“كيدها”.. أفق ومعنى

بقلم: وليد الزبيدي*

يتفرد الكاتب العماني عبد الحميد الطائي بمسألتين: الأولى، أنه يبحث عن المعنى الذي لا يمسك بتلابيبه الكثيرون، أو يجدون صعوبة في إدراك كنهه، وثانيهما، أنه مؤمن بفيض المعنى الذي يطرق بابه ويتوغل صوب أعماقه، حتى وإن وصل البعض إلى مشارفه ولامس بعض جوانبه.

وقبل الحديث عن إصداره الأخير، الذي اختار له عنوانا يستدعي أكثر من وقفة “كيدها” لابد من القول، إن الطائي قد سار منذ سنوات في غابة من الكلمات التي ينثرها بين صفحات مؤلفاته، ويرعى نصوصها حتى يقطف ما قصد من ذلك البذر، ومن خلال تواصله وتوغله في هذا العالم، فإنه يؤكد لقرائه ومتابعيه، أنه يحصي نجاحاته في المعنى، ويوثق ثمرات ذلك في الصورة المتموجة بين شذرات عوالمه.

ثلاثة مستويات نقرأ من خلالها “كيدها”: الأول: اللغة التي يختارها الطائي بعناية كبيرة، والثاني: المعنى والفحوى، والثالث: وهو الأفق الذي ينفتح على آماد بعيدة.
للوهلة الأولى، قد يوهمك الطائي بأنه يبني صورة مجردة، وأنه لا يهتم بترابط موضوعها، لكن لكي تقف عند القمة، لتستكشف المعنى، لابد من تفحص يعتمد التأمل أساسا ومنهجا، عندها قد تضطر للإبحار ثانية في داخل النص بكليته، لتجد المعنى الذي يفيض به النص، وتكتشف تكاملا في الصورة وذؤاباتها وعميق جذرها.

يحتفي عبد الحميد الطائي بأكوام من المآسي، وأجمل زاوية بهذا الاحتفاء، أنه يستنشق الواقع المليء بالعبث والدخان العتيق والجديد، وفي أتونه يصبح الحزن قريبا منه ولصيقا به، يقول:

بَيْتُ هَابِطِ القِمَّةِ
الاِنْحِدَارُ بِالأُمَّةِ

وفي موقع آخر:
كَيْدٌ هَاضِمٌ الخُبْثِ.
خَرْبُ

بهذا المسار الطويل الذي يزخر بالصورة وبالمعاني، تتفتح آفاق، قد تمسك ببعضها، وقد يكون التيه نصيبها، لكن هموم الأمة تدور ولا تستكين، وتحزن دون أن يتلبسها اليأس، فرغم المكائد الكثيرة وتموجات العتمة، إلا أن إضاءات غير متناهية تنبعث من وهج المعنى في الكلمات.
يقول:

نَصِيبٌ هَارَشَ لِأَقَارِبِهِ.
يٌنافسُ الكِلَابُ
ويضيف
نَصِيبٌ هَامِدٌ
حَقِيقَتهُ بُرْكَانٌ

عند الطائي، لا البركان ينفجر في لحظة غضب ولا يستكين في أتون حزن، في لحظة تفرح لحزن وقد تحزن لومضة فرح، وفي هذه الأمواج يذهب الزورق بعيدا، لكنه أبدا لن يغرق ولن يتحطم.

في “كيدها” يتلامس الشعر بالحكمة، ولا تستطيع التفريق بين حلم هامس وواقع يصرخ وظلّ يقترب من هذا وذاك، لكن أحدا لا يحاول تحقيق الغلبة على الآخر، وإن حاول لن يتحقق له ذلك.

كاتب و روائي عراقي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *