النظر إلى السماء

النظر إلى السماء

سلطان بن محمد*
رأيته كعادته وحيداً. ينظر إلى السماء كمن ينتظر دوره للحديث؛ طويل الصمت، دائم الابتسامة بغير تكلف، طلق المحيا؛ يغطي وجهه مسحة من الخشوع لكنها بلا ضعف وتذلل؛ يهابه من يراه ويحبه؛ ترتاح له القلوب من غير إرادة أصحابها؛ ما رأيته يُكثر من الضحك على حبه للأنس والمسامرة. وما برحت الحكمة من لسانه وتصرفاته قط.
ولم أراه يوماً يتشكى ويتسخّط على كثرة بلواه وعوزه المدقع. لقد كان نبراساً للواثقين الملهمين، مشكاة للحيارى المتخبطين، ولكم إتهمته باللامبالاة وعدم الاحساس؛ ظناً مني بأن الجزع والتشكي هو سلاح المصاب وعدته وعتاده، ولكم ظننت بأن الهروب هو أفضل حل لكثير من المصائب؛ وما علمت بأني أقوم بأرشفتها، وربما ركلتها في المستقبل القريب جاهلاً بأني سوف ألقاها لامحالة .
صادفته يوماً فسألته كيف يتلقى سهام الحياة بإبتسامة تخجل منها السهام نفسها؟ كيف يقوم بتطويع الرزايا حتى تصبح مروضةً كالطفل في حضن أمه؟ من أين له القوة والصمود؟ من أين يستمدها؟ وكيف يخرج منها بلا جراح روحيه؟
فهالني جوابه إذ يقول:
“أن الحياة طعام وملحها المعضلات، لا يمكن أن تستيغ طعامك بلا قليل من الملح، فهب أن روحك ستكون يافعة كالزهرة في كل صباح مشرق ومساء صافي، هل ستكون سعيداً بذلك؟
أني على يقين بأن الملل مواجهك لامحالة؛ أن كلامي هذا لا يدعو إلى جلب المشكلات؛ بل يدعوك لتقبلها وتدعها تمر كسابقتها؛ لن تجد ياصديقي معضلة دائمة ولا سرور يطول؛ لابد من التقلب ما بينها، فإذا باغتني العسر علمت أن اليسر يعقبه، فتسلحت بالصبر وترقبت، وأن أتاني اليسر فرحت به، حامداً وشاكراً للرب في كلا الحالتين؛ بل وجدت في ثنايا المحن أعذب الدروس واحكمها؛ عرفت بها صديقي من عدوي، وتعلمت منها أكثر مما علمتني الفصول ومعلميها.
متى ما وجدت الرضا وجدت الحياة؛ إن في المعضلات ترياق لإستمرارية الحياة في داخلك فأبحث عن ذلك في نفسك.

حينما إنتهى من كلماته الشافية؛ أحسست بالماء يطفئ لهيب قلبي، ورأيته يبتعد عن ناظري، يطالع السماء كعادته، فلم أعلم حينها أهو في حالة إنتظار الفرج أم في حالة الشكر.
في دقائق معدودة جلست فتى طائش أحمق ونهضت من مكاني رجلاً مثله أنظر للسماء.

*كاتب_ السعودية

sultan1mlf@

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *