرًا عن مصلٍ مات ساجدًا
– أو مثل هذا!
و “هذا” نام ولم يصحُ أبدًا..

كان الورق يختفي، والعمل على جهاز الكمبيوتر يقترب. يتساءل بوجع :
– هل من الممكن أن يحل شيء جامد بلا مشاعر أو أحاسيس مكاني؟!

لم ينتظر الإجابة، إذ أنه بدأ الاستعداد ليوم وفاته بدأب وصبر شديدين، ولما اقترب موعد وفاته أشاعه على الملأ داخل الصحيفة وخارجها.
الساخرون والشامتون والمحبون والشانئون تسابقوا إليه لإرسال رسائلهم وأخبارهم التي لم يقرأها أحد إلى الحياة الأخرى التي سيعبر إليها، والصحيفة تكفلت بتخصيص إعلان مدفوع على صدر افتتاحيتها حددت فيه اليوم الموعود لوفاته.

تزاحم الناس وتعاركوا عند مدخل مبنى الصحيفة. أحدهم استأمنه على خبر قديم يتنبأ بقرب انتهاء حياة الشتات واللجوء التي كان يعيشها، وأن العودة إلى الأرض التي باركها الله أصبحت حتمية. زميل له اختار أن يرفق معه خبرًا عن أخيه الذي خرج في زمن الحرب ولم يعد. آخر كتب رسالة إلى حبيبته التي اختارت الاقتران بعجوز أتقن عد النقود أكثر من شاب أدمن التلاعب بالكلمات، فيما اختار هو أن يحتفظ بصورة عنز تعلق قلبه بها قبل أن تفرق بينهما سنين الغربة.

احتفلوا بآخر ورقة راجعها، وعندما انتهى من آخر كلمة استند عليها ومات بخفة حسده عليها كل الثقلاء.

 

*قاص من السعودية

‪@Ssaa_73‬

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *